كيف حفظ الله السماء من الشياطين؟

تفسير آيات سورة الحجر

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ

شرح الكلمات:

شِيَع: جمعُ شِيعة. شيعة الرجل: أتباعُه وأنصاره (الأقرب). وقال الفرّاء في (شِيَعِ الأولين): هو مِن إضافة الشيء إلى صفته (البحر المحيط).

التفسير: لقد سمّى الله تعالى هنا كل جماعة من الناس شيعًا، وفي هذا دحضٌ للذين يقولون إننا أحرار، ولا ننتمي إلى أية طائفة. الحق أنهم ليسوا في الواقع أحرارًا، كما أنهم لا يعتبرون أنفسهم أحرارًا، وإنما يقولون هذا كيدًا ومكرًا حتى يستمروا في الطعن في الآخرين دون أن يعترض عليهم أحد. فالله تعالى يعلن هنا أن هذا ادعاء باطل كليةً. لا أحد يكون حرًّا، بل لا بد لكل إنسان من أن يتبع أحدًا من الناس أو ينتمي إلى طائفة من الطوائف، سواء على صعيد الدين أو التقاليد أو الفلسفة. ذلك أن الإنسان يواجه الكثير من الأمور بحيث يستحيل عليه أن يتحرى عن كل واحد منها، ولذلك لا بد أن يقتنع إلى حد ما بأفكار الآخرين الذين يحسن الظن بهم. يقول علماء النفس إن التقليد هو أبرز سمة في النفس البشرية، وهذا ما يؤكده الله بقوله (ولقد أرسلنا مِن قَبلك في شِيَعِ الأولين).. أي لقد بعثنا الرسل من قبلك في شتى المجموعات البشرية التي كانت متحدة بسبب من الأسباب.

أما علاقة هذه الآية بما قبلها فهي أن الله تعالى قد أوضح هنا أنه بعث الرسل في الذين خلوا من قبل، وأنه حافظ على تعاليمهم أيضًا، كذلك سوف يقوم بحماية تعليم هذا الرسول. مع العلم أن هذه الحماية تكون نصًّا وروحًا، وتتم في عصر الأنبياء المشرّعين – بالإضافة إلى أسباب أخرى – حيث يمنح الله تعالى أتباعَهم الحكمَ في عهدهم، فيبيّنون المفهوم الحقيقي لشرائعهم بتطبيقهم إياها بأنفسهم. أما الأنبياء غير المشرّعين فيهب الله لأتباعهم أيضًا الغلبة لكي ترى الدنيا الثمارَ العملية لتعاليمهم، ولكن ليس من الضروري أن ينالوا الحُكم على الفور.

الغريب أن معارضي الأنبياء يرفضون دائمًا العمل بهذا الطريق السهل الذي لا بد أن يساعدهم على معرفة الحق بشكل يقيني، وهو أن يقيسوا دعوى المدعي على منهاج النبوة، أي على أحوال الأنبياء السابقين. ولو أنهم قاسوا دعواه بهذا الطريق لعرفوا صدقه أو كذبه على الفور. ولكن المؤسف أن هذا هو ما يُعرضون عنه دومًا، مما يدل على أنهم لا يبحثون عن الحق، وإنما يريدون خلط الأمور هروبًا من قبول الحق.

وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ

التفسير: الاستهزاء هو الضحك على أحد بغيةَ التحقير.

ولهذه الآية علاقة بقولهم الساخر (يا أيها الذي نُـزِّلَ عليه الذكرُ) حيث نبه الله تعالى الكفار هنا أن سخريتهم بهذا النبي ليست ببدعة جديدة، بل إن الأنبياء الذين يؤمنون بهم تعرضوا لسخرية القوم أيضًا.

كما أخبر ﷻ هنا أنه يَعِدُ كلَّ نبي بحماية وحيه وتعليمه، وهذا ما يثير العجب لدى الكفار إذ يقولون: كيف يمكن أن يُكتب لتعليمه البقاء بالرغم من معارضتنا إياه؟

إنه لغريب حقًّا أنه ما من رسول إلا وقد استُهزئ به، ومع ذلك كلما يُبعث نبي جديد يقول الناس: لم لم يُعطَ هذا العظمةَ والقوة بشكل غير عادي. تُرى لو أن الرسل السابقين قد بُعثوا بعظمة وقوة كيف كان ممكنًا للناس أن يجعلوهم عرضة للاستهزاء والسخرية؟

كَذَٰلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ 

شرح الكلمات:

نسلُكه: سلَك المكان سَلْكًا وسلوكًا: دخل فيه. سلك الطريقَ أي دخله وسار فيه متبعًا إياه، فهو سالِكٌ. سلَك الشيءَ في الشيء: أدخلَه فيه كما تُسلَك اليد في الجيب والخيطُ في الإبرة، وفي القرآن (سلكناه في قلوب المجرمين). سلَك فلانًا المكانَ: أدخله (الأقرب).

المجرمين: جرَم يجرُم جَرْمًا: قطَع، ومنه: جرَم النخلَ جَرْمًا إذا صرَمه. جرَم زيدٌ: أذنبَ. جرَم على قومه وإليهم: جنى جِنايةً. جرَم لأهله: كسب، ومنه في القرآن (لا يجرِمنّكم شَنَآنُ قومٍ على ألا تعدِلوا) أي لا يكسبنّكم، وفُسّر أيضًا بـ لا يحملنّكم. أجرمَ: أذنبَ؛ عظُم جرمُه. أجرم عليهم: جنى (الأقرب).

لقد تبين من كل هذه الأمثلة أن المعنى الأصلي للجرم هو القطع. فبما أن الذنب يقطع صلة الإنسان عن الله تعالى وعن الناس، فلذلك يسمَّى في الشرع الإسلامي بالجُرم. وليس الذنب إلا ما يقطع صلة مرتكبه عن الله أو يفسد ما بينه وبين الأناس الآخرين. فالمجرم هو من صار مقطوع الصلة عن الله وعن الناس.

التفسير: هناك اختلاف بين المفسرين في تعيين مرجع ضمير الغائب في قوله تعالى (نسلُكه)؛ فأرجعه بعضهم إلى عدم إيمانهم المذكور في الآية التالية، بينما قال البعض الآخر إنه يعود إلى عادة الاستهزاء (مجمع البيان). وأرى أن الرأي الثاني هو الصواب.

وبقوله تعالى (كذلك نَسلُكه في قلوب المجرِمين) نبّه إلى أن الإنسان عندما يرتكب سيئة تقلّ كراهيتُه تجاه السيئات بالتدريج، وتزداد رغبتُه في الآثام حتى يصبح قلبه مشغوفًا بها.

تؤكد هذه الآية أن الله تعالى لا يجبر أحدًا على الإثم، وإنما يرتّب النتائج الطبيعية على جريمته، وليس الله مسئولاً عن الإثم، بل الآثمُ نفسُه.

لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ 

شرح الكلمات:

سنة: السنة: السيرةُ؛ الطريقةُ؛ الطبيعةُ (الأقرب).

التفسير: أي أن عادة الاستهزاء تؤدي إلى قسوة القلب، وبالتالي يُحرَم المستهزئ من الإيمان رغم رؤية الآيات الواضحة ومعرفة البراهين القطعية. هذا ما حدث بالأمم الغابرة، وهذا ما سيحدث مع هؤلاء أيضًا. تُرى من الذي نال الهدى بالاستهزاء حتى يهتدي هؤلاء المستهزئون؟

وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ

شرح الكلمات:

يعرجون: عرَج الرجلُ في الدرجة والسُّلّم يعرج عروجًا: ارتقى. وعُرج به: صُعِد به (الأقرب).

سُكِّرتْ: سكَر الإناءَ يسكُر سَكرًا: ملأَه. سكرت الريحُ: سكنت بعد الهبوب. سكرت عينه: تحيّرت وسكنت عن النظر. وسكَر البابَ: سده. وسكِّرت أبصارنا أي حُبست وحُيّرت (الأقرب).

أبصارنا: البصر: حاسّةُ الرؤية؛ العينُ؛ العلمُ (الأقرب)

مسحورون: سحَره يسحَر سِحرًا: عمِل له السحرَ وخدَعه. وسحر عنه: تَبَاعَدَ. وسحر فلانًا عن الأمر: صرفه. وسحره بكلامه وألحاظه: استماله وسلب لبَّه. وسحر المطرُ الطينَ والترابَ سحرًا: أفسده فلم يصلح للعمل. المسحور أيضًا المفسد من الطعام والمكان لكثرة المطر أو من قلة الكلأ (الأقرب).

التفسير: لقد طالب الكفار من قبل: (لوما تأتينا بالملائكة إنْ كنتَ من الصادقين).. أي إذا لم يكن محمد ﷺ مجنونًا وإذا لم يكن نزول الملائكة وهمًا منه.. فلنَرَها نازلةً عليه. فكان ردُّ الله عليهم:

  • (أولاً) إن الملائكة إنما تنـزل على الإنسان بحسب ما يستحقه من رحمة أو عذاب، وما دمتم تستوجبون العذاب فلن تنـزل عليكم إلا ملائكة العذاب الذي يدمركم؛ فكيف تنتفعون إذًا من نزولها بعد الهلاك.
  • (ثانيًا): إذا كنتم تتعجبون من نزول الملائكة عليه، فاعلموا أننا سوف نأتي بأنفسنا لحماية الوحي النازل عليه، لأننا نحن الذين أنزلناه عليه، ونحن أول المسؤولين عن حفظه وحمايته. وما دمنا قد قمنا بهذه المسئولية في زمن الأنبياء السابقين فما الذي يمنعنا الآن من القيام بها.
  • (ثالثًا): ليس استهزاؤكم بالأمر الغريب، إذ لم يزل معارضو جميع الرسل السابقين يستهزئون بهم، حتى صار الاستهزاء بمثابة غذاء لهم يتلذذون به وهم غافلون، حتى حُرموا من الإيمان. وهذا هو المصير الذي ينتظركم أيضًا.

ويرد الله ﷻ هنا على هؤلاء المعترضين بأسلوب آخر فيقول: هل تعتقدون أن كل إنسان قادرٌ على فهم الأمور كلها؟ كلا، بل إنه ما لم يكن الشيء ملائمًا لمزاج الإنسان ولمستوى كفاءاته فلن يستطيع إدراكه. وهناك بون شاسع بينكم وبين العلوم الإلهية الروحانية بحيث لو أُريتم ما يراه محمد من تجليات ومشاهد، وحتى لو عُرج بكم إلى المدارج الروحانية العليا.. فلن تصدّقوها، بل ستقولون: إنما هو سحر قد سُحرتْ به عيوننا، ولذلك نرى هذه المشاهد العجيبة الغريبة. ونظرًا إلى هذا المعنى فإن فتح باب من السماء يعني هنا الكشوف الروحانية، بينما يعني العروج في السماء الاطلاع على بعض المدارج الروحانية.

كيف يحرم من الإيمان من يفتح عليه بابا من السماء؟

ولو قيل: كيف يمكن أن يُحرَم من الإيمان مَن يُفتح عليه باب من السماء؟ فالجواب هو أن قوله تعالى (بابًا من السماء) ينطوي على إشارة إلى أن مثل هذا الشخص لا يُمنح العلوم السماوية بشكل كامل، ولا تنكشف عليه طرق المعرفة الكاملة، بل يُعرَض عليه – بسبب إنكاره – شيءٌ منها كنموذج وعينة فحسب؛ والبديهي أن الإنسان لا يستفيد من المثال والعينة فقط ما لم يكن في قلبه رغبة صادقة للانتفاع به. فما يراه هؤلاء المكابرون سيُقيم الحجة عليهم فحسب، ولن يؤدي إلى إيمانهم.

إنه من الحقائق الثابتة أن العديد من منكري الرسل يشترطون لإيمانهم رؤية آية من الآيات كرؤيا أو إلهام وغيرهما، ولكن حين يرونها يتهربون بشتى الأعذار. فتارةً يؤوّلونها تأويلاً خاطئًا، وتارة أخرى يقولون: ما قيمة الرؤيا والإلهام، إنْ هي إلا أوهام! وهكذا فلا ينتفعون من الآيات. وليس ذلك إلا لأن قلوبهم خالية من خشية الله تعالى. وإلى هذه الحالة القلبية الفاسدة تشير الآية التي نحن بصدد تفسيرها محذرةً أنه لا بد للإيمان من إصلاح القلب وصدق النية، إذ لا يوفَّق للإيمان إلا من كان قلبه عامرا بخشية الله، أما بدون ذلك فيلوذ بشتى الأعذار الواهية خداعًا لنفسه، ويبقى محرومًا من الإيمان، ولو رأى آلافًا من الملائكة.

وقد تعني الآية أنه عندما ينـزل عليهم العذاب تتولد فيهم الخشية، فيقولون: لو زال عنا العذاب لآمنّا، وعندما يزول عنهم يعودون لسيرتهم الأولى؛ وذلك كما فعل فرعون بحسب بيان القرآن الكريم. ونظرًا إلى هذا المعنى فالمراد من قوله تعالى: (ولو فتَحنا عليهم بابًا من السماء) هو فتح باب الرحمة ورفعُ العذاب وتأجيله، وسيعني قوله (لَظلّوا فيه يعرُجون) انهماكَهم مرة أخرى في جلب المتع المادية فقط. ومما يؤيد هذا المعنى هو الحديث عن العذاب فيما سبق في قوله تعالى (وما كانوا إذًا منظَرين)(الآية: 9). فالمراد من الآية التي نحن بصدد تفسيرها هو أن قلوبكم قد تحجرت لدرجة أنكم ستتندّمون عند حلول العذاب، ولكن حين يزول عنكم ستعودون إلى الكفر والإنكار ثانية.

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ 

شرح الكلمات:

استرقَ: افتعال مِن سرَقه ومنه الشيءَ: أخذه خفيةً مِن حِرْزٍ. والسرقة أخذُ الشيء في خفاء وحيلة. واسترقَ السمعَ: استمع مستخفيًا. واسترقَ الكاتبُ بعضَ المحاسبة: لم يُبرِزه. (الأقرب)

السمع: سمِع الصوتَ يسمَع سمعًا: أدركه بحاسة الأذن. السمع: حسُّ الأذن؛ ما ولَج فيها من شيء تسمع؛ الذِّكر المسموع. ويكون للواحد والجمع، لأنه في الأصل مصدر فيحتمل القلةَ والكثرةَ بلفظ واحد، وجمعه أسماع (الأقرب).

السمع: قوةٌ في الأذن به يُدرك الأصوات، وفعلُه يقال له السمعُ أيضًا. ويعبَّر تارةً بالسمع عن الأذن نحو: ختَم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وتارةً عن فعله كالسَّماع نحو: إنهم عن السمع لمعزولون، وتارةً عن الفهم كقولهم: لم تسمع ما قلت، وتارةً عن الطاعة (المفردات).

أَتبعَه: تبِع الشيءَ: سار في أثره. وتبِعه: مشى خلفَه، أو مر به فمضى معه. وأتبعه: تبِعه وذلك إذا كان سبَقه فلحِقه (الأقرب).

شِهاب: شعلة من نار ساطعة، أو كل مضيء متولد من النار؛ ما يُرى كأنه كوكب انقضَّ؛ وقد يُطلَق على الكوكب أو الدراري من الكواكب لشدة لمعانها. ويقال إن فلانًا شهابُ حرب، إذا كان ماضيًا فيها. وتُطلَق الشهبُ على ثلاث ليال من الشهر وهي الليالي البِيض (الأقرب).

فالشهاب يُطلَق مجازًا على الأشياء المضيئة، وكذلك على الناس النشيطين الماضين في الأعمال.

وجاء في المفردات: الشِّهاب: الشعلةُ الساطعة مِن النار الموقدة، ومِن العارض في الجو.

التفسير: البروج التي مفردها برج تعني – كما ورد في القواميس – منازل النجوم أي المدارات التي تتحرك فيها هذه الأجرام. كما تعني أيضًا القصور والقلاع. ولكن بعض المفسرين بما فيهم قتادة قالوا أن “البروج” هنا بمعنى الكواكب (البحر المحيط، الدر المنثور، وابن كثير). وقد أيد الإمام اللغوي الزجّاج هذا الرأيَ (تاج العروس). ودليل المفسرين هو قول الله تعالى في مكان آخر: (إنّا زيّنّا السماءَ الدنيا بزينةٍ الكواكبِ)(الصافات: 7).

ولكن استدلالهم هذا من قوله تعالى (إنّا زيّنّا السماء الدنيا بزينةٍ الكواكبِ) ليس مما يمكن الجزم به، إذ قد يكون قوله تعالى (وزيّنّاها للناظرين) حول موضوع آخر، وهو أننا قد جعلنا في السماء منازل كما جعلنا فيها النجوم التي تتحرك في هذه المنازل والتي تتسبب في زينة السماء. فما دمنا لا نستطيع الجزم بأن البروج هي سبب الزينة، فليس هناك ما يدفع إلى أخذ البروج بمعنى الكواكب.

ما هي العلاقة بين حماية القرآن وحفظ السماوات؟

على أية حال، فسواء أخذوا البروج بمعناها المتعارف وهو منازل النجوم أم بمعنى النجوم نفسها فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ما هي العلاقة بين حماية القرآن أو الأسفار السابقة وبين حفظ السماوات، ولماذا أردف الله موضوعَ حفظ الوحي بذكر حفظ السماء؟

إن آراء المفسرين في هذا الشأن متضاربة، وبعضها لا يخرج عن كونه قصصًا وأساطير لا يقوم عليها دليل، ولا علاقة لها مطلقًا بكلام الله تعالى. وسوف أعلّق عليها وعلى الروايات الأخرى الواردة في هذا الصدد بعد قليل، أما الآن فأود بيان ما فهمتُه من هذه الآيات في ضوء السياق القرآني.

المماثلة بين النظام المادي والنظام الروحي

نعرف من دراسة القرآن الكريم أنه يؤكد بكل قوة وجودَ مماثلة كبيرة بين النظام المادي البادي لأنظارنا وبين النظام الروحاني، ولذلك لا ينفك يسوق أمثلة من العالم المادي لشرح العالم الروحاني. فتارةً يشبّه الوحيَ بالماء لبيان التشابه بين تأثيراتهما، وتارةً أخرى يتحدث عما يوجد بين السماء والأرض من صلات ليسلّط الضوء على العلاقة الموجودة بين الجسم والروح، وحينًا يستدل بالعلاقة الموجودة بين الضوء والعين على أن الحق وحده لا ينفع أحدًا بدون أن يستغل القدراتِ الكامنة في النفس البشرية. وبالاختصار.. فإن القرآن ينبّهنا مرة بعد أخرى لتلقّي الدروس الروحانية من ظواهر العالم المادي. وفي هذه الآية أيضًا يلفت أنظارنا إلى مماثلة كهذه.

إن أهل الأرض يرون فوق رؤوسهم سماء فيها الكواكب التي تعمل بحسب نظام المواعيد والمنازل المحددة لها. وليس هنا من قوة تستطيع تبديل هذا النظام، لأن الله ﷻ قد تولى حفظه. وقد ضُرب مثال نظام السماء المادية هذا في القرآن مرة بعد أخرى تدليلا على نظام السماء الروحانية. وأرى أن هذه الآية أيضًا تشير إلى الأمر نفسه.. حيث يوضح الله تعالى أن نظام السماء الروحانية قائم على أسس متينة شأن نظام السماء المادية، كما أنه مقسوم مثله إلى عدة طبقات، وأن الطبقات العليا من السماء الروحانية محفوظة بطبيعة الحال من وصول أيدي العابثين إليها، وأما الطبقة الدنيا منها فهناك احتمال للعبث بها، فحفظناها بتزيينها بالنجوم. أي كما أن الطبقة الدنيا من السماء المادية عبارة عن نظام وعن أجرام تابعة له وحامية له.. كذلك الحال بالنسبة للطبقة الدنيا من السماء الروحانية.. فإنها أيضًا عبارة عن نظام وعدة نجوم تابعة له وحامية له. وكما أن السماء المادية قائمة بسبب النجوم المادية ..كذلك فإن السماء الروحانية قائمة بسبب النجوم الروحانية، بل وكما أن السماء المادية الدنيا لا تعني إلا مجموعة نجوم وهي التي تزينها.. كذلك فإن السماء الروحانية الدنيا لا تعني إلا مجموعة نجوم روحانية وهي التي تزينها. ثم كما أن النجوم المادية وسيلة لحماية السماء المادية الدنيا، إذ هي جزء منها وفسادها يعني فساد نظام تلك السماء.. كذلك فإن النجوم الروحانية سبب لحماية السماء الروحانية الدنيا، وفسادها يعني فساد تلك السماء، ولذلك حين ينوي أحد أن يفسد فيها فإن الله تعالى يرجمه بالأحجار والنار.. كما تشير إلى ذلك كلمتا (رجيم) و(شهاب).

وقد استعمل القرآن الكريم النارَ والأحجارَ بمعنى العذاب السماوي بكثرة، فقال (فاتقوا النارَ التي وقودها الناس والحجارة أُعدّتْ للكافرين)(البقرة: 25).. أي أن السبب الروحاني لإشعال تلك النار هم الآثمون من الناس، وأما السبب المادي لها فهي الأحجار المادية من صنم ووثن. كذلك عبّر هنا عن عذاب هؤلاء المفسدين في السماء الروحانية بكلمتي (رجيم) و(شهاب).

الأدلة على مماثلة النظام المادي والروحي

والآن أسوق الأدلة على أن القرآن الكريم قد شبه العالم المادي بالعالم الروحاني. يقول الله ﷻ (يا أيها النبي إنّا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا * وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا)(الأحزاب: 46-47).. ومعنى السراج المنير هو الشمس المشرقة. وكما هو بيّنٌ من الآيات الأخرى فإن النبي ﷺ هو بمثابة المركز لنظام النبوة شأنَ الشمس التي تُعتبر مركزا لنظامنا الشمسي. فقد نبّه الله ﷻ بتسمية النبي ﷺ بالشمس إلى وجود نجوم وأقمار أخرى تدور حوله في السماء الروحانية، وهذه النجوم والأقمار هم الأنبياء والرسل الآخرون الذين كانت نبواتهم إرهاصًا وتمهيدًا لبعثه ﷺ، والذين يطوفون حول الشمس المحمدية.

وكما أن النبي ﷺ كان بمثابة شمس في السماء الروحانية الكونية نجومها الأنبياء الآخرون، كذلك كان ﷺ شمسَ سماءٍ أخرى هي أصغر من الأولى، وكان صحابتُه هم النجوم فيها، كما يشير إلى ذلك الحديث الشريف: “أصحابي كالنجوم بأيِّهم اقتديتم اهتديتم” (المشكاة: الآداب، باب مناقب الصحابة). أي أن أصحابي هم بمنـزلة النجوم حول الشمس، وكما أن النجوم تهدي الناس ما دامت مرتبطةً بنظامها الشمسي، كذلك فإن أصحابي الذين سيظلون مرتبطين بنظامي سيعملون لكم عمل النجوم، وستهتدون باتباع أي واحد منهم، رغم الاختلاف الهامشي فيما بينهم.

ومما يؤكد أن النظام الروحاني قد شُبّه في لغة الوحي بالنظام الشمسي ما رآه سيدنا يوسف ؏ في رؤياه حيث جاء (إذ قال يوسف لأبيه يا أَبَتِ إني رأيتُ أَحَدَ عَشَرَ كوكبًا والشمسَ والقمرَ رأيتُهم لي ساجدين)(يوسف:5). ثم ذكر القرآن تعبير هذه الرؤيا كالآتي: (ورفَع أَبَوَيه على العرشِ وخَرُّوا له سُجَّدًا وقال يا أَبَتِ هذا تأويلُ رُؤياي مِن قبلُ قد جعَلها ربي حقًّا وقد أحسَنَ بي إذ أخرَجَني مِن السجنِ وجاء بكم مِن البَدْوِ مِن بعد أن نزَغَ الشيطانُ بيني وبين إخوتي إن ربي لطيفٌ لما يشاءُ إنه هو العليمُ الحكيمُ)(يوسف:101). هذه الرؤيا، مع تعبيرها الذي بيّنه القرآن، توضح جليًّا أن النظام العائلي أو الديني يشبَّه بالنظام الشمسي في لغة الوحي. وهذا هو المراد عندي من الآية التي هي قيد التفسير.

بعد هذا الكلام التمهيدي أقول: حين أكد الله ﷻ حمايته لما أنـزله على رسوله من الوحي، أتبَعَه بتمثيل النظام الشمسي.. ليبين لنا كيف ستتم حمايته. فقال: كما ترون هناك في العالم المادي سماءً أي مجموعة من النجوم.. كذلك توجد في العالم الروحاني مجموعة من النجوم وهي الأنبياء. وكما أن النجم يشكل في حد ذاته زينةً للسماء المادية، وسببًا لحمايتها عبر قانون الجاذبية وغيره من النواميس التي لم يطلع عليها البشر بعد.. كذلك فإن كل نبي هو زينة للسماء الروحانية وسببٌ لحمايتها. فما من نبي إلا وقد جاء عند الحاجة، وفي الموعد المناسب، وبغاية معينة ما كانت لتتحقق إلا بمجيئه؛ وقد ساهم في حماية السماء الروحانية، عاملاً على نشر كلام الله تعالى، وموضّحًا بشخصه وبأتباعه حقيقةَ الوحي وفضلَه وتأثيره، وهَزَمَ أعوان الشيطان الذين أرادوا أن يفسدوا كلام الله وأذلّهم وأخزاهم؛ وكأنه سقط عليهم كالنار والأحجار.

هذا، وقد أخبر الله تعالى في هذه الآية أيضًا أنه مما لا شك فيه أن الشياطين أي أهل السوء.. يملكون في العالم المادي بعض التصرف والسلطة في الأرض، ولكن لا سلطة لهم في السماء؛ فتجدونهم في الأرض يفسدون ويظلمون أهلها ويستولون على نعمها وخيراتها، بيد أنهم لا يقدرون على حرمان الناس من النعم التي تنـزل من السماء من هواءٍ وضوءٍ وتأثير للأجرام، كما لا سلطة لهم في السماء ولا تصرف لهم في شمسها وقمرها ونجومها. كذلك الحال في العالم الروحاني، إذ لا سلطة ولا تأثير للشياطين على الأنبياء وأتباعهم الكاملين، وهذا ما أكده الله ﷻ في موضع آخر في هذه السورة نفسها بقوله (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)(الحجر: 43). كما أنه من المستحيل أن يتصرفوا فيما ينـزل من السماء الروحانية من بركات كالوحي والآيات والمعجزات، بل يصون الله ﷻ السماءَ الروحانية أي الأنبياءَ وتأثيراتهم مِن تدخُّل الشياطين كليةً. وكأن هذه الآية شرح لقوله تعالى (إنا نحن نـزلنا الذكرَ وإنا له لحافظون).

الغريب أنه – بالرغم من هذه الآية القرآنية الصريحة – لا زال بين المسلمين من يعتقد أنه لم ينجُ أحد من مس الشيطان إلا عيسى وأمه مريم! (القرطبي، تحت الآية: وإني أعيذها بك وذريتَها…)؛ مع أن الله تعالى يعلن هنا حماية السماء الروحانية التي تشمل جميعَ الأنبياء والرسل من آدم إلى رسولنا الكريم – عليهم السلام – وأتباعَهم الكاملين.

وتقول الآية التالية: (إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين).. وهي أيضًا تؤكد أن الله تعالى إنما يتحدث هنا عن السماء والنظام الشمسي على سبيل التمثيل لا على وجه الحقيقة، إذ لا علاقة بين السماء المادية وبين استماع الكلام سرًّا وخفيةً؛ كما لا وجهَ لورود كلمة الشهاب هنا موصوفة بصفة (مبين)، لو كان المقصود شهابًا ماديا، لأن الشهاب لغةً: “هو شعلة من نار ساطعة؛ أو كلّ مضيء متولد من النار وما يُرى كأنه كوكب انقضّ“. ووصف هذين الشيئين بصفة المبين هنا غير مستساغ وفي غير محله لو أخذنا الكلام على ظاهره.

ولكن لو اعتبرنا (السماء) سماء روحانية وأخذنا (الشهاب) بمعنى النبي الذي يأتي مؤيَّدًا من السماء بالآيات البينة، ويكشف زيف الذين يريدون العبث بكلام الله تعالى.. لوجدنا صفة (مبين) ملائمة جدًّا في هذا السياق، لأن الشهاب المبين يعني عندئذ الآية البينة، وسيكون مفهوم هذه الآية أن الوحي الإلهي يكون مصونًا ومحفوظًا تمامًا ما دام في السماء أو حينما ينـزل على أجرام السماء الروحانية.. أي الأنبياء.. ولكن بعد أن ينـزل إلى السماء الدنيا ويُعرَض على البشر، ويخرج من غطاء الغيب إلى حيز الحاضر المشهود، ويصير كلامًا مسموعًا تتناقله ألسنةُ الناس.. فإن الشياطين أي أعداءُ الأنبياء يسرقونه.. بمعنى أنهم يتلقونه بغير حق أي يأخذونه مأخذاً غير حقيقي ويحرّفونه، فعندئذ ينـزل عليهم العذاب بواسطة الأنبياء عقابًا على جريمتهم، أو أن الأنبياء وأتباعهم يكشفون زيف هؤلاء أمام الدنيا بتوضيح المراد الحقيقي من الوحي، فيقعون في عذاب مهين حينما يفضحهم نور الحقيقة ويهتك سترهم.

فالمراد من سرقة الكلام هنا أن هؤلاء يأخذون وحي الله بغير حق شأن السارق الذي يأخذ مال غيره بدون حق.. بمعنى أنهم لا يتلقونه بقصد فهمه والإيمان به، بل ليسيئوا استخدامه، ويحرّفوه ليصدّوا الناس عن الحق.

ومن معاني سرقة الوحي أيضًا أن المعارضين يختارون بعض تعاليم الأنبياء ويعزونها إلى أنفسهم إيهامًا للناس أنهم أيضًا قادرون على الإتيان بمثل تلك المعارف والعلوم، بل إنهم يتهمون الأنبياء أنهم هم الذين قاموا بسرقة تعاليمهم هم. ولكن كما أن الثوب المسروق يُعرف على الفور إذ لا ينسجم تمامًا مع جسم السارق.. كذلك فإن ما يسرقونه من تعاليم الأنبياء لا يتفق مع معتقداتهم الأخرى الخاطئة، وحينما يكشف الأنبياء وأتباعهم حقيقة الأمر يُفتضح هؤلاء أمام الناس.

ولطالما تعرضت تعاليم الأنبياء إلى السرقة بنوعيها المذكورَين أعلاه. فانتقى الناس أفضل تعاليم الأنبياء وحاولوا تقديمها إلى الدنيا على أنها من عندهم، ساعين الحطَّ من شأن الأنبياء وعظمتهم. وكان تعليم الرسول الكريم ﷺ أكثر عرضةً لهذه الحملة الشعواء من تعاليم الأنبياء الآخرين. فكم من مرة يحاول الكتّاب المسيحيون والآريون الهندوس عرضَ تعاليم القرآن على الناس بصورة مبتورة ليُثبتوا أنها مسروقة من كتبهم السماوية، ولكنهم يرون خيبة الآمال ويُفتضحون حينما نكشف لهم النور الذي أتى به نبينا الكريم ﷺ، ونُثبت لهم أن ما يعترضون عليه هو حلقة من سلسلة طويلة من المعارف القرآنية الواسعة الكثيرة التي لم تخطر لهم على بال حتى في الحلم. وكان صاحب “ينابيع الإسلام” المسيحي أحد هؤلاء المهاجمين الشرسين إذ اختطف بكل جسارة ووقاحة كثيرًا من المعارف القرآنية، لكي يُثبت للناس أنها مسروقة من كتب الديانات السابقة. والحق أن تلك المعارف أُخذت مبتورةً عن السياق، وكانت جزءًا من كلٍّ لا يمكن أن يتجزأ، وحلقاتٍ منسلكة في سلسلة لا يمكن فكُّها منها وتركيبها في شيء آخر. ومن أراد التأكد من قولي فليرجع إلى تفسيري لسورة “الفاتحة” حيث فصّلتُ معارف البسملة التي يزعم صاحب “ينابيع الإسلام” أنها مسروقة من الكتب الزرادشتية. (انظر ينابيع الإسلام: الفصل الخامس ص 219)

والنوع الثاني من سرقة الوحي، كما بينت من قبل، هو أن المعارضين يختطفون منه أجزاء مبتورة عن السياق ليَعرضوها على الدنيا بمفهوم محرَّف معاكس للمراد تمامًا.. وقد تعرض له أيضًا وحي سائر الأنبياء. فما من نبي إلا وعرض الأعداء وحيه على الناس بصورة مشوهة محرفة، ليثيروا مشاعر القوم ضده. يختطفون وحيه كاللصوص وينشرونه بين الناس بمفهوم محرف فاسد، إلى أن يأتي الله ﷻ لنصرة نبيه بالآيات البينة والمعجزات الخارقة، فيبطل مطاعن المعترضين بالبراهين الساطعة، ومن جهة أخرى يؤيد رسوله بالآيات الدالة على قدرته وقهره، فيُهلك الأعداء ويحمي كلامه ﷻ.

وأحيانًا ينحرف أتباع النبي أنفسهم عن دينه وتسُودهم اللادينية، فيُفسدون الدين الأصلي.. حيث يحرّفون معاني ما نزل على نبيهم من كلام الله تعالى، ويُخفون محاسنه تحت غبار التفاسير الخاطئة. وحينئذ ينـزل أحد من أتباع النبي كـ”شهاب ثاقب” أو “شهاب مبين” من السماء الروحانية مشرَّفًا بالوحي ومؤيَّدًا بالآيات البينات، لكي يُهلك هؤلاء الشياطينَ، ويعيد الأمور إلى نصابها؛ فيعود بالوحي السابق إلى مقامه الأصلي؛ وهكذا يحمي الله ﷻ كلامه الذي أصبح عرضةً للضياع والتحريف، ويكشف للدنيا مفاهيمه الحقيقية ثانيةً.

يتضح مما سبق بيانه أن المراد من النجوم في هذه الآيات هم الأنبياء، وأن الشهاب المبين أو الشهاب الثاقب هو نبي العصر الذي يقع فيه التحريف. ذلك أن كل نبي نجمٌ روحاني لا يزال يتسبب في زينة السماء الروحانية، ولكن لا يبقى كل نبي بعد وفاته شهابًا، أي سببًا في هلاك الشياطين الذين يعيثون فسادًا في حديقة الدين، وإنما يقوم بهذا الواجب النبيُّ الموجود في عصر التحريف، أو النبيُّ الذي لا تزال نبوته بعد وفاته حيةً جاريةً وشريعته ساريةً صالحةً للعمل، فلو بُعث في أمته نبي آخر تابع له عند تطرق الفساد إلى تعاليمه فإنه يبقى مع ذلك “شهابًا”، لأن قوته القدسية لا تبرح عاملة عبر النبي التابع له. وبناء على هذا الشرح فإن موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء السابقين – عليهم السلام – لا يزالون نجومَ السماء الروحانية، ولكنهم ليسوا الآن شُهُبًا، لأن الله تعالى لا يستخدمهم اليوم لإهلاك الشياطين، غير أن محمدًا رسول الله ﷺ لا يزال شِهابًا، لأن أظلاله ونوّابه من أتباعه سوف يستمرون في إسداء هذه الخدمة تجاه القرآن الكريم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

فخلاصة القول: إن هذه الآيات شرح وتفصيل لقوله تعالى (إنا نحن نـزّلنا الذكرَ وإنا له لحافظون).. حيث فصّل الله فيها كيف إنه يقوم بحماية كل وحي يستحق أن يسمَّى “الذكر” حمايةً ظاهرةً وباطنةً، في حياة النبي وبعد وفاته، وأنه تعالى سوف يحفظ القرآن الكريم بهذه الوسائل كلها. وكأن هذه الآيات تشترك في المعنى مع قوله تعالى في سورة الحج: (وما أرسَلْنا مِن قبلِك من رسول ولا نبيٍّ إلا إذا تمنَّى ألقَى الشيطانُ في أُمْنِيّتِه فيَنسَخُ اللهُ ما يُلقِي الشيطانُ ثم يُحكِمُ اللهُ آياتِه واللهُ عليمٌ حكيمٌ)(الآية: 53).. أي أنه ما من نبي ورسول إلا إذا قرأ على مسامع الناس وحيَ الله تعالى دسّ الشيطان في هذا الوحي شيئًا من عنده، وبدأ بنشر هذه المفاهيم المدسوسة الخاطئة بين القوم، ولكن الله تعالى يقوم بمحو ما يضيفه الشيطان حمايةً لكلامه الخالص النقي.. أي لا شك أن ذوي الطبائع الشيطانية من البشر يحاولون تضليل الناس بتحريف وحي الله النازل على رسوله، ولكن الله تعالى يكشف صدق الوحي في آخر المطاف، ليجعل هؤلاء الماكرين خائبين خاسرين.

واعلم أن هناك شَبَهًا كبيرًا بين آيات سورة الحجر التي نحن بصدد تفسيرها وبين هذه الآية المذكورة أعلاه من سورة الحج. فقد ذُكر هنا أيضًا أن الله تعالى يحفظ السماء الروحانية، تمامًا كما ذُكر في سورة الحج أن الله تعالى يقوم بحماية وحيه. وقد أخبر الله هنا أن الشياطين يسعون للتدخل في السماء، تمامًا كما أخبر هناك أنهم يحاولون التدخل في كلام الله تعالى. وأكد أيضًا أنه ﷻ يهلك الذين يريدون العبث بالسماء، كذلك أكد هناك أنه تعالى يمحو كل أثر قد يتركه المتلاعبون بكلامه ﷻ.

فاتضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الموضوع في الآيتين واحد. وحينما نجد أن موضوع تزيين السماء وحفظها ذُكر دومًا عقبَ الحديث عن الوحي الإلهي فلا يبقى من شك أن المقصود هنا إنما هو السماء الروحانية وحفظها، لا السماء المادية، وأن الأخيرة قد ذُكرت على سبيل التمثيل والمجاز فقط.

وتوضح هذه الآيات أن علامة الوحي “الذِّكر”.. أي الذي يتم حفظه.. هي أنه كلما حاول أحد التلاعب به نـزل “الشهاب” لحفظه من التحريف. فالوحي الذي لا ينـزل “الشهاب” لحفظه لم يعد الآن على درجة “الذكر” وبالتالي لم يبق كلامًا محفوظًا.

ولنتذكر أن (الشهاب) معناه: (1) “شعلةٌ من نار ساطعة، (2) كل مضيء متولد من النار وما يُرى كأنه كوكب منقضّ، (3) وقد يطلق على الكوكب. وقد ورد لفظ “الشهاب” هنا بمعنى الكوكب، لأن الله تعالى قد صرّح بذلك في موضع آخر بقوله (إنا زَيَّنَّا السماءَ الدنيا بزينةٍ الكَوَاكِبِ~ وحِفْظًا من كلِّ شيطانٍ مارِد)(الصافات: 7 و8)؛ وأيضًا بقوله تعالى (ولقد زَيّنّا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وجعَلْناها رُجُومًا للشياطينِ…)(المُلك: 6).. أي أنه تعالى جعل “المصابيح”، أي النجومَ في السماء القريبة، وسيلةً لرجم الشياطين. فثبت أن الشهاب يعني النجوم. فالمراد من إطلاق النجوم وراء الشياطين هو أنه طالما بقي الوحي متمتعًا بالحياة وموصوفا بصفة (الذِّكر) حفظه الله تعالى بإرسال الشهب أي النجوم.. أو بتعبير آخر.. ببعث المأمورين. وفي الآية التي نحن بصدد تفسيرها قد قطع الله ﷻ وعدًا خاصًا بحماية الوحي القرآني بهذه الوسيلة. والحق أنه ليس هناك من وسيلة لحفظ الوحي أقوى منها، لأن المأمورين لا يذودون عن بيضة الشريعة الحقة ولا يردّون هجمات الشياطين بالآيات البينات فحسب، بل من خلال شرحهم للشريعة يُدرك المؤمنون المفهومَ الحقيقي لكلام الله تعالى، لأن شرحهم يكون صحيحًا وسليمًا بحيث لا يحوم حوله الشك لكونهم مؤيَّدين بالإلهام الإلهي، وهكذا ينجو المؤمنون من وحل التفاسير المتضاربة الخاطئة التي لا تزال تشوش أفكار الأولين.

لقد اتضح جليًّا مما أسلفناه إلى الآن أنه لا بد من بعث الأنبياء المأمورين للمحافظة على الوحي السابق.. أي لتطهيره من وساوس الشياطين وللتدليل على كونه وحيًا حيًّا وذلك بآيات سماوية جديدة. ولكن المؤسف أن المسلمين ينكرون اليوم وجود هذه الميزة في القرآن الكريم حيث يظنون بأنه لا يمكن أن يُبعث الآن أي نبي ولو تابع للرسول الكريم ﷺ، مع أن القرآن الكريم يعلن هنا أنه طالما يبقى الوحي (ذِكرًا) فإن الله تعالى ينـزل النجوم والشهب من السماء الروحانية لحمايته من هجمات الأعداء. إن انقطاع بعث الأنبياء في الأديان الأخرى دليل على أن كتبها لم تعد (ذِكرًا)، ولكن القرآن الكريم هو (الذِّكر)، وسيظل هكذا إلى يوم القيامة، وبالتالي سوف يتم حفظه بهذه الوسيلة. وهذا لا ينقص من عظمته أبدا، وإنما العكس هو الصحيح، لأن هذا يؤكد أن الوحي القرآني لا ينفك متسما بميزة كونه (الذِّكر).. بمعنى أنه وسيلة لإنشاء الصلة بين العبد والخالق، ولذلك فإن الله تعالى كما حافظ على نصه كذلك يقوم بحماية مفاهيمه بإرسال المأمورين الذين يردون عنه هجمات الشياطين من الداخل والخارج. فالذي يقول بأن الله تعالى قد توقف الآن عن إرسال “الشهاب المبين” أي نجم السماء الروحانية لحماية القرآن فكأنه يقول- عياذًا بالله- أن القرآن لم يعد (الذِّكرَ)، ولا يتمتع الآن بالحماية الإلهية من هجمات الشياطين.

قال أحد المفسرين المعاصرين أنه فيما يتعلق بالوحي القرآني فإن الله تعالى هو الذي يتولى حفظه، أما ما نزل قبله من الوحي فكان البشر يقومون بحمايته. وقد استدل على صحة زعمه بقول الله تعالى (إنا نحن نزّلنا الذِّكرَ وإنا له لحافظون)، وقولِ الله تعالى: (إنا أنزَلْنَا التوراةَ فيها هُدًى ونُورٌ يحكُمُ بها النبيّون الذين أسلَموا للذين هادُوا والربّانيّون والأحبارُ بما اسْتُحفِظُوا مِن كتابِ اللهِ وكانوا عليه شهداءَ)(المائدة: 45)؛ ويقول هذا المفسر أن قوله تعالى: (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كتابِ اللهِ) يعني أنهم جُعلوا مسؤولين عن حفظ كتاب الله (بيان القرآن ج 2 ص 1048).

ولكني أقول: كان هذا الاستدلال صحيحًا لو لم يرد هنا ذكر النبيين، ولكن الله تعالى يخبر أن النبيين هم الذين كانوا مسئولين عن حفظ الكتاب؛ والواضح أن النبي لا يعمل بقوته هو وإنما بقدرة الله ﷻ، فكيف يمكن إذًا القول أن حفظ التوراة كان موكولاً إلى البشر. لنفترض أن أحدًا غيّر مفهومًا من مفاهيم التوراة، وعهد الله بمهمة إصلاح هذا العيب إلى أحد الأنبياء، فكيف كان هذا النبي يعرف المفهوم الصحيح؟ هل كانت لديه أية وسيلة لمعرفة الحقيقة سوى وحي الله ﷻ؟ وما دام الله هو الذي يُطلعه بوحيه على الخطأ والصواب فثبت أنه تعالى هو الذي قام بحفظ الكتاب وليس البشر. أو لنفترض أن شياطين القوم حاولوا تحريف معاني التوراة وتضليل الناس، فتصدى لهم هذا النبي بالمعجزات والآيات والبراهين السماوية؛ فهل يُعزى هذا إلى النبي؟ كلا، بل يُنسَب هذا إلى الله ﷻ.

فلا يصح القول إذن بأن الله تعالى قد تولى بنفسه حفظ الوحي القرآني فقط، وأما ما نزل قبله من الوحي فكان البشر يقومون بحفظه؛ بل الحق أنه تعالى هو الذي تولى حفظ كل وحي ما دام ذلك الوحي “ذِكرًا”، وقد أثبتُّ ذلك قبل قليل. إذا كان الله ينجز أمرًا ما عن طريق العباد فإنما مثلهم كمثل أداة يستخدمها أحد ليس إلا. وعلى سبيل المثال، فإن انتشارَ القرآن في العالم وحِفظَه عن ظهر قلب من قِبل أصحاب الذاكرة القوية قد تم على يد البشر دونما شك، ومع ذلك لا يمكن أن يدعي أحد أن حفظ القرآن موكول للبشر. ذلك لأن هذا كله أيضًا قد تم بتدبير وتوفيق من عند الله تعالى.

واعلمْ أن فضل القرآن على الكتب الأخرى لا يكمن في كونه محميًّا بيد الله تعالى بشكل مباشر، وكون ما سبقه من الوحي محميًا مِن قبل البشر، وإنما دواعي فضله هي كالآتي:

أولاً: كون القرآن سيظل متصفًا بصفة (الذِّكر) إلى يوم القيامة، وسوف يرسل الله من السماء “شُهبًا”.. أي عبادًا له يتولون حماية القرآن من عبث الشياطين الذين يريدون له الفساد. وأما الأسفار الأخرى فبقيت على درجة (الذِّكر) لفترة محدودة، ثم فقدت هذه الميزة فرفع الله عنها حمايته، وقد حدث هذا منذ زمن بعيد، فلا يرسل ﷻ لحفظها الآن الشهب المهلكة للشياطين.

ثانيًا: إن القرآن الكريم كله كلام الله ﷻ.. أي أن كل حرف وكل حركة وسكون فيه كان من الوحي الإلهي، ولكن ليس الأمر كذلك بالنسبة للكتب السابقة، فإنها خليط من كلام الله وكلام البشر الذي أضيف إليه كشرح له.. وهذا بيّنٌ وجليّ في العهد القديم والأناجيل. فكان الله تعالى يكتفي بحماية مفاهيم الأسفار القديمة دون نصوصها، لأن (الذِّكر) كان يعني حينئذ المفهومَ لا النصَّ، إذ كان الأنبياء أو أتباعهم يبلّغون الناسَ فحوى الوحي الإلهي بكلماتهم عمومًا من دون نصه، ولم يروا في ذلك أي حرج. ولكن بما أن وحي القرآن كان ذا صبغة أبدية، لذلك غيّر الله عند تنـزيله أسلوب الحماية، ففرض على أهله أن يحفظوه بنصّه وفصّه. فدُوّن كل لفظ منه مع حركاته، وحُفظ عن ظهر قلب، وظل محفوظًا محميًّا. وهذا الحفظ لم يتيسر لأي وحي آخر من قبل، لا بيد البشر ولا بيد الله تعالى. أما الحفظ المعنوي فلا جرم أن الكتب السابقة أيضًا تمتعت به لزمن معين كما سيتمع به القرآن الكريم إلى يوم القيامة.

وهناك سؤال آخر يستوجب الرد وهو: هل لسقوط الشهب من السماء المادية أية علاقة ببعث الأنبياء؟ فما دام الأنبياء قد شُبّهوا بها فلا بد أن يكون في سقوطها من المنافع ما يمكن اعتباره بمثابة رمي الشياطين؟

والجواب أنه من سنة الله المستمرة منذ القديم أنه يُري من أجل رسله نوعين من الآيات: آيات أرضية أي ما يقع على الأرض قريبًا من البشر، مما يمكن أن يظن بعض المرتابين أن هذا ليس من فعل الله تعالى، بل هو من عمل المدعي نفسه قام به بحيلة بارعة خفية علينا. ولكن هناك آيات أخرى تتعلق بالسماء أي بالأجرام السماوية، التي لا سلطة للبشر عليها؛ ومن هذه الآيات السماوية سقوطُ الشهب. وتقع هذه الآيات إما تحقيقًا لنبأ أدلى به النبي نفسه أو وِفقًا لأنباء الرسل أو الأولياء الذين خلوا من قبله. والثابت من تاريخ الأنبياء أن الشهب سقطت بكثرة لدى بعث المسيح الناصري ونبينا الكريم عليهما السلام. وقد سقطت في زمن النبي ﷺ بكثرة حتى ظن الكفار أن أهل السماء قد هلكوا وأن القيامة قد حلت وحان هلاك أهل الأرض.. حيث ذُكر: “فلما بعث الله محمدًا ﷺ نبيًّا رسولاً رُجموا ليلةً من الليالي. ففزع لذلك أهل الطائف فقالوا: هلك أهل السماء، لِما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب. فجعلوا يُعتِقون أَرِقّاءَهم ويُسيبون مِواشيَهم. فقال لهم عبدُ ياليل بن عمرو بن عمير: ويحكم يا معشر أهل الطائف، أمسِكوا عن أموالكم وانظروا إلى معالم النجوم، فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة يعني محمدًا ﷺ، وإن نظرتم فلم تروها فقد هلك أهل السماء. فنظروا فرأوها، فكفّوا عن أموالهم.” (ابن كثير، سورة الجن، قوله: وأنّا لمسنا السماء…)

هذه الآية ظهرت بحسب أنباء الأسفار السابقة حيث يذكر التاريخ أن أنبياء بني إسرائيل نبّأوا بحدوث تقلبات سماوية في زمن ظهور النبي ﷺ. فقد ورد في الحديث: “أن هِرَقْلَ حين قَدِمَ إِيلِياءَ أصبَحَ يومًا خبيثَ النَّفْس، فقال بعضُ بَطارِقَتِه: قد استَنْكَرْنا هيئتَك – قال ابن الناظُور: وكان هِرَقْلُ حَزَّاءً ينظُر في النجومِ – فقال لهم حين سأَلوه: إني رأَيتُ الليلةَ حين نظَرتُ في النجومِ مَلِكَ الخِتانِ قد ظهَر.” (البخاري: بدء الوحي)

علمًا أن المراد من “مَلِكِ الختان” هو ملك العرب أي نبينا الكريم ﷺ.

أما المسيح عيسى ابن مريم ؏ فثمة أحاديث تؤكد سقوط الشهب بكثرة في زمنه أيضًا (شرح المواهب اللدنية للزرقاني ج 1 ص122). كما ورد في الإنجيل أيضًا عن البعثة الثانية للمسيح أنه: “تكون علامات في الشمس والقمر والنجوم.” (لوقا 21: 25)

فكل هذا يؤكد أن سقوط الشهب كعلامة على بعث نبي من الأنبياء هو سنة إلهية مستمرة منذ القدم. أما الهدف الظاهر من سقوطها فقد سبق بيانه وهو أن الله يريد بهذه الآيات السماوية تخليص الناس من الشكوك والوساوس، كيْ لا يظنوا أن معجزات النبي هي من قبيل خدع المشعوذين. غير أنه ليس من المستبعد أن يكون لسقوط الشهب لدى بعثة نبي هدفٌ آخر وتأثير روحاني خفي لا يعرفه الناس، ولكنه يساعد على دفع المكائد الشيطانية التي يلجأ إليها أعداء الأنبياء.

وأتناول الآن الآيات المختلفة الواردة في هذا الموضوع وآراءَ المفسرين حولها. لقد ذكر القرآن الكريم موضوع سقوط الشهب رميًا للشياطين أو حفظًا للسماء في الآيات التالية:

  1. هذه الآيات من سورة الحجر التي نحن بصدد تفسيرها:
  2. (ولقد زَيَّنَّا السماءَ الدنيا بمصابيحَ وجعَلْناها رُجومًا للشياطينِ)(المُلك: 6).
  3. (إنا زَيَّنَّا السماءَ الدنيا بزينةٍ الكواكِبِ~ وحفظًا مِن كل شيطان مارِد~ لا يَسَّمَّعون إلى المَلإِ الأعلى ويُقذَفون مِن كل جانبٍ~ دُحُورًا ولهم عذابٌ وَاصِبٌ~ إلا مَن خَطِفَ الخَطْفةَ فأَتبَعَه شهابٌ ثاقِبٌ)(الصافات: 7-11)
  4. (وأنا لَمَسْنا السماءَ فوجَدْناها مُلِئَتْ حَرَسًا شديدًا وشُهُبًا~ وأنا كنا نقعُد منها مَقاعدَ للسمعِ فمَن يستمِعِ الآنَ يَجِدْ له شِهابًا رَصَدًا)( الجن: 9 و10)
  5. (وزَيَّنَّا السماء الدنيا بمَصابيحَ وحِفظًا ذلك تقديرُ العزيزِ العليمِ)(فصِّلت:13)

هذه هي الأماكن الخمسة التي ورد فيها هذا الموضوع تفصيلاً أو إجمالاً. يقول المفسرون بأن الله يُنـزل وحيه تدريجيًا، وحين يصل الوحي إلى السماء الدنيا تصعد الشياطين بعضهم على بعض إلى السماء لتسترق منه شيئًا، وحينما تخطف منه بعضَ الأخبار وترتد فإنها تُرمى بالشهب.

وقد اختلف المفسرون فيما إذا كانت الشهب تقتل الجنَّ أم لا، فهناك قول يُنسب إلى ابن عباس بأن الشهب لا تقتل الجنَّ وإنما تجرحهم أو تكسر بعض أعضائهم، بينما قال الحسن البصري وطائفة أخرى: إنها تقتل الجن. ثم قال بعضهم: إنهم يُقتَلون بعد إلقاء هذه الأخبار إلى السحرة والكهنة، بينما قال الماوردي إن الشهب تسقط عليهم وتقتلهم قبل أن يُلقُوا ما اختطفوه. (القرطبي)

ثم اختلفوا فيما إذا كان الرمي بالشهب قائمًا قبل النبي ﷺ أم لا؟ فقال أكثرهم: نعم، وقيل: لا. وقال الزجاج: الرمي بالشهب من آيات النبي ﷺ مما حدث بعد مولده، لأن الشعراء قبله لم يذكروه في أشعارهم. وقال صاحب “فتح البيان”: وطريق الجمع بين القولين هو أن الرمي كان موجودا قبل مبعث النبي ﷺ، فلما بُعث شُدّد ذلك. (فتح البيان، سورة الحجر)

وجاء في التفاسير أيضًا:عن ابن عباس قال: كان الشياطين لهم مقاعدُ في السماء يستمعون فيها الوحيَ، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكون حقًّا وأما ما زادوا فيكون باطلاً. فلما بُعث رسول الله ﷺ مُنعوا مقاعدهم. فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك. فقال لهم إبليس: ما هذا الأمر إلا لأمر حدث في الأرض! فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله ﷺ قائمًا يصلي بين جبلَي نخلة. فأتوه فأخبروه. فقال: هذا الحدث الذي حدث في الأرض. وفي رواية أن إبليس أُتيَ من كل أرض بتربة فشمَّها. فقال لتربة تهامة: هنا حدث الحدث“. (الدر المنثور، سورة الجن)

إنه لمن المؤسف أن هؤلاء المفسرين الكبار الذين بذلوا دون أي شك جهودًا جبارة مشكورة في تفسير القرآن الكريم.. قد فرّطوا تفريطًا خطيرًا في هذه القضية مرتعبين من الروايات التي لا أصل لها بتاتًا والتي تخالف صريح القرآن. إن ملخص ما ورد في تفاسيرهم هو:

  • (أولاً) أن الشياطين كانوا قادرين على سمع أخبار السماء،
  • (ثانيًا) أن هذه الأخبار كانت تحتوي على الغيب أيضًا،
  • (ثالثًا) أن إبليس لم يعلم بمبعث النبي ﷺ إلا عندما رأى رمي الشهب.

هذه هي المحاور الثلاثة التي تدور حولها التفاسير، ولو طرحناها من الروايات لم يبق فيها شيء يُذكر. ولكن الأمور الثلاثة باطلة تمامًا.

أولاً: تقول التفاسير بأن الشياطين قادرون على سماع أخبار السماء، ولكن القرآن الكريم يخالف هذا الزعم صراحةً في الآيات التالية:

  1. (أم لهم سُلّمٌ يستمعون فيه فليأتِ مستمِعهم بسلطان مبين)(الطور:39). فالآية صريحة في إعلانها أن الكفار وأعوانهم غير قادرين حتى على الوصول إلى السماء ناهيك أن يستمعوا منها أخبارها. ولو سلّمنا جدلاً بصعود الجن إلى السماء فسؤالنا هو: ألم يكن بإمكان الكفار أن يعترضوا على النبي ﷺ لدى نزول هذا الوحي قائلين: أنت تقول، من جهة، إن الجن تصعد إلى السماء، فكيف تقول لنا في الوقت نفسه: (أم لهم سُلّمٌ يستمعون فيه)؟
  2. (وما تَنـزَّلتْ بِهِ الشياطِينُ~ وما ينبغِي لهم وما يستطيعون~ إنهم عنِ السَّمْعِ لمَعزولون)(الشعراء: 211 -213).. أي أنه لا حقيقة لاتهام الكفار بأن الشيطان هو نـزل على محمد بهذا الكلام، وذلك للأسباب التالية: الأول: أنه من المستحيل أن تكون للشيطان علاقة مع شخص طاهر الذيل نزيه السيرة كمحمد. والثاني: أن ما أتى به محمد من تعليم مقدس سامٍ يستحيل أن يُنـزله الشيطان، إذ كيف يمكن للشيطان أن يأمر الناسَ بما فيه هلاكه هو. والثالث: أن ما نـزل على محمد يتضمن علومًا سماويةً، والشيطان غير قادر على أن يسمعها، لأن الله تعالى قد حظر عليه سماعها.

فكيف يمكن لأحد – بعد قراءة هذه الأدلة القرآنية القوية – أن يتصور أن الشيطان يستطيع سماع أخبار السماء؟

ثانيًا: يزعم كثير من المفسرين أن الشياطين أو الجن كانوا يختطفون هذه الأخبار الغيبية، ولكن هذا الزعم أيضًا باطل على ضوء الآيات القرآنية التالية:

  1. (فقُلْ إنما الغيب لله فانتظِروا إني معكم من المنتظرين)(يونس: 21).
  2. (أم عندهم الغيب فهم يكتبون)(الطور:42 والقلم: 48). فكيف يقال- بعد هذه الآيات الصريحة- أن الجن كانوا يختطفون علم الغيب من السماء؟
  3. (وقد كفَروا به مِـن قبلُ ويَقذِفون بالغيب مِن مكانٍ بعيد~ وحِيلَ بينهم وبين ما يشتهون كما فُعِلَ بأشياعِهم مِن قبلُ إنهم كانوا في شَكٍّ مُرِيبٍ)(سبأ: 54 و55).. أي أن هؤلاء في شك مريب، لذا هناك حائل بينهم وبين الغيب، لأنه لا يَنـزِل إلا على قلب يكون أسمى من كل شك وريبة، ويكون على درجة عالية من الإيمان واليقين. إذن فهذه الآية أيضًا تؤكد أنهم ما كانوا يصعدون إلى السماء، بل كانوا يقولون ما يقولون خرصًا وتخمينًا.
  4. (وكذلك جعَلْنا لكل نبيٍّ عدوًّا شياطينَ الإنس والجنِّ يوحي بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرُفَ القولِ غُرورًا ولو شاء ربُّك ما فعَلوه فَذَرْهم وما يَفتَرون)(الأنعام:113). لقد أكد الله تعالى هنا أيضًا أن أعداء الأنبياء من الجن والإنس ما كانوا يتبادلون أخبار الغيب، وإنما كانوا يتناقلون الكذب والغرور؛ ولذلك نجده ﷻ لا يقول لرسوله ﷺ بأنهم يسمعون أخبار السماء، فعليك بالحذر منهم، بل يقول: إنهم يفترون، فدَعْهم وشأنهم، فإن الله تعالى هو الذي سوف يرد على افترائهم.
  5. (عالِمُ الغيبِ فلا يُظهِرُ على غيبه أحدًا~ إلا مَنِ ارتضَى مِن رسولٍ فإنه يسلُك مِن بين يديه ومِن خَلْفِه رَصَدًا~ لِيعلَمَ أنْ قد أبلغوا رِسالاتِ ربِّهم وأحاطَ بما لديهم وأحصَى كلَّ شيءٍ عَدَدًا)(الجن: 27-29)
    فانظر كيف تبطل هذه الآية مزاعم هؤلاء المفسرين بكل وضوح وجلاء. فالله ﷻ لا يعلن فيها أنه هو وحده يحتكر علم الغيب فحسب، بل يصرح كذلك أنه لا يُطلع على غيبه إلا رسلَه الذين يختارهم هو بنفسه وليس الناسُ. كما أنه تعالى لا يزال يحرس هذا الغيب إلى أن يصل إلى رسله دون أي تدخل من أحد، بل لا يبرح الله تعالى يحمي رسالته حتى بعد وصولها إليهم إلى أن يبلِّغوها الناسَ. وكأن الشياطين لا يعلمون من أمر الوحي شيئًا قبل أن يوصله الرسل إلى البشر. أما بعد انتشاره بين القوم فكما هو ظاهر من آيات أخرى فإن الشياطين تبدأ في الكيد والمكر ضد الوحي، لكن من دون أن يفلحوا في مكائدهم الخبيثة. فثبت من هذه الآية أن اختطاف الوحي من قِبل الشيطان يبدأ بعد أن يكون الأنبياء قد نشروه بين الناس. ونظرًا إلى هذا المفهوم فإن “السماء الدنيا” ستعني مجلس النبي، وليس الجو أو الفضاء الذي نراه فوق رؤوسنا.
  6.  ذكرتُ حتى الآن الآيات التي فيها دلالة عمومية، وسأذكر الآن آية تتحدث عن الجن خاصة، وتبين تمامًا أنهم ما اطّلعوا على الغيب قط، قليلاً أو كثيراً، لا في زمن النبي ﷺ ولا بعده، وهذه الآية هي قوله تعالى: (فلمّا قضَينا عليه الموتَ ما دَلَّهم على موتِه إلا دابّةُ الأرضِ تأكُلُ مِنْسَأَتَه فلمّا خَرَّ تَبيَّنتِ الجنُّ أنْ لو كانوا يعلَمون الغيبَ ما لبثوا في العذابِ المُهينِ)(سبأ:15).

تتحدث هذه الآية عن موت سليمان ؏، وتدل صراحة على أن الجن لم يعلموا الغيب حتى قبل زمن الرسول ﷺ أيضًا. لو كان الجن يستمعون أخبار الغيب من السماء فلماذا لم يطلعوا على وفاة سليمان؟ إن سليمان ؏ نبي، والظاهر أن خبر وفاته لا بد أن يكون قد نزل بالوحي مع ملائكة خصوصيين لأن مبعث نبي أو وفاته حادث بالغ الأهمية.

ثالثًا: زعم المفسرون أن الجن بل إبليس إنما عَلِمَ بمبعث النبي ﷺ بعد ظاهرة رمي الشهب حين وجد أعوانُه الرسولَ ﷺ قائمًا يصلي بالناس. ولكن الثابت تاريخيًّا أن الرسول ﷺ بدأ الصلاة بالجماعة علنًا بعد مبعثه بعدة سنوات (السيرة النبوية لابن هشام: إسلام عمر). ولو سلّمنا برأي المفسرين لكان معناه أن إبليس لم يعلم بمبعث النبي ﷺ إلا بعد مضي عدة سنوات، وهو أمر يخالف الواقع وصريح القرآن؛ ذلك أنه بمجرد أن يعلن النبي دعواه ينقلب بيت الشيطان مأتمًا، وتبدأ الشياطين، سواء شياطين الإنس أو شياطين الجن، في الكيد والمكر بجماعة النبي. فإذا كان إبليس وغيره من الشياطين غافلين عن بعثة الرسول ﷺ طيلة هذه الفترة فمن ذا الذي كان وراء موجة المعارضة والاضطهاد في مكة. فليفسروا كلمة إبليس بأي معنى يشاءون، إلا أن الزعم بأنه ظل جاهلاً بمبعث النبي ﷺ طيلة هذه الفترة لزعمٌ مناف للعقل والقرآن والسنة الإلهية؛ إذ يصرح الله ﷻ في القرآن الكريم قائلا (وكذلك جعَلْنا لِكل نبيٍّ عدوًّا شياطينَ الإنسِ والجنِّ يوحي بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرُفَ القولِ غُرورًا)(الأنعام: 113). وهذا يعني أن الله تعالى نفسه يخبر الشياطين من الجن والإنس بمبعث النبي، وذلك بطريق يراه هو ملائمًا ومناسبًا، فيناصبون النبيَّ العداء بمجرد أن يعلن دعواه. فكيف يمكن إذًا أن يبقى إبليس وأعوانه غافلين عن مبعث الرسول ﷺ طوال هذه الفترة.

علمًا أنني قد استخدمتُ هنا مسميات الجن وإبليس والشيطان بمعناها المتداول والمتعارف عليه عمومًا، وذلك تسهيلاً للقارئ وإلزامًا للخصم؛ فلا ينخدعن أحد بذلك فيظن أنني أقبل تلك المعاني مائة بالمائة؛ كلا، بل سوف أبين موقفي الخاص بصددها في مكانها.

هل يصعد الجن إلى السماء؟

هذا، وبقي سؤال يجب الرد عليه وهو: إذا كان الجن غير قادرين على سرقة علم الغيب من السماء أو استماع أخبارها فما هو المراد مما ذُكر في الحديث بأنهم يصِلون إلى السماء صاعدين بعضهم على بعض يختطفون أخبارها؟

والجواب أن المراد من سرقة الجن علمَ الغيب هو استماعهم لحديث الأنبياء بسوء النية. وأما صعود بعضهم فوق بعض فيعني أن أئمة الكفر منهم لا يحضرون بأنفسهم مجالس الأنبياء لتزول شكوكهم بسماع موقف الأنبياء من أفواههم مباشرة، وإنما يطلعون على تعاليمهم دائمًا بوسائط عديدة أخرى ظانين أن هذا هو الطريق الأكثر دهاءً وذكاءً. وبما أن نيتهم غير سليمة، وأنهم يعارضون بناءً على ما يسمعونه من هذا وذاك، فلذلك يختلط الكذب في حديثهم عن الرسل كثيرًا بحيث لو يصدُقون فيه مرة فإنهم يكذبون فيه مائة مرة.

هل الشهب تقتل الشياطين

وأما ما ورد في الروايات أن الجن يُرمَون بالشهب أحيانًا قبل إلقائهم الأخبار إلى الناس، وأحيانًا بعد الإلقاء.. فمعناه أن بعض أعداء الحق يعاقَبون فورًا على إساءتهم للرسل، وبعضهم يُمهَلون طويلاً لحكمة يعلمها الله تعالى، فلا يبرحون في إثارة القوم ضد الرسل إلى أن يفاجئهم “الشهابُ” في يوم من الأيام.

وأود أن أنقل هنا اثنتين من الروايات حتى يستحضر القارئ نص الحديث. تقول الرواية الأولى: “عن أبي هريرة يبلغ به النبيَّ ﷺ قال: إذا قضى الله الأمرَ في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها – خُضْعانًا لقوله – كالسلسلة على صفوانٍ. قال علي وقال غيره: صفوان يَنفُذهم ذلك. فإذا فزِّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال: الحقَّ وهو العلي الكبير. فيسمعها مسترقو السمع. ومسترقو السمع هكذا: واحد فوق آخر، ووصفَ سفيان بيده وفرّج بين أصابع يده اليمنى نَصَبَها بعضها فوق بعض. فربما أدرك الشهابُ المستمعَ قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه، وربما لم يدركه حتى يرمي بها الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض. وربما قال سفيان: حتى تنتهي إلى الأرض فتُلقى على فم الساحر، فيكذب معها مائة كذبة فيصدَّق، فيقولون: ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا، فوجدناه حقًّا للكلمة التي سُمعت من السماء“. (البخاري: التفسير، سورة الحِجر)

والرواية الثانية هي: “قال ابن أبي حاتم.. عن النواس بن سمعان ؓ قال قال رسول الله ﷺ: إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يوحي بأمره تكلم بالوحي، فإذا تكلم أخذت السماواتِ منه رجفةٌ أو قال رعدةٌ شديدة من خوف الله تعالى. فإذا سمع بذلك أهلُ السماوات صُعقوا وخرّوا لله سجّدًا. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه الصلاة والسلام. فيكلمه الله من وحيه بما أراد. فيمضي به جبريل عليه الصلاة والسلام على الملائكة كلها من سماء إلى سماء يسأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول ؏: قال الحقَّ وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل. فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض“. (تفسير ابن كثير، سورة الحجر)

لقد أكدت هذه الرواية أن الوحي يصل تحت حراسة جبريل إلى حيث يريد الله ﷻ وصوله إليه.. أي إلى الرسول. إذًا فالراويات التي تقول بأن الجن يختطفون من الوحي لا تعني إلا أنهم يختطفون منه بعد وصوله إلى الرسول وبعد إعلانه عما نزل عليه بين الناس، فينشر الجنُّ بين أعوانهم ما اختطفوه من الوحي بعد خلطهم إياه بكثير من الأباطيل التي افترَوها من عند أنفسهم. ومما لا شك فيه أن عامة الناس يستغربون دائمًا مما يعلنه النبي، وأنهم حين يسمعون من أتباع النبي أنفسهم ما نقل إليهم شياطينُ الناس من الوحي على صورته الصحيحة فإنهم أي عامة الناس يصدّقون بسبب سذاجتهم كل ما يعزوه هؤلاء الشياطين إلى النبي من رطب ويابس، فيقولون – أي عامةُ الناس – فيما بينهم مخدوعين بمكر هؤلاء الشياطين: ألم تروا أن فلانًا من الصالحين الكبار كان قال عن هذا المدعي كذا وكذا وها قد ثبت صدقه، فها إن أتباعه أنفسهم يؤكدونه. وهكذا يصدّق هؤلاء السذج كلَّ ما يبلغهم من قبل كبرائهم الكاذبين ضد الرسول من أباطيل؛ ظنًّا منهم أن أتباعه يُخفون الكثير من أمره، وأن الصحيح هو ما بلغهم عن طريق زعمائهم.

وتحدث هذه الظاهرة الغريبة في عصر كل نبي، فيقع الآلاف فريسةً لها؛ لأنهم لا يتكبدون بأنفسهم عناء البحث عن الحق، وإنما يعتمدون على بيانات زعمائهم الدينيين اعتمادًا كليًّا وأعمى، وبالتالي يظلون محرومين من قبول الحق.

ثمة أمور أخرى أريد ذكرها هنا بصدد ما شاع بين العوام من معان خاطئة حول هذه الآيات، أو ذكَرها بعض المفسرين، خلافًا لمراد القرآن الكريم، بسبب خطئهم في فهم الأحاديث الصحيحة أو لاعتمادهم على الروايات الضعيفة.

لقد أخطأ المفسرون الذين ظنوا أن ما يسقط من السماء في صورة ضوء ساطع هو نجم. كلا، بل هو شهاب. إن القرآن الكريم لم يقل أبدًا بأن النجوم الحقيقية هي التي تسقط، كما أن هذا ليس هو الأمر الواقع، ولم يقل به المفسرون الموثوق بهم، حتى إن الكفار أنفسهم كانوا يدركون أن علامة بعث النبي ﷺ هي سقوط الشهب لا سقوط النجوم.. كما تؤكد على ذلك الروايةُ التي تتحدث عن أهل الطائف والتي سجلناها قبل بضع صفحات.

هل يختطف الشيطان وحي السماء؟

هذا، وإن الله تعالى يؤكد في القرآن الكريم مرارًا وتكرارًا أنه يقوم بحماية السماء، فكيف، يا تُرى، يستطيع الشيطان أن يختطف شيئًا من السماء المحمية بيد الله ﷻ.

يقول البعض أن الشياطين تختطف بعض الوحي حينما تأتي به الملائكة إلى السماء الدنيا! وهنا نسأل أصحاب هذا الرأي: أيُّ الفريقين أسبق من الآخر في إنزال الغيب على أوليائه.. الملائكة أم الشياطين؟ فإذا كانت الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الرسول فما الداعي أن يختطفه الشياطين ما دام الناس قد سمعوا خبره من فم النبي نفسه؟ ولو قالوا أن الشياطين هم الذين يسبقون الملائكة في نشر خبر السماء بين أوليائهم فهذا يعرّض النظامَ الإلهي كله لسهام الطعن والارتياب! إذ لو كان هؤلاء المَرَدة الأشرار يتمكنون من اختطاف الوحي قبل وصوله إلى البشر – رغم الحماية الإلهية الصارمة – فكيف يمكن أن يثق أحد بوحي الأنبياء؟ إذ قد يقول قائل: ربما يضيف هؤلاء الشياطين إلى الوحي شيئًا من عندهم قبل أن ينـزل على الأنبياء مثلما يتمكنون من اختطافه وهو في السماء؟! وبالفعل يوجد بين المفسرين من يزعم أن الشيطان ألقى – والعياذ بالله- بعض الكلمات من عنده على لسان الرسول ﷺ أثناء نزول الوحي عليه (ابن كثير: سورة الحج). والحق أن الشيطان لو كان قادرًا على اختطاف بعض وحي الله رغم الحماية الإلهية – معاذ الله – لكان قادرًا أيضًا على إهلاك النبي بالرغم من العصمة الإلهية. فكما أن هذا غير وارد كذلك اختطاف الشيطان للوحي وهو ينـزل من السماء أمر محال.

وهناك من يحتج بقول الله تعالى (إلا مَنِ استرَق السمعَ) وقولِه (إلا مَن خَطِفَ الخَطْفةَ).. ويقول بأنه تعالى نفسه قد أعلن هنا أن الشيطان قادر على سماع غيب أو اختطاف خبر من الوحي.

والجواب أن الاستثناء المذكور هنا بـ “إلا” متعلق بفعل الشيطان لا بفعل الله تعالى. لو أنه ﷻ قال: إننا نحفظ وحينا إلا قليلا مما نسمح بأخذه للشيطان لجاز هذا الاستدلال، لأنه تعالى يمنحه هذا عن رضى ورغبة، ولكن الله تعالى يقول: إننا نحفظ كلامنا، ولكن الشيطان يختطف منه شيئًا. فإذًا من المحال الأخذُ بالمعنى الظاهري الذي يتمسك به هؤلاء لأنه منافٍ لعظمة النبي والوحي، بل يشكل دليلاً – والعياذ بالله – على عجزه ﷻ بدلاً من أن يؤكد قدرته ﷻ. ثم لو كان هذا المعنى الظاهري صحيحًا للزم تساقُط الشهب كلما قام أحد من المنجمين بعمل حسابه عن النجوم. ولكن الواقع يخالف ذلك، لأن هناك آلافًا من المنجمين والكهّان وعلماء الرمل والجفر× والفلك والجو الذين يحاولون ليلَ نهارَ معرفةَ أخبار الغيب، فإذا كانت الشياطين هي التي تزوّد هؤلاء بالأخبار التي تختطفها من وحي السماء.. فيجب أن يستمر سقوطُ الشهب كالمطر ليل نهار دونما انقطاع!

×ورد في المنجد: علم الجَفْر ويسمّى علم الحروف: علمٌ يدّعي أصحابه أنهم يعرفون به الحوادث إلى انقراض العالم. وعلم الرَمْل: هو البحث عن المجهولات بخطوط تُخَط على الرمل، وهو من الخرافات (المترجم).

ولو قيل بأن الشهب إنما تسقط لدى سماع الشياطين أخبارَ السماء، لكان معناه أن سماعها واختطافها للأخبار عند مبعث نبي يكون أكثرَ منه في أي وقت آخر، لأنه زمن يكثر فيه سقوط الشهب عادة؛ مع أن مبعث نبي من الأنبياء هو فترة تكون الحماية الإلهية فيها على أشدها، ويجب أن تكون كذلك.

ثم ما هو المقياس الذي نعرف به أنه فيما يتعلق بزمن نبي فإن المنجمين يتنبؤون عن أحداث المستقبل بمساعدة الشياطين، وأما في الأوقات الأخرى فيتنبؤون بناءً على حساباتهم فحسب، إذ لا بد من التمييز بين هذين النوعين من الأخبار. فإن قيل أن أنباء المنجمين في زمن نبي تكون أكثر تحققًا منه في أي فترة أخرى، فهذا باطل بالبداهة؛ وإن قيل بأنهم يتنبؤون بمساعدة الشياطين دومًا، فهذا أمر سوف يرفضه ويعتبره خلافًا للعقل كلُّ مَن له إلمام بعلم النجوم. لا شك أن علم النجوم والرمل وما شاكلهما من العلوم لغوٌ لا فائدة فيها، ولكنها قائمة على أسس علمية، ولا علاقة لها بالجن وغيره بتاتًا.

نعم، هناك فئة من أصحاب هذه العلوم تسمّى “الأرواحية” أو “الروحانيين”، الذين يدّعون بمناجاة الأرواح وتحضيرها. والواقع أن هؤلاء أيضًا فئتان: فئة يقومون بخداع الناس وتسفيههم، وعددهم كبير؛ وفئة أخرى هم مخدوعون بأنفسهم حيث إنهم – بسبب جهلهم بدقائق العقل الإنساني – اعتبروا بعض القدرات الإنسانية الروحانية عملاً وتأثيرًا من قبل أرواح العالم الأخروي. ومهما يكن من أمر فإن الآية لا تتحدث عن هذه الفئة أيضًا، لأننا لا نرى سقوط الشهب لدى قيامهم بتحضير الأرواح.

وخلاصة القول إن هذه الآيات تتحدث عن الحماية الإلهية للوحي حيث يؤكد الله ﷻ فيها أنه ليس بوسع كائن أن يطّلع على شيء من الوحي قبل أن ينـزله الله على رسوله، أما بعد نزوله عليه وإعلانه عنه فإن شياطين الإنس والجن يختطفون الوحي بشتى الطرق، ليخلطوا فيه الكذب من عند أنفسهم وليَعرضوه على القوم بهذا الشكل المشوه الممسوخ، إثارةً لمشاعر القوم ضد رسولهم. والواضح أن عملية خلط الوحي بالكذب إنما تنفع هؤلاء الماكرين في حالة واحدة فقط وهي بعد أن يكون الوحي قد نزل، وإلا فلو كان الجن بالفعل يختطفون أخبار الغيب من السماء فما الداعي أن يخلطوها بالكذب؟ هل هم مجانين حتى يخلطوا هذه الأخبار بالكذب فيفضحوا أنفسهم بأنفسهم حين ينكشف زيفُ ما لا يتحقق من هذه الأخبار المستقبلية. أما قيام أعداء الحق بخلط وحي الأنبياء بالكذب والباطل فهي ظاهرة مستمرة تشاهَد على الدوام، حيث يأخذون عبارة من الوحي ويفسرونها تفسيرًا مشوَّهًا، أو يعرضون على الناس فقرة من الوحي مبتورة عن سياقها، ليثيروا القوم ضد الأنبياء. لم يزل هذا دأبَ أعداء الرسل في كل زمان، وهذا هو الخطف الذي أجازته المشيئة الإلهية للشياطين، بل وقد أتاحت لهم الفرصة لذلك حيث يخبرنا الله بكلمات لا لبس فيها ولا غموض: (وكذلكَ جَعَلْنا لِكل نبيٍّ عدوًّا شياطينَ الإنسِ والجِنِّ يوحي بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرُفَ القولِ غُرورًا)(الأنعام: 113)، وقال أيضًا (وكذلك جَعَلْنا في كلِّ قريةٍ أكابِرَ مجرميها لِيمكُروا فيها وما يمكُرون إلا بأنفسهم وما يشعُرون)(الأنعام: 124).

إذن، فكما أن الله تعالى يقوم بحماية وحيه بحيث لا يستطيع أحد من الأعداء تبديل وحيه ﷻ، سواء كان هذا العدو ظاهرًا أو خفيًّا، كذلك فإن الله ﷻ يسمح – لحكمة ما- لشياطين الناس بأن ينشروا بين القوم معانيَ محرّفة لوحيه، أو أن يثيروا مشاعرهم ضد نبيهم بنشر الأكاذيب حول ما نزل عليه من الوحي؛ ولكن بعد أن يقوم هؤلاء الماكرون بدعايتهم المزوّرة ضد وحي الأنبياء وإثارة القوم خلافهم بشتى الافتراءات.. ينـزل عليهم شهاب من السماء، فيُفضَحون على يد الأنبياء.

 وهذا الاستثناء – كما ترى – لا يقدح في عظمة الله تعالى لأنه هو الذي قد أجازه، كما لا يضر هذا بالدين شيئًا، وإنما يبقى الدين مصونًا محفوظًا كما كان، لأن هذه الأباطيل تنتشر بين الأعداء فقط، ليفرحوا بها فرحةً باطلةً عابرةً.

علمًا أنه يتضح من القرآن الكريم أن أصحاب هذه الأنشطة المعادية نوعان: أولهما العدو من الداخل أي المنافقون، وثانيهما العدو من الخارج أي المعارضون. ذلك أن الله تعالى قد عزا هذه العمليات إلى “شيطان رجيم” مرةً (سورة الحِجر والمُلك)، وإلى “شيطان مارد” مرة أخرى (سورة الصافات). والرجيم في اللغة هو المطرود المُبعَد، وأما المارد فهو الباغي المتمرد. إذًا فسورتا الحِجر والمُلك تشيران إلى أعداء الدين من الكفار.. أي الذين لم يوفَّقوا للاقتراب من الدين ولو ظاهرًا، بل أُبعدوا عنه، والله تعالى يَعِدُ بحماية القرآن من هجماتهم. وأما سورة الصافات فتنبئ أن من أهل الإسلام من سيَعرضون على الناس مفاهيم القرآن بصورة مشوَّهة، وهؤلاء هم مَرَدة الشياطين.. أي أنهم – رغم انتمائهم إلى الإسلام في الظاهر- سيكونون في الواقع من المارقين المتمردين عليه، قصدًا منهم أو خطأً، ولكن الله تعالى سوف يحفظ وحيه من شرورهم أيضًا. وهذا نبأٌ يتعلق بالمستقبل، حيث أخبر الله ﷻ فيه أنه كلما تقاصرت عقول المسلمين عن فهم معارف القرآن، وشوّه بعض منهم المفاهيم القرآنية الأصيلة، سيبعث الله من عنده من يحمي القرآن من شرورهم وفتنهم. فتبارك الله أحسن الخالقين!

وثمة أمر آخر جدير بالذكر وهو أن هذه الآيات قد تنطبق أيضًا على المنجمين وعلى من يطلقون على أنفسهم “الروحانيين” أو “الأرواحيين”، لأن الأنبياء يقضون على أفكار هؤلاء أيضًا؛ ولكن هذا الانطباق انطباق ضمني جزئي. ذلك أنه فيما يتعلق بتأثيرات النجوم أو ما يوجد في علم الهيئة والفلك من حقائق فإن الإسلام لا ينكر ذلك أبدًا، بل لقد أمَرَنا القرآن الكريم نفسه بالتفكر في الكون والتنقيب عن أسراره، لذا فمن المستحيل أن يؤكد القرآن على وجود حِكمٍ في علم الهيئة والفلك ويحثّنا على السعي لمعرفتها من جهة، ومن جهة أخرى يرمي بالشهب من يتعلم هذه الحِكم والمعارف. إن ما ينهى عنه الإسلام إنما هو الوهم والشرك. فنسبة هذه العلوم إلى الوهم والتخمين غير سليم، أما أن نهتم بها كاهتمامنا بالدين فهذا أيضًا غير صحيح لأن هذا يصبح إشراكًا بالله تعالى. إذ لا شك أن لحركات النجوم تأثيرات يقينية، ولكنها واحد من النواميس الكونية الكثيرة الأخرى. فهناك آلاف الظواهر الطبيعية الأخرى التي تؤثر في الكون باستمرار وفي وقت واحد؛ والحق أنه لا شيء في الوجود يملك التأثير الكامل في ذاته بحيث لا يحتاج إلى سند خارجي إلا الله وحده ﷻ. فمن ظن أن أي شيء مادي – دعك عن النجوم – يملك تأثيرًا ذاتيًّا قطعيًّا يقينيًّا فهو مشرك، ولذلك قال النبي ﷺ: “من قال: مُطِرنا بنَوْءٍ كذا وكذا فهو كافر” (البخاري: الأذان). والنوء هو النجم. ذلك أنهم قد أضافوا إلى تأثيرات النجوم الحقيقية كثيرًا من الأوهام، ثم إن ما ثبت منها على أسس علمية فهو أيضًا سبب من ملايين الأسباب الأخرى التي خلقها الله تعالى ويحافظ عليها. فالأولى بالإنسان أن يتوكل عليه هو ﷻ.

فالمراد من رجم الشياطين بالشهب – بالنسبة للمنجمين والأرواحيين وغيرهم- هو أن هؤلاء يقومون بدعاوى عريضة في زمن ليس فيه نبي، ولكنهم عند ظهور نبي يتلقون ضربة قاضية، إذ يفضحهم النبي أمام الدنيا بكشف خُدعهم، ويعرف الناس الفرق بين معرفة الغيب الصافي وبين الخرص والتخمين.


منقول من تفسير سورة الحجرات للمصلح الموعود رضي الله عنه

لقراءة التفسير كاملا نرجو تحميل الكتاب من هنا

About الخليفة الثاني للمسيح الموعود المصلح الموعود مرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه

View all posts by الخليفة الثاني للمسيح الموعود المصلح الموعود مرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *