آدم الحلقة الأولى من سلسلة الخلق الانساني

إن آدم عليه السلام هو الحلقة الأولى من سلسلة النظام الانساني، بدأ الله به نزول الوحي السماوي إلى الناس حسبما ورد في القرآن الكريم. وأود أن أكشف الغطاء عن أن آدم المذكور في هذه الآية لم يكن أبا البشر الذي بدأ به خلق الانسان، فالقرآن الكريم لا يصدق هذا الزعم، ولا يقول بأن الله تعالى خلق آدم دفعة واحدة، ثم خلق زوجه حواء من ضلعه، بل إن ذلك القول مأخوذ من التوراة وغيرها من الكتب، وعزوه إلى الإسلام افتراء عليه. جاء في التوراة: “وقال الله: نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا، فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ، وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ، وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ. فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَرًا وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ.. وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقًا، وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ.. وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: لَيْسَ جَيِّدًا أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ، فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِينًا نَظِيرَهُ.. فأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلهُ سُبَاتًا عَلَى آدَمَ فَنَامَ، فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلأَ مَكَانَهَا لَحْمًا. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. فَقَالَ آدَمُ: هذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ (سِفْرُ التَّكْوِينِ، 1 و2).

وتقول الكتب الهندوسية إن خلق الانسان تم بصورة زوجية، إما بانشطار الإله إلى شطرين عند البعض، أو بانقسام (براهما) عند الآخرين، ومنه انتشر النوع الانساني.

إن قصص خلق الانسان هذه جاءت بأسلوب المجاز، ويبدو أن الكتّاب المتأخرين ألحقوا بها زيادات هنا وهناك من عند أنفسهم فجاءت بهذه الصورة الأسطورية. ولكن هناك تشابها بين مختلف القصص الواردة في كتب الهندوسية، وتتفق في خطوطها العامة.

أما القرآن فقد اختار طريقا بديعا لكشف أسرار خلق هذا الكون وإزالة الستار عن حقائقه الغامضة يختلف عن سائر هذه الآراء. يتبين من تعاليم القرآن أن سنّة الارتقاء والتطور جارية في العالمين الروحاني والمادي دون مراء، وأن العالم المادي قد بلغ منتهى أوج كماله بعد تطورات ارتقائية طويلة، وكذلك وصل العالم الروحاني إلى قمة كماله بعد أن طوى مراحل الارتقاء الطويلة. ولكن القرآن الكريم لا يسلّم بأن الانسان كان آخر حلقة من سلسلة الارتقاء في الحيوانات المختلفة، وإنما يقول بأن التطور الانساني مستقل بنفسه ومنفصل عن غيره من التطورات، وأنه ليس مجرد مظهر صادف التطور الحيواني، ويتبين ذلك من قوله تعالى: (مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) (نوح: 14-19).

ما معنى كلمة أطوارا

أن خلق الانسان قطع أحوالا وحدودا ومراحل عديدة قبل أن يكتمل. أن خلق الانسان بدأ قبل خلق السماوات والأرض، وأن مراحله الأخيرة كانت من الأرض بعد ذلك؛ أي أن مراحل الخلق الانساني بدأت على صورة ما حينما كانت السماء والأرض مجرد دخان، ثم تطورت هذه الصورة فيما بعد إلى أن اكتملت صورة الانسان على الأرض بعد خلق السماوات والأرض.

أنه بعد أن تجمعت المادة الدخانية وتكونت منها السماوات والأرض، دخلت مرحلة جديدة في خلق الانسان، فبرز فيها وجوده من بطن الأرض إلى ظهرها كمثل النبات الضعيف الذي لا يتحرك ويستمد غذاءه من رطوبتها، ثم أخذ يتحول شيئا فشيئا إلى صورة وجود متحرك.

أن ما يجري على الانسان بعد موته لدليل على صدق ما يقرره القرآن بهذا الشأن. فالجسد يتحول إلى تراب، الأمر الذي يشهد على أن بدء الخلق كان من الطين. ثم يقول: إن موت الانسان وتحوله إلى التراب لا يعني أن جميع أجزائه تفنى وتفقد الحياة، بل يُبقي الله تعالى منه تلك الحالة المتطورة الدائمة بعد خلقه من الطين، والتي يعيدها إليه ببعثة أُخرى يحاسب فيها الانسان على أعماله.

ومجمل القول إن خلق الانسان بحسب تعليم القرآن، لم يكن دفعة واحدة ولا في وقت واحد، بل إنه تعالى أسس بنيان خلقه منذ بدأ خلق النظام الكوني، ثم أنبته من الأرض نباتا متطور النشوء في مختلف الأزمان، وأعطاه الصورة الانسانية، ووهب له العقل والشعور.

ويذكر القرآن أن للإنسان حالة أُخرى سابقة لتلك، وهي التي لم يوجد فيها حتى ولا جرثومته البدائية أو ذراته الأولى. فيقول: (أَوَلاَ يَذْكُرُ الإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا) (مريم: 68). وفي هذه الآية يقرر أن الله تعالى مؤلِّف مادة الخلق الانساني بعد أن خلقها من عدم.

آيات القرآن الكريم تتناول موضوع الخلق مشيرة إلى مراحله المتعددة، مثلا:

  •  (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ) (فاطر: 12).
  • (الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ) (السجدة: 8).
  • (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا) (الفرقان: 55).
  • (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ) (الأنبياء: 31).
  • (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) (السجدة: 9).

ويتبين من هذه الآيات أن المرحلة الأولى لخلق الانسان كانت دور نشأته من الطين، ثم لما تطورت نشأته بهذا الطريق أخذت ذريته تتناسل من ماء مهين: (مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى )(القيامة: 38).

ويتضح أيضًا أن دور نشوء الانسان من الطين يختلف عن دور تناسله من الماء المهين. ثم إن القرآن فيما تحكيه آياته يبين لنا أن خلق الانسان لم يكن بنشأة متطورة من الحيوانات الأخرى، بل إن الجرثومة الانسانية منذ بدء الخلق كانت مستقلة بذاتها، مختصة لتكون بصورة الانسان، فالله تعالى يقول في الآية إن ذرية الانسان أخذت في التناسل بعد أن صار الانسان بشرا سويا، ولكن التسليم بنظرية (دارون) يستلزم الإقرار بأن الانسان كان يتناسل عن طريق الحيوانات حتى قبل أن يبلغ مبلغ البشرية. وهناك آية أخرى تدلنا على كيفية الانسان قبل أن يكون بشرا: قال تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) (الإِنْسان: 2)، أي أن الانسان في هذا الدور من حياته لم يكن قد نشأت فيه القدرة الفكرية، ولم يكن عندئذ كائنا ناطقا عاقلا، وإنما كان كائنا منطويا على قوة كامنة للتقدم والتطور. ثم تقول الآية التالية لها: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ) (الإِنْسان: 3). وفي هذا إشارة إلى أن تناسل الانسان بطريق النطفة بدأ بعد أن ظهر بصورة الكائن الحي، وكانت نطفته هذه أمشاجا، أي خليطا من القوى المتنوعة التي تميز النطفة الانسانية عن نطفة سائر الحيوانات. ونطف الحيوانات الأخرى ليست بأمشاج، أي أنها ليست خليطا من قوى مختلفة، لذلك فليست الحيوانات قادرة على اختيار طرق مختلفة. ولكن البشر الذين خُلقوا من نطفة أمشاج فهم مختلفون في أمزجتهم، وقادرون على الاختلاف في اختيار الطرق. أما القِرد فيتمتع اليوم أيضا بالقوى نفسها التي كان يتمتع بها قبل آلاف السنين، وكذلك الأسد وسائر الحيوانات الأخرى. ولكن ذرية الانسان المخلوق من “نطفة أمشاج” اختلفوا عن آبائهم في أفعالهم وقواهم، فأصبحوا قادرين على التقدم المستمر في العلوم والفنون. وكأن في كلمة “نطفة أمشاج” إشارة إلى كون الانسان حيوانا ناطقا. وتكتمل الآية بقوله: (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (الإِنْسان: 3). وهاتان الصفتان تدلان على المبالغة والكمال، وهما ميزتان تختصان بالانسان دون سائر الحيوانات. الحيوان يسمع ولكنه ليس سميعا، لأنه لا يعقل أو يفكر فيما يسمع. وهو يبصر، ولكنه ليس بصيرا، لأنه لا يتفكر فيما يرى ولا يعمل عقله فيه. وهكذا فإن آدم كان أول مظهر لتلك القوى المودعة في النطفة الأمشاج التي تجلت في الصفتين: السميع والبصير. ولا يراد بالآيات السابقة النفي المطلق لوجود البشر قبل آدم، بل إنها تدل على أن الجنس البشري كان موجودا قبله، ولكن لم يتصف أحد منهم بهاتين الصفتين غير آدم ؏ لأن قواهم لم تتطور إلى حد يؤهلهم لسماع كلام الله تعالى والنظر في آياته ومظاهر قدرته، فلذلك لم ينزل عليهم عندئذ الوحي السماوي، ولم يظهر الله لهم آياته الخاصة بالشريعة. ولما ترقى الانسان وتقدم في نشأته حتى صار (سميعا بصيرا)؛ اصطفاه الله لكلامه، وشرفه بوحيه. وقد ورد في القرآن الكريم ما يوضح المراد بهاتين الصفتين من أنهما تدلان على النظر الفكري والفهم لآيات الله وتدبرها؛ قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ) (هود: 24-25).

مما سبق من الآيات يتبين أن خلق البشر، كما يقدمه القرآن الكريم، لم يكن دفعة واحدة، ولم يبدأ بخلق آدم ؏ بل إن آدم كان أول مظهر لحالة الكمال البشري التي استحق بها أن يدعى إنسانًا حقيقيا جديرا بحمل الشريعة. وبذلك جاز أن يكون آدم أبا البشر من الناحية الروحية، لأنه المبتدأ للعالم الروحاني، وكان أول إنسان تشرف بالوحي الإلهي، ولكنه ليس بالمحتم أن يكون أبا للبشر من الناحية الجسمانية، بل من الممكن أن يوجد عندئذ بعض بني نوع الانسان من نسل أُناس آخرين من البشر، منهم من آمن بآدم ومنهم من لم يؤمن به في حياته، ولكنهم ما زالوا يدخلون في نطاق المطالبين بالإيمان به. وإذا تأملنا بعض آيات القرآن التي تتناول خلق آدم لتبين لنا أن النوع الانساني لم يبدأ به، وأن كثيرين من البشر كانوا موجودين في عصره.

فخلق الانسان لا يشير إلى خلق آدم بذاته كما زعم بعض الناس، وإنما المراد به خلق البشر البدائي.

ترتيب خلق الانسان كما يلي:

  • خلق الانسان أولا من طين.
  • ثم استمرار نسله بالنطفة المنوية.
  • ثم تمام اكتمال القوى الانسانية فيه.
  • ثم بعد ذلك نزول الوحي الإلهي عليه.

المقالة التالية: من هو آدم؟

3 Comments on “بداية خلق الانسان في القرآن”

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    نحمده ونصلي على رسوله الكريم وعلى عبده المسيح الموعود
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين
    اخوكم في الله من الجزائر, وجودكم بهذه الصورة وهذه الطلة يثلج الصدر ويبهج القلب
    شكرا على هذا الوقت , جزاكم الله تعالى أحسن الجزاء وفقكم الله الى ما يحب ويرضى.
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    1. كفاكم تخاريف بلا خطب جمعة وهرتقة وسخافات..ما أنزل الله بها من سلطان هل تخادعون الله ام خلقه.يا من تدعي الجمعة والخطب ،هات خطبة واحدة من خطب الرسول.واحدة فقط ، وخطبة لكل خليفة،؟وأن لم تفعل فإنك كاذب منافق مدعي الويل كل يوم القيامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *