سلسلة “المسيح يكسر الصليب بتصحيح المفاهيم” حلقة 2

هل يقول القرآن أن المرأة خلقت من ضلع؟

ورد في الكتاب المقدس النص التالي:

فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. بَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. فَقَالَ آدَمُ: «هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ.” – التَّكْوِينِ 2: 21-23.

فتناهى إلى أسماع حضرة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أن القسس وبالأخص القس الإنجليزي مونرو الذي قدم إلى الهند بمشروع التنصير يقول بأن القرآن الكريم أيضاً يؤسس لفكرة خَلْق حواء من ضلع آدم مثل الكتاب المقدس مما يمهد لمسائل أخرى تترتب على ذلك مستدلاً بقوله تعالى ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، فنشر المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام في مجلته “مراجعة الأديان” ردّاً على ذلك مقالاً نقتبس منه فقرة صغيرة فقط تعريبها:

أما العبارة ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ فليس صحيحاً أنها تعني أن الأنثى خُلِقَت من الذَّكَر وأن الوصف لا ينطبق إلا على آدم ومنه خُلِقَت حواء. إنَّ هذه الفكرة خاطئة. يقول القرآن الكريم في سورة الروم: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، ففي هذه الآية ذُكِرَ بكل وضوح أن حواء ليست وحدها التي خُلِقَت من آدم وإنما كل زوجة رَجُل هي مخلوقة من نفسه، وتقابل كلمة ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ تماماً كلمة ﴿مِنْهَا﴾ إلا في الضمير الذي استُخدم للمفرد في الكلمة الأخيرة بينما جاء في الأولى بصيغة الجمع، وبقي حرف الجر ﴿مِنْ﴾ الذي يحدد أهمية الجملة نفسه بلا تغيير في كليهما. لذا يجب تفسير كلا العبارتين بالطريقة نفسها. إذن، فإن معنى الجملتين ﴿جَعَلَ مِنْهَا﴾ و﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ هو أن الله تعالى خَلَقَ المرأة من نفس طبيعة وجنس الرَجُل. كما استخدم القرآنُ الكريم للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صيغتين مماثلتين هما ﴿بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ و﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، وقد استُخدمت عبارتَي ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ و﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ نفسها في آية خَلْق المرأة.” (مجلة “مراجعة الأديان”، المجلد 2، العدد 7، ص‏ ‏257-258، تموز 1903)

تفسير حديث الضلع الأعوج

وفي مكان آخر يقول عَلَيهِ السَلام في تفسير حديث الضلع الأعوج الذي يستغله المشايخ وأعداء الإسلام على حد سواء ما يلي:

يفسر الناس قول الله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ (النساء 2) أن حواء خُلقت من ضلع آدم، وهو ما يعتَرض عليه، في حين أنه تفسير خاطئ. لم يقل القرآن الكريم أن حواء خلقَت من ضلع آدم بل معنى الآية أن حواء خلقت من ِجنس آدم، بمعنى أن المرأة أيضا خُلِقَت بالقوى والمشاعر نفسها التي خلق بها آدم. لأنه لو لم يكن الرجل والمرأة متجانسين في مشاعرهما لما نشأ بينهما الحب والمودة الحقيقية. بل لو أودع الرجل قوة الشهوة ولم تكن في المرأة، لتعاركا دوماً ولمَا اتفقا على أمر واحد. فلقد أودع الله تعالى المرأة مشاعر مماثلة ومتجانسة لما أعطاها الرجل ليعيشا حياة ملؤها المحبة والمودة. لاحظوا كيف يبعث هذا الأمر على المحبة والتوافق والانسجام بين الرجل والمرأة، فلو غضب رجل على زوجه يُنصح بأن للمرأة مشاعر مماثلة لمشاعرك، فكما لا تحب أن تجرَح مشاعرك كذلك هي أيضا تريد ألا تجرح مشاعرها، فينبغي أن تحترم مشاعرها أيضا.” (إنجازات المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام الصفحة 76)

وهكذا علّمنا المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام معنى الحديث الذي يقول بأن المرأة خُلقت من ضلع أعوج:

اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ“.

فتعلّمنا من المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أن الحديث الشّريف هو عبارة عن حثّ على مراعاة مشاعر المرأة حيث أن خلقها من ضلع أعوج هو إشارة إلى حساسيتها وطبيعتها الرقيقة، إذ إن الضلع الأعوج إذا ما حاول أحدٌ تقويمه بالقوة فسينكسر، والمرأة كذلك لا يجوز معاملتها بالقوة، وبالتالي لا بد أن تُعامَل بلطف في كل الأحوال. إذن الخَلْق هنا هو خلق معنوي كقوله تعالى ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ وهو ما يؤكده الحديث في صحيح البخاري:

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمَرْأَةُ كَالضِّلَعِ إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا وَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ.” (صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب المداراة مع النساء 4889)

فقد ورد التشبيه واضحاً بأداة ” كـ ” في قوله (كَالضِّلَعِ) الذي يعني “مِثْل”، بالاضافة إلى الباب الذي أدرج البخاري تحته هذا الحديث وهو “باب المداراة مع النساء” !

وهكذا وببضعة أسطر يُحطّم المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام إحدى دعائم الصليب والتي أُلصِقَت ظلماً بالإسلام.

وَآخِرُ دَعْوَانْا أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

About الأستاذ فراس علي عبد الواحد

View all posts by الأستاذ فراس علي عبد الواحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *