المظاهر الإعجازية في لغة المسيح الموعود عليه السلام العربية … 249

فنون التذكير والتأنيث الإعجازية ..21

الانتقال من الحمل على اللفظ إلى الحمل على المعنى وبالعكس

الاعتراض:

يدّعي المعارضون وقوع الخطأ في الفقرات التالية من كلام المسيح الموعود عليه السلام، نعرضها هنا مع تصحيحاتهم المزعومة.

 

1: وخلاصته أنّا لا نجد في القرآن شيئا في هذا الباب من غير خبر وفاته الذي نجدها في مقامات كثيرة من الفرقان الحميد (نور الحق، ص 40). الصحيح: نجده. والخطأ بسبب كلمة مقامات.

2:  فكان السرّ في هذه الأعمال … وانعقاد أسباب الشر الذي هي مخفية عن أعين الناس (نور الحق، ص 165). الصحيح: التي هي مخفية ، أو الذي هو مخفي.

3: ومسحت على رأسه مِن عطرها التي كان قد كُسِب من الحرام (ترغيب المؤمنين، باقة، ص 163). التصحيح: الذي.

4:  ويدفعوا بالحسنة سيئاتِهم الذي نشأت من أهوائهم (نجم الهدى، ص 40). الصحيح: التي.

 

وموضع الخطأ كما يظهر من تصحيحات المعارضين، وفيما أشرنا إليه بالخط العريض فيما تحته خط، يكمن في مسألة التذكير والتأنيث. ومردّ هذه الأخطاء وفق زعمهم، هي العجمة والتأثر باللغة اللأردية.

 

 

الرد:

كنّا قد وجّهنا الكثير من الأخطاء المزعزمة في مسألة التذكير والتأنيث على “الحمل على المعنى في اللغة العربية”، وذلك في سلسلة مقالات عديدة يمكن الرجوع إليها. وعمدة ما ذهبنا إليه هناك، أن الكثير مما قد يُخيل للمعارضين بأنه أخطاء في التذكير والتأنيث، مرده إلى حمل اللفظ على لفظ آخر مشابه له في المعنى، ومختلف معه في التذكير والتأنيث.

ومما لا بد أن نضيفه إلى كل ذلك في هذا البحث، وهو ما له صلة بالفقرات الأربع المذكورة أعلاه، أن الحمل على المعنى في اللغة، له وجوه مختلفة لا تقتصر على حمل اللفظ مرة واحدة على المعنى في نفس السياق؛ بل له وجوه وأساليب مختلفة فصّل فيها الدكتور علي عبد الله العنبكي، في كتابه “الحمل على المعنى في العربية”، ننقل إليكم منه مختصر ما جاء فيه بالتبسيط التالي:

 

1: الحمل على المعنى ابتداءً: وهو ما لا يتبعه حمل على اللفظ. كقوله تعالى: { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} (يونس 43) حيث حمل (مَن) على الجمع رغم أن لفظه مفرد ولا بد أن يقول: من يستمعُ. فبدأ مباشرة بعد الاسم الموصول بحمله على المعنى. أو كقراءة التاء في قوله تعالى: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْن} (الأحزاب 31) حيث قرئت: { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ تأتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْن} (الأحزاب 31) حيث حمل (من) مباشرة على التأنيث رغم أن لفظها مذكر، وبقي على التأنيث في باقي الآية وقال (لها).

2: الحمل على المعنى ثم اللفظ: أي الانتقال من المعنى إلى اللفظ في نفس الجملة أو السياق. كقراءة قوله تعالى: { وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} (الأحزاب 32) حيث قرئت: { وَمَنْ تقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَيعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ} (الأحزاب 32) حيث حمل (من) مباشرة على معنى المؤنث ( تقنت) رغم كونه مذكرا، ثم عاد إلى اللفظ المذكر وقال (يعمل).

أو كما في قراءة قوله تعالى: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} (الحشر 6) حيث قرئت: {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمًا عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} (الحشر 6) حيث حمل الاسم الموصول (ما) على معنى التأنيث في (تركتموها) مع أن اللفظ مذكر، ثم عاد إلى اللفظ المذكر مباشرة وقال (قائما).

وعن هذا النوع من الحمل على المعنى جاء:

“الحمل على المعنى ثم اللفظ جائز عند كثير من النحويين. قال أبو حيان:(وأما كلام العرب فجاء فيه الحمل على اللفظ أولا ثم على المعنى وهو الأكثر، وجاء الحمل على المعنى أولا ثم اللفظ)) وقال السيوطي :(( ويجوز البداءة بالمعنى كقولك: من قامت وقعد)). وقال أبو البقاء الكفوي: (( والحمل أولا على المعنى ثم اللفظ غير ممنوع، وله نظير من القرآن، وإن كان الكثير العكس)).

وأجازه الكوفيون بشرط وجود الفاصل عند اجتماع الحملين وتقدُم الحمل على المعنى على الحمل على اللفظ، كقولنا: من يقومون في غير شيء وينظر في أمورنا قومُك. ولا يجوزون: من يقومون وينظر في أمورنا قومك. ولم يشترط البصريون ذلك.  أما في حالة تقدم الحمل على اللفظ على الحمل على المعنى، فلا يشترط الكوفيون وجود الفاصل. وقد ذكروا أن السماع لم يرد إلا بالفصل، كما ذهب الكوفيون إلى ذلك. ” [ الحمل على المعنى في العربية 105-106]

ويفصّل الكاتب في مسألة اشتراط الكوفيين وجود الفاصل، بأن هذا الشرط سارٍ إذا وقع الحملان في جملتين منفصلتين وليس في نفس الجملة، فيقول: “أما الذي منعه الكوفيون فهو اجتماع حملين في جملتين وتقدُم الحمل على المعنى على الحمل على اللفظ بغير فاصل” [ الحمل على المعنى 113]

 

3: الحمل على اللفظ ثم المعنى: وفيه جاء:

” يجوز الحمل على اللفظ وعلى المعنى في كل ماله لفظ يخالف معناه كالاسماء الموصولة وبعض ألفاظ التوكيد وأسماء الجموع والجنس وجمع التكسير وغير ذلك. وإذا اجتمع الحملان بُدئ بالحمل على اللفظ ثم على المعنى، وهذا هو الكثير في كلام العرب والمتفق عليه بين النحويين، فلم يختلفوا فيه كما اختلفوا في غيره. وقد ورد في القرآن كثيرا إذ بلغت مواضعه اثنين وعشرين ومئة موضع” [ الحمل على المعنى في العربية ص 111]

4: الحمل على اللفظ ثم على المعنى ثم على اللفظ :

كما في الآية الكريمة: { وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا} (الطَّلَاق 12) أفرد على اللفظ، ثم جمع على المعنى، ثم أفرد على اللفظ.

5: الحمل على اللفظ ثم على المعنى ثم على اللفظ ثم على المعنى:

كما قوله تعالى : { قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا} (المائدة 61) أفردَ على اللفظ فجمعَ على المعنى فأفردَ على اللفظ فجمعَ على المعنى.

 

فهذه هي أهم أنواع الحمل على المعنى والانتقال فيها من اللفظ إلى المعنى و بالعكس. ولا بد من الإشارة إلى أن معظم هذه الأساليب، هي محل اختلاف بين النحاة وتضارب واضح في آرائهم، والتي منها ما يجوّز هذه الأساليب ومنها ما يمنعه أو يستقبحه. وللاستزادة في هذا الموضوع من الممكن الرجوع إلى كتاب ” الحمل على المعنى في العربية للدكتور علي عبد الله العنبكي الفصل الثاني ص 91.

 

ورغم أن معظم الأمثلة التي مثّل لها الكاتب في هذا الموضوع، هي في الاسماء الموصولة (من) و(ما)؛ إلا أن هذا الدمج بين الحمل على المعنى واللفظ لا يقتصر جوازه على الاسماء الموصولة، بل يطال كل لفظ له معنى يخالف لفظه. وفي هذا يقول الدكتور علي عبد الله العنبكي:

” جواز الحمل على اللفظ وعلى المعنى في ما له لفظ ومعنى:

ذكر ابن عصفور قاعدة الحمل على اللفظ وعلى المعنى وهي تنص على أنه: يجوز الحمل على اللفظ وعلى المعنى في كل شيء له لفظ ومعنى، موصولا كان أو غير موصول، وذلك أن هذه الأشياء لها لفظ ومعنى يخالف هذا اللفظ، فيجوز الحمل على اللفظ أو على المعنى الذي يقصده المتكلم. ففي الموصولات المشتركة (من، ما، أي، أل، ذو، ذا) يجوز الحمل على اللفظ وهو الإفراد والتذكير، وعلى المعنى المقصود من حيث التثنية والجمع والتذكير والتانيث. …

ومن غير الأسماء الموصولة (كلا- وكلتا) اللذان لفظهما مفرد ومعناها مثنى، و (كل) و (كم) و (كأين) وهذه مفردة اللفظ مجموعة المعنى. ويدخل في هذا المضمار الكثير من أسماء الجمع وأسماء الجنس وكل ما له معنى يخالف لفظه. “ [ الحمل على المعنى في العربية 96-97]

ومما يتعلق بهذا الانتقال من المعنى إلى اللفظ وبالعكس، هو مسألة مطابقة الضمير لمرجعه، وقد ذكر النحو الوافي إمكانية اختلاف الضمائر المتعددة العائدة لنفس المرجع؛ حملا لها على المعنى أو اللفظ، إلا أنه اقتصرها على الألفاظ التي تصلح للمذكر والمؤنث؛ مثل كلمة (الروح) ولم يذكرها في باقي المواضع من الحمل على المعنى. فقال:

“إذا كان المرجع لفظًا صالحًا للمذكر والمؤنث -مثل كلمة: “الروح” جاز عود الضمير عليه مذكرًا أو مؤنثًا، فنقول: الروح هي من الأسرار الإلهية لم تعرف حقيقتها حتى اليوم … أو هو من الأسرار الإلهية لم يعرف حقيقته حتى اليوم، وإذا عاد على ذلك اللفظ الصالح للأمرين ضميران جاز أن يكون أحدهما للتذكير والآخر للتأنيث، نحو: الروح هي من الأسرار التي لم يعرف حقيقته.” [ النحو الوافي (1/ 269)]

وليس من العجيب أن لا يذكر عباس حسن هذه الإمكانية في الأساليب الأخرى المتعلقة بالحمل على المعنى، إذ إنه ليس من المتلهفين لمثل هذه الأساليب، وفق ما صرح به في هامش حديثه عن المؤنث التأويلي. (ينظر : [النحو الوافي (4/ 589)]). غير أننا نرى بأن اختلاف الضمائر العائدة لنفس المرجع اختلافها في التذكير والتأنيث أمر يطال كل أساليب الحمل على المعنى وليس مقصورا على بعض الألفاظ، وهذا ما يُفهم من كتاب الحمل على المعنى بشكل عام كما أوضحناه أعلاه. وهذا ما يفهم من أقوال ابن جني عن هذا الباب، وكذا ما يفهم من عباس حسن نفسه حيث قال:

” المؤنث التأويلي: وهو ما كانت صيغته مذكرة في أصلها اللغوي، ولكن يراد -لسبب بلاغي- تأويلها بكلمة مؤنثة تؤدي معناها؛ فقد كان العرب يقولون: “أتتني كتاب أسرُّ بها … ، يريدون: رسالة” -“خذ الكتاب واقرأ ما فيها. يريدون: الأوراق”. وكذلك: “الحرف في مثل قولهم: هذه الحرف: نعت؛ يريدون به: الكلمة” … وأمثال هذا كثير في كلامهم …

وحكم هذا النوع: أنه يصح مراعاة صيغته اللفظية، من ناحة عدم تأنيث فعلها المسندة إليه، وكذلك مراعاة تذكيرها اللفظي عند نعتها، والإشارة إليها … و … كما يصح مراعاة معناها الذي تؤول به بشرط قيام قرينة جلية تمنع اللبس؛ نحو: “امتلأت الكتاب بالسطور؛ تريد: الورقة التي في يدك، مثلا” “هذه الكتاب نافعة، تريد: هذه الورقة” … ولكن من الخير الاقتصار على مراعاة صيغة اللفظ؛ قدر الاستطاعة منعا للالتباس، فإن هذا المنع غرض من أهم الأغراض اللغوية، يجب الحرص عليه هنا، وفي كل موضع آخر”  [النحو الوافي (4/588 -589)]

وفي الهامش يوضح عدم تأييده لفتح المجال على مصراعيه في المؤنث التأويلي ويقول:

“وإلا صارت اللغة فوضى، مضطربة الدلالات، غامضة المعاني والمرامي. ومما يساعد على إيجاد هذه العيوب فتح باب “التأنيث التأويلي” بغير قيد، وإباحته إباحة مطلقة، مع علمنا أن كل لفظ مذكر لا يكاد يعدم ضدا له مؤنثا على التأويل. فلو استبحنا استعمال المؤنث التأويلي استباحة عامة لكان من ورائها فساد لغوي كبير. لكن لا مانع منها إذا اشتهر اللفظ المذكر في عصره وشاع المراد منه شيوعا لا خفاء فيه، ولا لبس معه، كالذي يجري في أيامنا من تسمية بعض الصحف، المجلات بأسماء مذكرة؛ مثل: الهلال، والعربي، والمنبر … من أسماء المجلات الأدبية، ومثل: المقطم، والمساء، والبلاغ … من أسماء الصحف اليومية؛ فينطبق عليها الأمران السالفان، فيقال: ظهر الهلال، أو ظهرت الهلال. وكذا الباقي حيث يلاحظ التذكير أو التأنيث في كل.

ولعل هذا الرأي أنسب وأنفع من الآراء القديمة الأخرى، التي منها الحكم المطلق بالخطأ على تذكير المؤنث -كما يفهم من “الموشح” ص279 منسوبا للكسائي زعيم الكوفيين- ومنها رأي ابن جني في كتابه “الخصائص” -ج2 ص415- حيث يقول: “تذكير المؤنث واسع جدا … ” وحيث يفهم من بحثه أن تأنيث المذكر قليل.. ” [النحو الوافي (4/ 589)]

فعباس حسن ليس من المتلهفين لمثل هذه الأساليب من الحمل على المعنى خوفا من اضطراب اللغة، وهذا رأيه الذي لا يستطيع أن يقيّد به فحول اللغة المتمكنين منها. وما يهمنا في اعترافه هذا قوله بأنه ما من لفظ مذكر إلا وله نظير من المؤنث ليؤول عليه، وان الحمل على المعنى في كلام العرب كثير؛ وبهذا فهو يعترف أن أساليب الحمل على المعنى ليست مقصورة على الأسماء الموصولة أو مجموعة معينة من الألفاظ بل يكاد يطال كل لفظ.

ثم من الأمور التي تهمنا هنا هو أن تأنيث اللفظ حملا على المعنى سارٍ على الفعل المسند لهذا اللفظ، وعلى نعته وحاله وخبره والإشارة إليه وغيرها مما يتعلق به.

 

ومن كل هذا النقل نخلص إلى الأمور التالية:

 

1: يجوز الحمل على المعنى في كل ما له معنى مختلف عن لفظه سواء كان اسما موصولا أو أي لفظ آخر.

2: يجوز البدء بالحمل على اللفظ والانتقال منه إلى الحمل على المعنى، والعكس أيضا.

3: هذا الجواز لا يُشترط فيه الفصل بين الحملين إذا وقع الحملان في نفس الجملة، أما إذا وقعا في جملتين منفصلتين فالكوفيون يشترطون وجود فاصل بين الجملتين ولا يشترط ذلك البصريون.

وبناء على كل هذا تتوجه الفقرات المعترض عليها والمذكورة أعلاه، حيث نرجح توجيهها بالحمل على المعنى ثم الانتقال منه إلى الحمل على اللفظ، أو قد تتوجه بالحمل على اللفظ ثم الانتقال منه إلى الحمل على المعنى؛ وفق التفصيل التالي:

1: وخلاصته أنّا لا نجد في القرآن شيئا في هذا الباب من غير خبر وفاته الذي نجدها في مقامات كثيرة من الفرقان الحميد .

ذكّر الوفاة حملا على معنى الموت، أو لإضافتها للضمير الهاء؛ فقال (الذي). ثم عاد إلى اللفظ بالمؤنث في (نجدها).

أو : حمل (الخبر) على اللفظ تذكيرا فقال (الذي)، ثم حمله بالتأنيث على معنى (البشارة) أو (المسألة) أو لإضافته لكلمة (وفاة).

 

2:  فكان السرّ في هذه الأعمال … وانعقاد أسباب الشر الذي هي مخفية عن أعين الناس.

حمل (الأسباب) على معنى (الجمع) فقال الذي بالتذكير، أي : جمعُ أسباب الشر، كما هو عادة في الجموع؛ ثم عاد على لفظها المؤنث فقال (هي مخفية).

أو: حمل (الانعقاد) على اللفظ فقال (الذي)، ثم أنثها لإضافتها لكلمة (أسباب) المؤنثة.

 

3: ومسحت على رأسه مِن عطرها التي كان قد كُسِب من الحرام.

أنّث العطر حملا على معنى الرائحة فقال (التي) أو أنثها لإضافتها إلى ضمير الهاء، ثم عاد عليها حملا على اللفظ بالتذكير فقال (كان).

 

4:  ويدفعوا بالحسنة سيئاتِهم الذي نشأت من أهوائهم (نجم الهدى، ص 40). الصحيح: التي.

ذكّر (سيئات) حملا على معنى الإثم أو على معنى الجمع أو لإضافتها إلى ضمير المذكر (هم)؛ فقال (الذي). ثم حملها على اللفظ المؤنث في (نشأت).

 

فهذه هي التوجيهات التي نراها حملا على المعنى ثم اللفظ للفقرات المذكورة أعلاه. وقد تنشأ بعض التساؤلات في هذه المسألة متعلقة بعدم وقوع التطابق بين الاسم الموصول وصلته أو العائد عليه، وهنا نقول أن كل هذا وارد في أساليب الحمل على المعنى، وقد أجاز الكوفيون عدم التطابق بين الموصول وصلته والمبتدأ وخبره في مثل هذه الأساليب كالقول : مَن هو حمراء جاريتك / ومَن هو أحمر جاريتك ؛ فلا إشكال في عدم تطابقهما خاصة في الحمل على المعنى.   (ينظر : الحمل على المعنى في العربية، ص 103-104)

 

وبهذا يثبت صحة كلام المسيح الموعود عليه السلام.

ولا بد من التنويه بالنسبة لهذه الفقرات  أنه ليس من المعقول بل من المستحيل أن يكون التذكير أو التأنيث نابعا من العجمة، وذلك لأننا نرى نهج المسيح الموعود واضحا بجلاء فإنه أولا يذكر ويؤنث حملا على المعنى أو وفقا لاكتساب المضاف ذلك من المضاف إليه، ثم بعدها يعود إلى التذكير والتأنيث وفقا للّفظ الأصلي. وهذا إن دلّ على شيئ فإنما يدل على أنه نهج وقاعدة يعتمدها ويتعمدها المسيح الموعود عليه السلام عمدا. ولو كان تذكيره وتأنيثه بسبب العجمة لما عاد إلى التأنيث والتذكير الحقيقي وفق اللفظ في كل جملة من هذه الجمل بل لاستمر بما علِق في ذهنه من عجمة.