يقول المُصْلِح المَوْعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحكم بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (البقرة 114)

التفسير:

يقول الله تعالى إن هؤلاء الذين يعتبرونكم غير ناجين .. قد ساءت حالهم لدرجة أن اليهود يقولون إن النصارى لا خير فيهم، ويقول النصارى إن اليهود لا خير فيهم .. مع أن كلتا الفئتين تقرأ كتابا واحدا، وتدعي أنها تؤمن بالتوراة. ومن المعلوم أن اليهود لا يعدون الإنجيل -كالنصارى- من الكتاب المقدس.

لقد ذكر الله قبل ذلك ثلاث دعاوى لليهود، والآن ذكر الرابعة. والحق أن هناك شبها بين الأولى والثانية، وبين الثالثة والرابعة. فقد ذكر أولا أنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، ثم ذكر دعواهم الثانية بأن الدار الآخرة لهم عند الله من دون الناس. فهذه الثانية أكبر من الأولى، وقد دحض الله كلتيهما. وكانت الثالثة أنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، والرابعة أكبر من الثالثة إذ ينفون بها وجود أي خير في غيرهم حيث يدّعون ألاّ خير في النصارى، والنصارى أيضا يدعون مثل دعواهم. والحق أنه حتى من يستحق النار يمكن أن يكون فيه بعض الحسنات، ولكن وجود بعض الحسنات فقط لا يكفي ليستحق الإنسان الجنة، وإنما يدخلها من رجحت كفةُ حسناته كفةَ سيئاته. أما هؤلاء فقد تشددوا وغلوا في القول بحرمان الناس من الجنة لدرجة أن نفوا وجود أي خير في سواهم .. فيرد الله عليهم قائلا: دعوكم من الحسنات الأخرى .. وأخبروني: أليست تلاوة التوراة من الحسنات؟ وما دام النصارى يتلونها فلماذا تنكرون وجود أي حسنة فيهم؟

وفي الواقع أنه ما من دين إلا ويتضمن بعض الحقائق والمزايا، وإنما يعني قولنا (دين الحق) أنه أكثر الأديان شمولا للمزايا والكمالات، ونزاهة عن النقائص .. وإلا فكل دين لا بد وأن يشتمل على بعض الحقائق. ولكن الأسف أن الناس عموما لا يفهمون هذه الحقيقة الأصلية، مما يؤدي إلى العداوة الدينية الشديدة.

إن الإسلام يعارض بشدة هذه الظاهرة .. ظاهرة ضيق الصدر هذه بين أهل الكتب، فهو –إلى جانب دعواه بصدقه– يعترف أن كل دين يتسم ببعض المزايا، وينصح أتباع الأديان المختلفة بألا يهاجم بعضهم بعضا هجوما أعمى، بل عليهم أن ينظروا إلى مزايا الآخرين أيضا، وألا يتعاموا ويظنوا –تعصباً بدون تحقيق وتدقيق– أن دين غيرهم كله عيوب ونقائص وأنه خال من أي خير وكمال. وقد لام الله اليهود والنصارى في هذه الآية على عداوتهم الشديدة وتعصبهم الأعمى. والحق أن الناس لو عملوا بتعليم القرآن هذا لتغيرت خريطة العالم، وانمحى أي أثر للخصومات والفسادات، واستتب الأمن والاستقرار حقا. ذلك أن أساس الخصومات الدينية إنما هو سوء الفهم هذا. فالناس يندفعون إلى مهاجمة دين آخر بدون أدنى تدبر في تعاليمه، مما يثير ثائرة البغض والانتقام في نفوس أهل ذلك الدين ضد دين المهاجمين، وهكذا يُحرمون من فرصة التدبر في دين الآخرين في هدوء وبعد عن التعصب. كل واحد يهاجم دين الغير بدون أدنى تدبر بناء على روايات أعداء ذلك الدين، ويعد عقائده غير منطقية ومجموعة أوهام غير قابلة للعمل، بل مخلة بأمن الدنيا .. ويتنفر من ذلك الدين. مع أنهم لو تدبروا في أديان أخرى بصدر رحب لوجدوا في كل دين بعض المزايا وبعض النقائص، ماعدا “دين الحق” الذي يكون منزها من كل عيب ومنقصة. ولا بد أن يؤدي بهم هذا التدبر الهادئ إلى أمن وأمان وحب ووئام.

لقد تفشت ظاهرة الاعتداء على أديان الآخرين في عصرنا هذا لدرجة أن أصبحت شغلا شاغلا بين الناس. مع أن نتائجه خطيرة جدا للعالم كله. وقد نبه القرآن الكريم في هذه الآية إلى التخلص من هذا العيب بصفة مبدئية.

والأسف أن الفرق الإسلامية في هذه الأيام أيضا مصابة بهذا المرض. فرغم أنها تؤمن بإله واحد، وبكتاب واحد وبرسول واحد .. إلا أنها تتبادل فتاوى التكفير على أدنى اختلاف.

وفي قوله تعالى (كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم) .. يبين أنه ليس اليهود والنصارى وحدهم الذين أصابهم المرض، وإنما سائر الجهال الذين لا يعلمون علما حقيقيا يهاجم بعضهم بعضا بمثل هذه الهجمات .. أي يتناسون تماما محاسن الغير، ولا يذكرون مساوئ أنفسهم، في حين أنه لا يمكن أن يكون أحد مؤمنا بالله ومع ذلك يكون خاليا من أي خير. كيف يمكن أن يوجد في الدنيا شيء لا جدوى ولا خير فيه والقرآن يعلن أن الله تعالى لم يخلق أي شيء من دون فائدة وجدوى؟ بل لقد اعترفوا الآن بفوائد سموم الحيّات والعقارب. أفليس من الظلم في حق الله ألا نتوقع في الإنسان أي خير.

قوله تعالى (فالله يحكم بينهم يوم القيامة) .. يعني أن الذين قالوا إن اليهود لا خير فيهم أو أن النصارى لا خير فيهم .. لم يصيبوا في قولهم. نعم، فيهم بعض النقائص، ولأجل ذلك بعث الله نبيه مُّحَمَّداً صلى الله عليه وسلم ليصلح عوجهم. والحق أن حسناتهم قلّت وسيئاتهم كثرت، ومن سنّة الله عند كثرة السيئات وقلة الحسنات وتفشي الفساد في العالم أن يبعث نبيا من عنده .. لتقليل السيئات وتكثير الحسنات وليوثق العباد صلتهم بربهم من جديد.

 

About الأستاذ فراس علي عبد الواحد

View all posts by الأستاذ فراس علي عبد الواحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *