حقيقة الحجاب في الإسلام

يقول الله تعالى في آية الحجاب في سورة النور آية 31 – 32

(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

(سورة النور 31- 32)

شرح الكلمات:

يغُضُّوا: غَضَّ بصرَه: منَعه مما لا يحلّ له رؤيتُه (الأقرب).

خُـمُرهن: الخُمُر جمع الخمار، وهو ما تغطّي به المرأةُ رأسَها (الأقرب).

جيوبهن: الجيوب جمع الجيب، ومن معانيه القلب والصدر (الأقرب).

الإربة: الحاجة (الأقرب).

تفسير الآيات:

ما هو الهدف من الحجاب؟

لقد بين الله تعالى هنا طريقا آخر لتجنب الفاحشة وهو أن يغض المؤمنون والمؤمنات أبصارهم، فهذا يقلّل فرص الفاحشة ويصد طرق انتشارها. وهذا يعني أنه برغم حُكم الحجاب الوارِد في الآيات، قد تكون هناك فرص يجتمع فيها الرجال والنساء، وقد أمر الله تعالى في هذه الحالة أن يغضّ كلّ من الرجال والنساء أبصارهم لكي لا يهاجمهم الشيطان، ولكي تبقى قلوبهم طاهرة.

الغريب أن المسيح ؏ أيضا قد نهى عن النظر إلى نساء الآخرين في الإنجيل كما نهى الإسلام أيضا، ولكنه ؏ يقول: “إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه” (متى5: 28)، بينما ينهى الإسلام حتى عن النظر إلى وجه امرأة أجنبية سواء بنية حسنة أو بنية شريرة، لأنك لو نظرت إليها فقد يغويك الشيطان ويبذر في قلبك بذرة السيئة.

ثم إن الإسلام حين أمر الرجال بغض البصر فإنه قد أوصى النساء أيضًا بمثله. ولكن المسيحية تهتم بالرجال فقط بهذا الصدد، وتقول لهم أنه يجوز لهم أن ينظروا إلى النساء، وكل ما عليهم أن لا ينظروا إليهن بشهوةٍ. والحق أن هذا التعليم يماثل قول أحد الشعراء باللغة الفارسية:

درميـــانِ قـعـــرِ دريــا تخــتــه بنــدم كـرده اِي

                             باز مي گوئي كه دامن تر مكن هشيار باش

أي لقد ألقيتَني في قعر البحر ثم تقول لي حذار أن تبلل ثيابك. إن هذا خلاف للعقل. كذلك من المحال أن يعمل المرء بتعليم الإنجيل الذي يقول: يمكنك أن تنظر إلى النساء ولكن بدون شهوة؛ ذلك لأن أصل الفاحشة هو الاختلاط الحر بين الجنسين، ولو بقي هذا الأصل فلا مجال للحد من انتشار الفاحشة. إذًا، فالمسيحية تأمر بما لا يمكن العمل به، أما الإسلام فيقول: لا ينظر الرجال إلى النساء المحارم، ولا تنظر النساء إلى الرجال المحارم، وهكذا كل من الجنسين يحافظ على إيمانه وتقواه.

بيد أن بعض الناس الذين لا يتدبرون في الحقائق قد فهموا هذا الحُكم القرآني خطأً، فظنوا أن الإسلام يحرم النظر إلى أي جزء من جسد المرأة.

والحق أنه لو كان هذا هو قصد الشرع من هذا الحكم فكان من الواجب أن لا يُسمح للمرأة بالخروج من جدران بيتها بتاتًا، وأن تُبنى البيوت بدون نوافذ كالتي كان الملوك الجبابرة يبنونها للأسرى في الزمن القديم، حتى لا تُرى المرأة إطلاقًا. كلا، إن المرأة إنسان مثل الرجل، وإن حاجاتها الطبيعية مثل حاجات الرجل أيضًا، وإن القانون الطبيعي الإلهي يؤثر على الجنسين تأثيرًا مساويًا. إن هذا القانون يفرض على الإنسان أن يمشي في الهواء الطلق لسلامة جسمه وصحته، حتى لا يؤثر الإحساس بالبقاء محبوسًا في مكان ضيق على أعصابه تأثيرًا سلبيًّا فيدمرها. وما دام الشرع يسمح للمرأة أن تمشي في الخارج فلا بد أن تقع نظرتها على أجزاء من جسم الرجال إذا خرجت من البيت كما تقع نظرات الرجال على أجزاء من جسدها وإن كانت مستورة تحت الثياب. وهذا ليس ممنوعًا. إن روح الحجاب وجوهره الذي تأمرنا به هذه الآية إنما هو أن لا تلتقي نظرات الجنسين. والمكان الذي تلتقي فيه النظرات من جسم الإنسان هو الوجه، أما باقي الجسم فما دام مغطًى بالثياب المناسبة فلا داعي لإخفائه، بل يستحيل إخفاؤه، اللهم إلا أن تمتنع النساء من الخروج إلى الشوارع والأسواق، أو أن يسافرن من مكان إلى مكان تحت ظلال الخيام، وهذا محال. لا شك أن النساء الثريات يمكنهن أن يمشين في فناء دورهن الواسع الفسيح، ولكن هذا غير متيسر للنساء من الطبقة الفقيرة والمتوسطة. ثم إن النساء الثريّات لا بد لهن من الخروج من بيوتهن إلى البيوت الأخرى لزيارة الصديقات والمعارف، ولا بد أن تقع نظراتهن على أجزاء من أجساد الرجال الموجودين في الشوارع وشرفات البيوت والمحطات والقطارات والسيارات، كما يحصل العكس أيضًا، اللهم إلا أن نضع عصابة على عيون الجنسين حتى لا يرى بعضهما بعضًا. ولكن لا أحد من العقلاء يجيز هذا.

ما هو المراد من غض البصر؟

 إذًا، فليس المراد من غض البصر أنه حرام على المرأة أو الرجل أن يقع نظره على أي جزء من جسد الجنس الآخر، وإنما غايته أن لا تلتقي نظرات الجنسين. وإلا فكل امرأة إذا خرجت من بيتها لا بد أن يرى الرجال أقدامها ومِشيتها وقامتها وحركة أيديها وما إلى ذلك، كما أنها هي الأخرى سترى هذه الأمور في الرجال. وهذا أمر لا يفرض عليه الشرع أي حظر. ولكن بما أن ظهور المرأة أمام الرجل بلا حجاب واختلاطها معه في حرية لهو مما يثير الغرائز الحيوانية في الإنسان ويدفعه إلى ارتكاب المعصية، لذلك قد فرض الشرع على الجنسين بغض البصر وكما أمر المرأة بالحجاب.

وجدير بالذكر هنا أنه ليس من أسلوب القرآن عادة أن يُخاطب النساء على حدة والرجال على حدة، بل إن ما يؤمر به الرجال يكون موجهًا للنساء أيضًا؛ ولكن الله تعالى قد أمر هنا المؤمنين أولاً بغض البصر وحماية الفروج، ثم أمر بذلك المؤمنات أمرا منفصلا فقال (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ). ومن الحِكم الكامنة وراء هذا الأسلوب أن هذه الفاحشة لا تمارَس كمهنة إلا من قِبل النساء، فكان ضروريًّا أن يؤمرن أمرًا منفصلاً بغض البصر مع حفظ الفروج.

وهناك حكمة أخرى في ذلك وهي أنه بحسب علم النفس إنما تبدأ العلاقات بين الجنسين بتبادل النظرات دائمًا، والقاعدة أن أحدًا إذا نظر إلى الجنس الآخر وإن كان الآخر غاضًا لبصره فأيضًا يتأثر هو من نظرته، فما كان الأمر بغض البصر ناجعًا إلا إذا أُمر به الطرفان وجُعلا ملزَمينِ بألا ينظر أحدهما إلى الآخر، لا الرجال إلى النساء ولا النساء إلى الرجال.

تفسير: ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها

ثم يقول الله تعالى (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) أي يجب أن لا يخرجن بثياب جذّابة وحُليّ مكشوفة فيراهن الرجال، ولكن لا جناح عليهن في ما ظهر منها.

لقد اختلف المفسرون في معنى (مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، فقال بعضهم: المراد منه الثياب، وقال بعضهم: الحُلي، وقال الآخر: الحلي التي تكون في الأيدي والأرجل كالخاتم والسوار والخلخال، وقالت فئة أخرى: الأيدي إلى المرافق، وقال غيرهم: البرقع أو الرداء، وقال غيرهم: “الحنّاء” التي توضع على الأيدي. (فتح البيان)

 ولكن ما قاله القرآن الكريم هو (إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)، وهذه الكلمات القرآنية تدل على أن الشرع إنما استثنى من الحجاب ما يظهر تلقائيا، وليس ما تُظهره المرأة قصدًا. فعندي أن ما يظهر تلقائيا هو شيئان: القامة وحركات الجسم والمشية. بيد أنه من الواضح – منطقيًا – أنه لا يدخل في العورة ما يظهر تلقائيا بحكم طبيعة عمل المرأة أو في حالة الاضطرار. وبناء على هذه الرخصة نفسها يفحص الطبيب نبض المرأة، لأن المرض حالة اضطرارية. وتكشف المرأة وجهها أيضا للطبيب إذا كان على جلدها مرض، كما ستُري الطبيب لسانها إذا كان بلسانها مرض. فتقول عائشة رضي الله عنها: كنا في إحدى الغزوات نحضر الماء وكانت سيقاننا تنكشف نتيجة الجري (البخاري: كتاب المغازي: باب إذ همّتْ طائفتان منكم أن تفشلا). فانكشاف سيقان النساء في ذلك الوقت لم يكن خلاف حكم القرآن الكريم، بل كان مطابقا له، إذ كانت الضرورة الحربية تفرض عليهن أن يعملن ويجرين، وانكشاف سيقانهن أمر طبيعي، إذ لم يكن في ذلك العصر رواج للسراويل، بل كُنّ يلبسن الإزار. وبحسب هذه القاعدة إذا كان على المرأة أن تعمل في الحقول أو البرية فيجوز لها كشف العين والأنف من وجهها، ولن يُعتبر هذا خلافًا للحجاب، لأنها لن تستطيع العمل بدون ذلك. وكشف بعض العورة بحكم ضرورات الحياة أو المعيشة جزء من حكم الحجاب. وكذلك يجوز للنسوة اللاتي يعملن في الماء أن يرفعن السراويل ويكشفن السيقان. ولكن المرأة التي لا تجبرها طبيعة عملها على الخروج إلى الحقول، فلا تجوز لها هذه الرخصة.

 مجمل القول إنه يجوز بموجب قول الله تعالى (إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) كشف ما تضطر المرأة لكشفه عند الضرورة. فمثلا إن المرأة العاملة في الحقول لا تستطيع أن تقوم بمختلف أعمال الحقل والنقاب على وجهها، فيجوز أن تكشف أيديها وعيونها حتى الأنف لكي تستطيع العمل. ولكن النسوة اللاتي لا يضطررن لمثل هذه الأعمال وإنما يخرجن للتنـزه والتسوق وما إلى ذلك، فإنما حكمهن أن يغطين وجوههن.

باختصار إن المراد من قوله تعالى (إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا) هو أنّ الشرع يسمح للمرأة بكشف ما يظهر تلقائيا أو ما لا يمكن إخفاؤه لاضطرار، سواء أكان هذا الاضطرار عبارة عن طول قامتها، إذ القامة أيضا زينة ولكن لا يمكن إخفاؤها، أو كان عبارةً عن مرض يضطرها لكشف جزء من جسدها للطبيب. فقد قال المسيح الموعود ؏ إن الطبيب لو أمر امرأة بالمشي في الهواء الطلق مكشوفة الوجه وإلا ستتدهور صحتها فيجوز لها كشف وجهها في هذه الحالة. بل لقد قال بعض الفقهاء: إذا كانت المرأة حاملا ولم تتيسر لها قابلة متمرسة ونصحها الأطباء بأن تضع ولدها بمساعدة طبيب ماهر وإلا فهنالك خطر على حياتها، فاستعانت بطبيبٍ عند الولادة فهذا جائز تماما؛ بل لو أنها لم تستعن عند الوضع بطبيب وماتت، كانت آثمة عند الله مثل الشخص المنتحر. (موسوعة الفقه الإسلامي ص 123-131، ومختصر القدوري ص 259، وملفوظات: المجلد الأول ص 171)

كما يمكن أن يكون هذا الاضطرار بحكم العمل، كما ذكرتُ مثال نساء الفلاحين حيث يضطررن لمساعدة الرجال في أعمالهم. فكل هذه الأمور تدخل ضمن قوله تعالى (إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا).

تفسير: وليضربن بخمرهن على جيوبهن

ثم يقول الله تعالى (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ). والخمار ليس رداء بل هو قطعة قماش تغطي بها المرأة رأسها عند العمل. ومن معاني الجيب شقّ القميص وطوقه (الأقرب). وهذا الشق يكون في خلف القميص أو عند الكتف الأيمن أو الكتف الأيسر أو عند الصدر أو على اليمين واليسار كليهما، وكان عند الصدر في قمصان العرب. وكانت نساء العرب يغطين الظهر والكتف ويكشفن الصدر كما تفعل الأوروبيات في هذه الأيام. فأمر الله تعالى (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ). وبما أن جيوبهن كانت من الأمام فالمراد من الآية أن يدنين خمرهن مِن على الرأس إلى الجيوب، وليس المراد أن يأخذن من أطراف الخمر ويضعنها على جيوبهن؛ لأن الخمار يكون قصيرا ولا يكون له أطراف طويلة. فليس المراد إلا أن يدنين من خمرهن حتى يصل إلى الصدر؛ فلا يرى الوجه مَن يأتي مِِن أمامها.

 هذا الحكم يبين أن وجه المرأة عورة، ولكن البعض يظن خطأً أن الوجه ليس بعورة. علينا أن نرى ماذا فهم النبي ﷺ من هذه الآيات، وكيف عمل الصحابة والصحابيات بهذا الحكم. عندما نفحص الأحاديث وتاريخ الإسلام يتبين لنا جليا أن الوجه كان يُعَدّ عورة في ذلك الوقت. فقد ورد أن الرسول ﷺ بعث مرة إحدى الصحابيات تدعى أم سُلَيْم إلى فتاة لتراها من أجل الزواج من أحد الصحابة (مسند أحمد بن حنبل مجلد 3 ص 231).

فإذا كانت النساء لا يغطين وجوههن في تلك الأيام فلماذا بعث الرسول ﷺ أم سلَيْم لترى شكل الفتاة وما إلى ذلك؟

كما ورد في الحديث أن شابًا في عهد الرسول ﷺ خطب فتاة من أبيها، وقال له إني راض بكل شيء غير أني أريد أن أنظر إليها مرة ليطمئن قلبي. وبما أن حكم الحجاب كان قد نـزل فوجد أبوها في طلبه إهانة له، فأبى وسخط. فذهب الفتى إلى الرسول ﷺ وحكى له القصة. فقال النبي ﷺ: لا شك أن حكم الحجاب قد نـزل، ولكن هذا لا يعني أنه لا يجوز للمرء النظر إلى امرأة يريد أن يتزوجها. فلو رضي أهل الفتاة بتزويجها من أحد فأراد أن يراها، فيمكنه رؤيتها مرة واحدة. فاذهب إلى أبيها فبلِّغْه ما قلتُ. فذهب وبلغهم رسالة الرسول ﷺ، ولكن يبدو أن أبا الفتاة لم يكن قوي الإيمان فقال: لست عديم الغيرة حتى أسمح لك برؤية ابنتي. وكانت الفتاة تسمع هذا الحوار داخل البيت. فلما رفض أبوها ما قاله الرسول ﷺ له، خرجت مكشوفة الوجه وقالت للفتى: ما دام الرسول ﷺ سمح لك برؤية وجهي فكيف يحق لأبي أن يخالف أمره ﷺ؟ فها أنا أمامك فانظر إليّ. (*ابن ماجة: كتاب النكاح، ومسند أحمد، المجلد 4 ص 244-245، مسند أنس بن مالك).

فلو كانت تلك الفتاة تمشي مكشوفة الوجه من قبل فما الداعي أن يقول الفتى لأبيها: إني أريد رؤيتها، ولماذا استأذن الرسولَ ﷺ لرؤيتها؟

كذلك ورد في الحديث أن الرسول ﷺ خرج مع زوجته صفية – رضي الله عنها – وقت المساء. فرأى شخصا قادما من أمامه ففكر لسبب من الأسباب أنه ربما يظن أنني أمشي بامرأة ليست زوجتي، فكشف النقاب عن زوجته وقال: انظر هذه صفية (البخاري: كتاب الصوم، باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه، ومسند أحمد، الجزء الثالث ص 156 و285).

 فإذا كانت النساء يخرجن مكشوفات الوجوه فما كان هناك أي احتمال لأن يشعر الرسول ﷺ ما شعره من الخطر.

كذلك ورد عن عائشة – رضي الله عنها – أنها كانت تقود جيشها في واقعة الجمل، فقطع شخص حبال هودجها، فسقطت عن الجمل. فجاء أحد الخوارج الخبثاء وكشف عن هودجها وقال: والله، ما أرى إلا حُميراء! (الطبري: سنة 36: شدة القتال يوم الجَمل، المجلد الخامس ص 568-569)

 فإذا كانت أزواج النبي ﷺ يخرجن مكشوفات الوجوه فلا بد أن يكون هذا الخارجي قد رأى عائشة وهي جالسة في الهودج تقود جيشها، ولم يكن هناك أي داع ليستغرب عند رؤيتها.

والذين يقولون أن الإسلام لا يأمر المرأة بتغطية الوجه نقول لهم إن القرآن يأمرها بإخفاء الزينة، والوجه أكثر الأعضاء زينة، وإذا لم يكن هناك حكم بتغطية الوجه، فما هي الزينة التي أُمرت المرأة بإخفائها؟ لا شك أننا ندعو إلى أن لا تغطي المرأة وجهها بحيث يؤثر سلبيا على صحتها، فيمكنها مثلا أن تضع على وجهها قطعة رقيقة من القماش أو أن تضع نقابا كما تفعل نساء العرب حيث تكون العيون والأنف مكشوفة؛ ولكن لا يمكن أن يُترك الوجه خارج الحجاب.

تفسير: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن

ثم يقول الله تعالى (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ). يتضح هنا من قوله تعالى (أَوْ نِسَائِهِنَّ) أنه لا بد للمرأة أن تحتجب من بعض النساء أيضا. هنالك عادة في كل البلاد، كما كانت عندنا أيضا في الماضي وقد تلاشت الآن بعض الشيء، وهي أن بعض النساء الفاسدات والخبيثات يعملن عند أناس سيئي السيرة، فيذهبن إلى البيوت ويغوين النساء شيئًا فشيئًا، حتى يهربن معهن من بيوتهن. ودرءًا لهذه الفتنة أمر الشرع بأن لا يُسمح لكل امرأة بدخول البيوت بل يُسمح فقط للنساء اللاتي تعرفونهن معرفة تامة ولا خطر منهن إطلاقا.

كل من يطالع التاريخ يعلم أن الدمار لم يحلّ بالمسلمين في إسبانيا ولا الهند إلا بسبب النساء. لقد بثَّ النصارى الأسبان نساءهم بين المسلمين ليقمن بشتى الأعمال الخبيثة كما ينشرن دينهم في البيوت المسلمة. فغيّرن أفكار كثير من المسلمات، وكانت النتيجة أن أجيال المسلمين فقدت الحماس ضد المسيحية واختلطت بالنصارى حتى صار النصارى غالبين عليها. كما أن النصارى استعملوا نساءهم لجعل المسلمين ينغمسون في الملذات راكنين إلى حياة البذخ والترف والغفلة والكسل. ففقدوا الغيرة على الإسلام والقوة على الحرب (أخبار الأندلس: هشام الثاني ص 692). فأخذ المسيحيون يستولون على بلاد المسلمين ويتقدمون حتى وصلوا إلى أسوار غرناطة. ومع ذلك لم ينتبه المسلمون بل ظلوا نشوانين في الملذات، وكأن الجيش الرابض حول مدينتهم ليس عدوًا لهم بل هو ضيف جاء ليشترك في العرس. فكانت النتيجة أنهم اضطروا للرحيل من وطنهم إلى إفريقيا، ولكن المسيحيين ما كانوا ليتركوهم يذهبون هكذا، فأحرقوا سفن المسلمين التي ملؤوها بالكتب الإسلامية بإذنهم، وهكذا محا المسيحيون الإسلام والمسلمين في إسبانيا.

 وفي الهند أيضا دخلت الراهبات المسيحيات في بيوت المسلمين لتنصير المسلمات ونجحن في ذلك. والمؤسف أن المسلمين حتى اليوم يرسلون بناتهم إلى المدارس المسيحية، والنتيجة أن بناتهم ينفرن من الإسلام ويضحكن عليه إلا ما شاء الله. ومن أجل ذلك يأمرنا الله تعالى بالفحص والتحقيق في سلوك النساء وأن لا نسمح لهن بدخول بيوتنا إلا بعد الاطمئنان من جانبهن. وهذا هو المراد من قوله تعالى (أَوْ نِسَائِهِنَّ) أي أن النساء اللواتي يدخلن في بيوتكم يجب أن يكنّ ممن تعرفونهن جيدًا كما تعرفون قريباتكم.

تفسير: أو ما ملكت أيمانهن

ثم يقول الله تعالى (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ).. أي يجوز للنساء أن يبدين زينتهن لإمائهن لأن الإماء يعتبرن كأهل البيت. ولكن هذا لا يعني، كما ظن بعض المفسرين خطأً، أن لا بأس من أن يبدين زينتهن لعبيدهن (القرطبي، والرازي). مع أن العبيد لا يجوز أخذهم إلا في حرب دامية سياسية لا دينية كعقوبة لهم، وما دام هؤلاء الأسرى ينتمون إلى أمة معادية وقد أخذوا كعقاب عليهم، فكيف يمكن السؤال: هل تحتجب المرأة من أسيرها أم لا؟ ما دام الشرع يأمر النساء بالحجاب حتى من الرجال الشرفاء من قومهن، فكيف يأمرهن بترك الحجاب أمام أفراد قوم معادين؟ هذه الفكرة لن تخطر إلا على شخص فقد العقل والفهم كلية. فالآية لا تتحدث عن العبيد بل عن الإماء فقط اللواتي هن موضع ثقة كاملة، شأنهن شأن اللواتي ورد ذكرهن في قوله تعالى *(أَوْ نِسَائِهِنَّ) إذ ليس المراد منه كل النساء بمن فيهن سيئات السيرة والأخلاق بل اللواتي هن موضع ثقة، ولا شك في صلاحهن وولائهن.

تفسير: التابعين غير أولي الإربة من الرجال

ثم يقول الله تعالى (أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ). لقد ظن البعض أن مفهوم هذه الجملة يضم المخنثين أيضا. ولكن هذا خطأ، لأن الرسول ﷺ قد أمر النساء بالحجاب من المخنثين، فقد قال لنسائه ذات مرة: إذا دخل عليكن المخنث فاحتجبن منه. وأضاف وقال: إن المخنثين عندما يخرجون من عند النساء يتحدثون عن زينتهن أمام الرجال مما يؤدي إلى إشاعة الفحش. (أبو داود، كتاب اللباس، وابن ماجة: كتاب النكاح، ومسند أحمد مجلد 6 ص 290: مسند أم سليم)

 لقد ثبت من هنا أن قول الله تعالى (غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) لا يقصد المخنثين بل يعني الخادمين الذين صاروا شيوخا وفقدوا الرغبة في الشهوة الجنسية بحيث يستحيل أن يفكروا في الفاحشة. أما المخنثون فلا يمكن أن يدخلوا في مفهوم هذه الجملة لأن بعضهم شبان وقد جُعلوا مخنثين بطريقة مصطنعة مؤقتة مما يزيدهم شهوة وغضبًا.

 إضافة إلى أن الثابت من القرآن الكريم أن تغيير صورة الإنسان من عمل الشيطان حيث نقل القرآن الكريم قول الشيطان: (وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ)(النساء:120).. أي أنني سأحرّض الناس فسيغيّرون الصورة التي خلقها الله تعالى. والشيء الذي هو غير جائز أصلا لا يمكن أن تصدر الأحكام بصدده.

إذًا، فقوله تعالى (غَيْرِ أُولِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ) إما يعني الشيوخ من الخدم أو المجانين وشبه المجانين من الأقارب الذين ليس عندهم الإحساس بالجنس أو بالأولاد الذين لم يتولد عندهم الإحساس بالشهوة ولم يطّلعوا بعد على علاقات الجنسين.

ثم يقول الله تعالى (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ).. أي حتى لو كانت الحلي التي تلبسها النساء غير مكشوفة فعليهن أن لا يضربن بأقدامهن بحيث يسمع الرجال صوت حليهن، ويعلموا أنهن من عائلات غنية وأن الزواج بهن سيكون ذا نفع لهم.

كما ثبت من هنا أن الشريعة لا تجيز الرقص وما إلى ذلك، لأنه يدمر حياء الإنسان.

إن هذه الأحكام حكيمة لدرجة أن المرء لو تدبر فيها بدون تعصب لما وجد مناصا من الاعتراف بروعتها، لأنها قادرة على القضاء على الكثير من المساوئ في المجتمع.

يجب عدم التشدد في الحجاب

لا جرم أن الناس في بعض الأقطار يتشددون جدًا في أمر الحجاب، حتى إنهم لا يخرجون بالعروس إلا في محفة ثم يغطونها بستائر كثيرة. لقد رأيت بأم عيني أنهم يخرجون بالعروس في محفة ثم إذا أرادوا أن يركبوها في السيارة يسترون كل المكان بالسرادق كي لا يقع نظر أحد حتى على مشهد خروجها من بيتها. وقد تشددت بعض الشعوب في أمر الحجاب لدرجة أنهم يقولون: إذا دخلت العروس في بيت الزوج مرة فيجب أن لا تخرج منه إلا يوم جنازتها. وكل هذه الأنواع من الحجاب إنما اخترعها الناس من عند أنفسهم. وهذا ظلم صريح بالمرأة ويضر بصحتها وبأخلاقها وعلمها ودينها أضرارا بالغة. لا يوجد في القرآن ولا في الحديث أثر لمثل هذا الحجاب، بل يتضح من القرآن بكل جلاء أن خروج النساء من البيوت جائز تمامًا. فلو كان خروجهن غير جائز لما أمر الله تعالى بغض البصر أيضا. كما أن التاريخ أيضا يبين لنا أن زوجات النبي ﷺ وبناته كن يخرجن من بيوتهن في عهده. واشتراكهن في الحروب وذهابهن للعمل في الحقول وخروجهن للتعلم والتعليم وقضاء الحاجات أمرٌ ثابت مؤكد، وستجد هذه الأمور مذكورة حتى في أي كتاب صغير للتاريخ. إذًا، فالإسلام لا يأمر النساء أبدًا أن يجلسن في البيوت كالمحبوسات، إذ لم تكن النساء هكذا في أوائل الإسلام، بل كنّ يخرجن من البيوت ليستمعن لخطب النبي ﷺ، وكنّ يشتركن في الحروب ويعتنين بالجرحى، ويركبن الخيول، ويتعلمن من الرجال، بل كنّ يُعلِّمنَهم، إذ كانت عائشة ؓ تُسمع الرجال حديث الرسول ﷺ (البخاري: كتاب المغازي، باب إذ همت طائفتان، وباب حديث الإفك، وكتاب الوضوء، باب خروج النساء إلى البراز، وكتاب الصوم، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه، والسيرة الحلبية الجزء الثاني: غزوة أحد). بل لقد قامت عائشة بقيادة جيش في إحدى الحروب (البداية والنهاية: المجلد السابع ص 230-233: ابتداء وقعة الجمل). فكانت النساء يتمتعن بحرية عَملية تامة، وغاية ما طُلب منهن هو أن يغطين رؤوسهن وأعناقهن وأماكن الوجه المتصلة بالرأس والعنق سدًّا لدواعي الإثم. وإذا استطعن أن يأخذن حيطة أكثر من ذلك فليلبسن النقاب. أما أن يحتبسن في البيوت ولا يشتركن في أمور التعليم والتربية، فهذا ما لا يأمر به الإسلام ولم يعمل به المسلمون قط.

ستنا عائشة رضي الله عنها تشاهد الألعاب الحربية

يوضح لنا الحديث أن النبي ﷺ كان من عادته الشريفة في أيام السلم أن يعقد بين صحابته سباقات ودية للرماية والمصارعة وغيرها من الفنون الحربية. وعقد ذات مرة هذه الألعاب الحربية في المسجد، وقال لعائشة: إذا أردت أن تشاهدي هذه السباقات فتعالي وتفرجي واقفة ورائي. فجاءت ووقفت خلفه وشاهدت الألعاب الحربية (البخاري: كتاب العيدين، باب الحِراب والدَرَق يومَ العيد).

لقد ثبت من هنا أن الإسلام يؤكد على ضرورة تعليم المرأة الفنونَ الحربية أيضًا لكي تستطيع الدفاع عن نفسها وعن وطنها وقت الحاجة. أما إذا كان قلبها يطير شعاعًا برؤية السيف وترتعد فرائصها بسماع صوت المدافع والبنادق فلن تسمح بطيب خاطر لأولادها أن يخرجوا إلى ميادين القتال، كما لن تستطيع هي أن تشترك في الدفاع عن وطنها بشجاعة. إذ لم يقض على الإمبراطورية المغولية في الهند إلا جبنُ المرأة ومحبة الرجل المفرطة للمرأة. ذلك أنه في أيّام الثورة ضد الإنجليز في الهند لما رأى الموالون للإنجليز من الهنود أن الجيوش المغولية قد جهزوا المدافع في نقطة من الممكن أن تلحق بصفوف الجيوش الإنجليزية خسائر فادحة، أرسلوا إلى “زينت محل” الزوجة المحببة المدللة للملك المغولي والتي كانت متواطئة مع الإنجليز في الخفاء كي يتوّجوا ابنها ملكًا على البلاد وليس غيره  (The Great Mutiny India, P.278& 314)، وقالوا لها إنها إذا كانت تريد أن تسدي للإنجليز معروفًا فعليها أن تفعله الآن، وذلك أن تُقنع زوجها أن يزيل المدافع من ذلك المكان. فتمارضت “زينة محل” وقالت لزوجها إنها تشعر بضعف في قلبها وأنها تخاف صوت المدافع وسيغمى عليها إذا هي انطلقت، فإما أن يزيل المدافع أو أن يقتلها هي. فأمر الملك بإزالة المدافع من ذلك المكان الحساس، الأمر الذي أدى إلى سيطرة الإنجليز على الموقف وسقوط حكومة “دلهي”، وهكذا خرج الحكم من أيدي الأسرة الملكية والمسلمين.

فإذا كانت هذه الحكاية صحيحة، فهذا يعني أن الملك إنما تأثر من قول زوجته لأنه كان يعلم أنها ليست معتادة على سماع زمجرة المدافع. ولكن لو كانت معتادة على مشاهدة القصف المدفعي، ولو أنها رأت المناورات الحربية والقتال، لما نجحت في احتيالها على الملك، إذ كان بوسع الملك أن يقول لها بكل بساطة: لقد كنت تسمعين هذه الأصوات من قبل، فكيف تقولين الآن إنك سيغمى عليك بسببها؟ كذلك لو كان الملك نفسه قد قضى عمره في المعارك، وكان ماهرًا بفنون الحرب لما اقتنع بقول زوجته. إذًا، فعدم خبرة الملك بالحروب وعدمُ اطلاع نساء الأسرة الملكية على فنون الحرب أدى إلى نجاح “زينت محل” في خداع زوجها.

 أما النبي ﷺ فكان يأخذ النساء للتفرج على الألعاب الحربية، كما كان يصطحب بعض زوجاته دائمًا في المعارك لكي يكتسبن الجرأة والشجاعة، فما كانت عائشة – رضي الله عنها – مثلا أن تقول للنبي ﷺ عند رؤية معركة إن قلبي ينقبض خوفًا من الحرب.

المرأة تستطيع مشاركة الرجل في كل نوع من الأعمال

إذًا، فبحسب تعاليم الإسلام تستطيع المرأة، وهي في حجابها، أن تشترك مع الرجال في كل نوع من الأعمال. فيمكنها أن تتعلم من الرجل وتستمع لخطابه، ويمكن أن تخطب في الاجتماع في موضوع لا يستطيع الرجل أن يخطب فيه. ويمكن أن تجلس في مجالس الوعظ وفي المحاضرات منفصلة غير مختلطة بالرجال. ويمكن أن تدلي برأيها وتشترك في النقاش عند الضرورة، إذ لا بد من استشارة النساء في الأمور الخاصة بهن. كما يمكن لها الجلوس مع الرجل عند الضرورة، حيث نجد أن الرسول ﷺ كان في سفر، فوجد صبية تمشي، فأردفها وراءه على بعيره (مسند أحمد: مجلد 6 صفحة 380، حديث امرأة بني غفار).

لا يجدر لبس الحجاب بطريقة ظالمة

وهذا الفعل لو قام به أحد في بلادنا فربما سيقوم كل القوم بمقاطعته، ولكن أحكام الشرع قد نـزلت قبل ثلاثة عشر قرنًا ولا يمكن أن تتبدل. فعلى ضوء ما فعل الرسول ﷺ أرى أن النساء إذا كن عرضة لخطر في عربتهن الخاصة في القطار مثلاً، فعلى الرجال أن يُجلسوهن في عربتهم الخاصة، أو تأتي المرأة وحدها فتجلس في عربتهم إذ رأت أن شرفها مصون من الخطر بسبب جلوسها بين الرجال الشرفاء. كذلك بإمكان النساء أن يذهبن للسوق للشراء إذا لم يكن هناك أي خطر. لقد رأيت في البلاد العربية أن النسوة يذهبن إلى السوق للشراء، بل لقد أخبرني الناس هناك أن النساء لا يعجبهن ما يشتري لهن أزواجهن. يقلن إن الرجل لا يميز القماش الأفضل، ولا يعرف أي البضائع أجود، لذا سوف نذهب إلى السوق ونشتري بأنفسنا. إن ما ينهى عنه الإسلام هو أن تمشي المرأة مكشوفة الوجه وتختلط بالناس اختلاطًا حرًّا، أما إذا خرجت في حجابها بحيث تكون أعينها مكشوفة لرؤية الطريق فلا بأس بذلك، إنما الممنوع أن تخرج مكشوفة الوجه أو تشترك في اجتماعات مختلطة فيها الرجال، وتتحدث معهم بدون تكلف حديثًا لا طائل منه. كذلك لا يجوز للمرأة أن تنشد الشعر في مجالس الرجال لأنه لغو.

ثم إن الفطرة الإنسانية أيضًا لا تقبل أن يُباح للرجل، وهو أقوى بنية من المرأة، الخروج إلى الهواء الطلق حفاظًا على صحته، في حين أن المرأة الأضعف بفطرتها فتُحرم من الخروج إلى الهواء الطلق. ورد في الحديث أنه في إحدى المرات تسابقَ الرسول ﷺ مع عائشة – رضي الله عنها – في الجري أمام الناس في سفرٍ فسبقته، ثم تسابق في مناسبة أخرى فسبقها النبي ﷺ. (أبو داود: كتاب الجهاد، باب في السبق على الرجل)

 إذًا، فهذا النوع من الحجاب الذي يفرض على المرأة أن لا تخرج من بيتها إلا في المحفة لهو ظلم عظيم ومنافٍ للحجاب الإسلامي.

وهناك نوع آخر من الحجاب في بلادنا حيث تخرج المرأة في برقع من بيتها إلى بيت الجيران ولا يُسمح لها أكثر من ذلك. لا شك أن هذا النوع من الحجاب أفضل من النوع السابق، ولكنه لا يساعد على ارتقاء النساء عقليا ولا يحافظ على صحتهن، حتى نعتبره كافيًا للرقي القومي. ثم إن هذا الحجاب القديم عندنا مدمر لصحة المرأة أو إنه ليس بحجاب وإن كانوا يسمونه حجابًا. إن هذا الحجاب عبارة عن برقع على شكل قبة مضروبة على المرأة من رأسها إلى قدمها حيث لا تستطيع أن تخرج منها يديها، وإذا أرادت أن تحمل ولدها مثلاً انكشفت من رأسها إلى قدمها، وهو مشهد منفر من الحجاب نفسه.

 أما نوع الحجاب الذي كان عندنا قبل اختراع هذه البرقع فقد كان أفضل بكثير حيث تغطي المرأة نفسها برداء وتستطيع أن تقوم بأعمالها ملتفة بردائها.

 وعندي أن البرقع الجديد الذي يسمى عندنا “البرقع التركي” هو أفضل البراقع كلها من حيث الحجاب، شريطة أن لا يكون ضيقًا يلتصق بالجسم، بل يجب أن يكون كما هو عند نسائنا الأحمديات حيث يكون كمعطف طويل يغطي جسم المرأة من الأكتاف حتى الأقدام. ولكن يجب أن لا يكون المعطف ضيقًا بحيث يفصل تقاسيم الجسد، إذ لو كان مثل هذا الحجاب الضيق جائزًا فكانت الكفاية في الملابس العادية، ولما أمر القرآن الكريم النساء أن يلبسن لباسًا فضفاضًا فوق ملابسهن العادية. ومن فوائد هذا البرقع أن أيدي المرأة تكون حرة، فتستطيع القيام بكل نوع من الأعمال. ويشبه هذا البرقع ذلك المعطف الفضفاض الذي يلبسه الطبيب عند القيام بالعملية الجراحية.

غير أنه من الظلم العظيم عندي أن تلبس البنات البرقع وهن صغيرات السن، لأن هذا يؤثر سلبيًّا على صحتهن، كما أنه يعيق نمو قامتهن على ما يرام. يجب أن تلبس البنت البرقع عندما تظهر فيها علامات الأنوثة لا قبل ذلك.

لماذا أمرت المرأة بالحجاب دون الرجل؟

فالجواب أن كلا الجنسين سيّان في الحجاب. لم تؤمر المرأة بالحجاب عند الخروج من البيت لأن الحجاب فرض عليها فقط، إنما سببه أن نطاق عمل الرجل هو خارج البيت في الواقع ونطاق عمل المرأة هو داخل البيت. فعندما تذهب المرأة إلى النطاق الحقيقي لعمل الرجل تلبس الحجاب، بينما يكون الرجل هناك بدون الحجاب لأنه يكون في النطاق الحقيقي لعمله؛ ولو أُمر بالحجاب في نطاق عمله لصعب عليه العمل؛ تماما كما أن المرأة لو أُمرت بلبس الحجاب وهي تعمل داخل البيت لتضايقت ولتعذر عليها العمل. ومن جهة أخرى، قد أُمر الرجل بأن لا يدخل في نطاق عمل المرأة لتعمل في حرية، فإذا ذهب إلى بيت أحد فعليه أن يستأذن قبل الدخول. ولكن المرأة لم تُؤمر بأن تأخذ الإذن من الرجال إذا أرادت أن تذهب إلى نطاق عملهم خارج بيتها، ذلك لأن لها حقوقا في نطاق عمل الرجال، ولها الحق في أن تخرج إلى الشوارع والأسواق، بينما ليس للرجل العادي أي حق في نطاق عمل المرأة، لذلك لم يأمرها الإسلام بأخذ الإذن من الرجال إذا أرادت الدخول في نطاق عملهم، وإنما يكفيها أن تحتجب منهم بردائها، بينما نهى الرجل عن الدخول في نطاق المرأة إلا بإذن.

إذًَا، فالحجاب ليس إساءة إلى المرأة، إنما هو تقسيم لنطاق عمل كل واحد من الجنسين، ولا يخالف الناس الحجاب إلا بسبب تقاليدهم وعاداتهم.

هل الحجاب يعيق تقدم المرأة؟

ويقال أيضا أن الحجاب يعيق تقدّم النساء ويضر بصحتهن. ولكنه قول باطل كلية. فما هو الإنجاز الذي تحققه النساء السافرات ولا تحققه النساء المحجبات؟ عندما كانت النساء يلتزمن بالحجاب كما أمرهن الإسلام كنّ يتمتعن بصحة جيدة، وكن يشتركن في الحروب ويقتلن العدو، ولكن النسوة السافرات لا يفعلن أي شيء. والواقع أن الصحة تكون بالأمل والطموح، ولكن إذا لم يبق عند الإنسان أي أمل، فلو ذهبت به إلى قمة الجبل وأوقفته هناك فلا بد أن يسقط. أما إذا كان لديه أمل وطموح فسيصعد ويصعد حتى لو حجبتَه بألف لحاف. ومن أجل ذلك قد سعيتُ دائما أن يكون حجاب نسائنا كما يأمر الشرع، وبفضل الله تعالى قد كان عدد النساء المتعلمات يزيد على غير المتعلمات خلال خلافتي في قاديان وربوة أيضا؛ بينما كان الأمر على عكس ذلك بالنسبة إلى الرجال. كما أن النساء عندنا يؤدين واجباتهن على أحسن وجه في تنظيمهن الخاص “لجنة إماء الله”، فيخرجن لزيارة البيوت ويجمعن التبرعات وينفخن الحماس بالأخريات، بل يخرجن إلى المدن الأخرى في بعض الأحيان لإنجاز هذه المهام. فالقول أن الحجاب يعيق تقدم النساء قول باطل تماما. إن النساء يمكن أن يحرزن الرقي بمراعاة الحجاب أيضا. إن ما نحتاجه هو أن تكون النساء متعلمات، وأن يلتزمن بالحجاب الشرعي بأنفسهن، وأن يوضحن لغيرهن أيضا أن إحراز أي نوع من الرقي والتقدم مع الحجاب ممكن. لو قال الرجال هذا الكلام للنساء فلن يكون له نفس الوقع، لأن النساء سيقلن في الجواب أنت تتمتع بالحرية في الخارج، فما يدريك ما هي معاناة الحجاب.

About الخليفة الثاني للمسيح الموعود المصلح الموعود مرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه

View all posts by الخليفة الثاني للمسيح الموعود المصلح الموعود مرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه

One Comment on “تفسير آية الحجاب في سورة النور”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *