المقالة السابقة: بداية خلق الإنسان في القرآن الكريم


فآدم الذي تشرّف بكلام الله تعالى كان من ذريّة الناس الذين خُلقوا من النطفة، وليس من  الذين تطوروا من خلق الطين كحلقة أُولى للبشرية. وثمة آيات أُخرى تدل على أن آدم ؏ لم يكن أول إنسان ظهر في الوجود، بل كان في عصره كثير من الناس غيره. ففي سورتنا يقول الله تعالى: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (البقرة: 36). ويصح من الناحية اللغوية أن يكون المراد بالزوج الأصحاب والجماعة، وبمعنى ذلك أن بني نوعه أيضا كانوا موجودين من قبله. ثم قال عز وجل بعد هذه الآية: (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) (البقرة: 37) وهنا الخطاب للجماعة، وبعدها قال: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 39). وقال أيضا: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى) (طه: 124). وخطاب آدم هنا يراد به جماعة آدم وجماعة الشيطان، وهما الجمع.

وأذكر في هذه المناسبة حوارا جرى بين مؤسس الجماعة الأحمدية وبين مُنجّم أسترالي حول مسألة خلق آدم. وقد زار هذه المنجّم عدة مدن في الهند والتقى معه في لاهور حيث دار بينهما هذا الحوار:

سؤال: ورد في التوراة أن آدم أو الإنسان الأول ظهر في أرض جيحون وسيحون، وقطن هناك، فهل هؤلاء المقيمون في أميركا وأستراليا وغيرها هم أيضا من أبنائه؟

جواب: لسنا نقول بذلك، ولا نتبع التوراة في هذه القضية فنقول بما تدعيه من أن الدنيا بدأت بخلق آدم منذ ستة أو سبعة آلاف عام، ولم يكن قبل ذلك شيء، فكأن الله عز وجل كان متعطلا. كما أننا لا ندعي أن بني نوع الإنسان الذي يقطنون اليوم في مختلف أنحاء الأرض هم أولاد آدم هذا الأخير، بل إننا نعتقد بأن بني الإنسان كانوا موجودين قبله كما يتبين من كلمات القرآن الحكيم (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ) (البقرة: 31). فلا يمكن لنا الجزم بأن سكان أستراليا وأميركا من أولاد آدم هذا، ومن الجائز أن يكون بعض الأوادم الآخرين. وأشير بهذا الصدد إلى كشف عجيب رآه الشيخ محي الدين بن عربي، وهو شخصية إسلامية بارزة، فقد قال: “أراني الحق تعالى فيما يراه النائم.. وأنا أطوف بالكعبة مع قوم من الناس لا أعرفهم بوجوههم، فأنشدونا بيتين نسيت أحدهما وأذكر الثاني وهو:

         لقد طفنا كما طفتم سنينا              بهذا البيت طرًا أجمعينا

فتعجبت من ذلك. وتسمى لي أحدهم باسم لا أذكره، ثم قال لي: أنا من أجدادك. قلت: كم لك منذ مت؟ فقال: لي بضع وأربعون ألف سنة. فقلت له: فما لآدم هذا القدر من السنين؟! فقال لي: عن أي آدم تقول، عن هذا الأقرب إليك عن غيره؟ فتذكرت حديثا لرسول الله ﷺ أن الله خلق مائة ألف آدم، وقلت: قد يكون ذلك الجد الذي نسبني إليه من أُولئك”. (كتاب الفتوحات المكية،ج3، الفصل الخامس في المنازلات، باب 309).

يفهم من هذا الكشف أن آدم الموحى إليه، والذي ينتسب إليه بنو آدم اليوم، لم يكن آدم الأول، بل إنه آخر الآوادم. وكذلك يظهر منه أن كلمة “آدم” قد تستعمل كصفة أيضا بمعنى الجد الأكبر، وأن الوجود البشري ما زال مستمرا منذ أقدم العصور، وأن الدور المذكور في الأحاديث النبوية الشريفة، والمحدد بسبعة آلاف سنة، إنما أريد به دور آدم الأخير فقط وليس أدوار البشرية جمعاء.

ورب سائل يقول: إذا كان الجيل البشري موجودا قبل آدم المذكور، وأنه تتابعت ولادته عن نطفة، فلماذا إذن يقول القرآن الحكيم بأن الخلق من زوجين؟ ولماذا قيل في الحديث النبوي أن المرأة قد خلقت من ضلع أعوج؟

والجواب على ذلك أن الآيات المتضمنة لهذا الموضوع لا تذكر آدم بتاتا، بل إنها تصرح بأن الله تعالى خلق الإنسان من نفس واحدة وجعل منها زوجها فيقول: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) (النساء: 2).

1- (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ) (الأَعراف: 190).

2- (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) (الزمر: 7).

ولا يراد بالنفس الواحدة هنا البشر الأول أو آدم ؏ وإنما يراد بها أن الأفراد والآحاد تنشأ منهم الأمم الكبرى، وأن الأجيال إذا اقتفت آثار آبائهم صاروا مثلهم؛ إنْ كفارا فكفارا، وإن مؤمنين فمؤمنين.

أما قوله تعالى: (جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا) فيعني أنه تعالى خلق زوجها من نوعها ليكون الزوجان متجانسين يؤثر أحدهما في الآخر.

ولا ينخدعن أحد بحديث الرسول ﷺ: (استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خُلقت من ضلع) “صحيح مسلم كتاب الرضاعة، باب الوصية بالنساء”. فالحديث لا يختص بزوج آدم، بل يخص جميع نساء العالم، وهيئة ولادة النساء معلومة مشهودة، ولا يريد الحديث المعني الظاهري للضلع، بل إن المراد به: (فإنهن خلقن من ضلع استعارة للمعوج، أي خلقن خلقا فيه الاعوجاج) “كتاب مجمع بحار الأنوار، ج1، للشيخ محمد الطاهر”.

والخلاصة أن الآيات السابقة والحديث المذكور لا يدلان على أن آدم الذي جعله الله خليفة كان هو أول البشر، أو أن زوجته خلقت من جسمه، ولكن الآيات تتناول جميع بني الإنسان كقاعدة كلية شاملة لجميع هذا النوع رجالا كانوا أو نساء.

لقد اختلف المفسرون في تفسير قولـه تعالى: (مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (الحجر: 26)، أما المراد من الآية أن الله تعالى أخبر الملائكة أنني سأخلق بشرًا من تراب مصوِّت، أي من حمأ قد أُفرغَ على شكل معين؛ بمعنى أن الإنسان خُلق من ترابٍ ممزوجٍ بالماء، موضوعٍ في قالب معين، فارغٍ باطنُه، يُحدث صوتًا عند الضرب.

وقد أُشيرَ في هذه الجملة إلى عدة أمور هي:

الأول: أن الإنسان مخلوق من التراب.

والثاني: أنه قد رُكّب تركيبًا خاصًا بحيث إنه يشعُر في داخله بفراغ.

والثالث: أنه يُحدث الصوت عند الضرب، بمعنى أنه قادر على تلبية النداء الإلهي، مثل الإناء الأجوف الذي إذا ضُرب رجّع الصوت. ذلك أن الله تعالى حينما يضرب الإنسانَ أي يختبره فإنه لو كان صالحًا سليم الباطن يستجيب له ويلبّي نداءَه ﷻ. وهذا هو ما يميّز الإنسان عن سائر المخلوقات الأُخرى. أعني أن الإنسان صالح لقبول الاختبار الإلهي ولاستجابة ندائه.

أما الصورة التي خُلق عليها الإنسان في البداية والتي تشير إليها كلمة (حَمَإٍ مَسْنُون) فلم يحدّدها القرآن الكريم، ومن الممكن أن تكون تلك الصورة البدائية غيرَ مرئية كليةً بالعين المجردة. ومهما يكن من أمر فإن تلك الصورة الإنسانية الترابية الأولى كانت منذ البداية صلصالاً، بمعنى أنها كانت صالحة لأن يختبرها الله فتستجيب له ﷻ.

لقد اتضح من ذلك أن القرآن الكريم يسلّم بتطور الخَلق الإنساني، ولكنه تطورٌ مخطَّط مدروس منذ البداية، وليس تطورًا عشوائيًّا حدث صدفة.

يخبرنا القرآن أن خلق الإنسان تم بالتدريج مرحلةً فمرحلة، ولكنه لا يسلّم بأن الخلية الحياتية التي قدِّر لها أن تصبح إنسانًا كانت في أي وقت شيئًا غير إنسان، بل إنه يؤكد أن تلك الخلية، منذ أن خُلقت وبأية صورة خُلقت، كانت مزودة بقدرة على أن تصبح إنسانًا وأن تتلقى الإلهام. إنها في كل مراحل خلقها كانت متجهةً إلى غاية محددة مخططة، وليس كما تقول نظرية دارون أن بعض أجزائها لم تزل تتفرع عنها في حالتها الناقصة، بينما لم تزل بعض أجزائها الصالحة في التطور والتقدم منفصلة.

لقد فسّر المفسرون عمومًا كلمة “مسنون” بمعنى “مُنتِن”، بينما فسّرتُها بمعنى مصوَّر، ذلك لأن العلامّة أبا حيان قال في تفسيره: “وقال غيرُه إن “المسنون” مِن أَسَنَ الماءُ: إذا تغيَّرَ. ولا يصحّ لاختلاف المادتين” (البحر المحيط، تحت هذه الآية). فما دامت كلمة “السَّنّ” تعني أيضًا إقرار العمل، والتصوير، وتشحيذ الشيء وصقله، وعمل الفخّارِ، فيجب أن نقول إن المسنون بمعنى المتغير المنتن مجاز، وأن معناه الحقيقي هو الشيء المعمول على صورة معينة أو المركَّب تركيبًا يُحدث فيه الصوت.

هذه الآية تمثّل ردًّا على الذين يستغربون من ظاهرة الوحي الإلهي قائلين: كيف يمكن أن يكلّم الله البشرَ؟ فيردّ الله عليهم: ليس غريبًا أن يكلم الله ﷻ البشرَ، وإنما الغريب ألا يكلّمهم. ذلك أن الإنسان مجبول، منذ بداية خلقه، على تلقي الوحي من عند الله تعالى، وأنه ﷻ قد حدد غاية خلق الإنسان أن يصل إلى الكمال، فيتشرف بوحيه ﷻ. فلا تقولوا: كيف تلقى محمد ﷺ الوحي من الله تعالى، أو كيف يمكن أن يتشرف أتباعُه بالإلهام في المستقبل لحماية الوحي النازل عليه ﷺ، بل الحري أن تتعجبوا على حالتكم، لأنـكم -رغم كونكم مخلوقين من صلصال- لا تزالون محرومين من نعمة الوحي الإلهي، فيجب أن تهتموا بإصلاح أنفسكم.

قال الله تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ) (الحجر: 26)، وأما الآن فبدأ الحديث عن خلق آدم. فهل هذا الأسلوب محض صدفة، يا تُرى؟ إن دراسة القرآن الكريم تكشف لنا أنه كلما تناول موضوعَ خَلْق آدم تحدث قبله دائمًا عما هو ذو صلة بالحشر أو البعث بعد الموت.

وهذا يدل صراحةً على أن بين الموضوعين صلة وثيقة، وهي كالآتي:

أولاً: إن قضية حشر الأجساد والجزاء منوطةٌ تمامًا بخلق آدم. ذلك أنه لو لم يكن هناك كائن عاقل قادر حر في أعماله لما كانت هناك مِن إمكانية للحشر والثواب والعقاب. فالحيوانات مثلاً لا تعمل وفق أية شريعة، لأنها لا تملك عقلاً، وبالتالي لا تستحق أي ثواب أو عقاب، ومن ثم لا تحتاج إلى أي حشر حقيقي. كذلك الملائكة لا تستحق أي جزاء على أفعالها، لأنها لا تملك حرية ولا إرادة، وإنما جُبِلتْ على فعل الخير فحسب، كما صرّح الله بذلك قائلا: (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) (النحل: 51). أما الشيطان فهو أيضًا لا يستوجب العقاب، لأنه يؤدّي واجبه، شأنه شأن الأشياء الرديئة الأُخرى التي لا تستوجب العقاب لأنها رديئة في حد ذاتها. وأما الشياطين من الناس فلا جرم أنهم يستحقّون العقاب على أعمالهم، لأن الحشر لن يقوم إلا لحساب الإنسان- هذا الكائن الذي يملك الإرادة والحرية في أعماله. فثبت أن خلق الإنسان هو السبب لوقوع الحشر، ومن أجل ذلك كلما تحدث القرآن عن خلق آدم ذكَر قبله الحشر، وذلك تدليلاً على أن الخلق الإنساني يتطلب حشرًا، وأن الحشر يقتضي نزول شريعة، إذ لا منطق في أن يعاقَب أو يثاب أحد على عمله من دون أن تقام عليه الحجة.

وثانيًا: إن خلق الإنسان دليل على وجود الحشر وإليكم بعض الأدلة على ذلك:

  1. لقد اكتمل خلق الإنسان عبر عملية التطور من أدنى حالات الخلق. وهذا يشكل دليلاً على وجود دار الجزاء، إذ لو أن الإنسان خُلق على هذه الخِلقة الكاملة مرة واحدة لأمكن القول بأنه خُلق صدفة، شأنه شأن الأشياء الأُخرى التي أيضًا خُلقت بالصدفة نتيجة التغيرات الطبيعية. ولكن كون الإنسان قد تطورَ من أدنى حالات الخلق مرورًا بكثير من المراحل والتقلبات، ثم توقّفَ تطوره بعد اكتمال خلقه في الصورة الحالية ولم يصبح مخلوقًا آخر، كل هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن الخلق الإنساني تم بحسب تخطيط معين، وأن الإنسان هو الغاية من خلق الكون كله.
  2. هناك قوتان في الدنيا: قوة الخير وقوة الشر، والإنسان مزود بكلتيهما وقادر على التصرف بأيتهما شاء، مما يدل أنه خُلق ليحكم الدنيا؛ فلزم أن تكون نتيجة حياته أكثرَ من عمله، وهذا لا يتحقق إلا بوجود يوم الحشر والجزاء.
  3. الرقي المادي متوقف على اتباع السنن الطبيعية، لا على المُثل الأخلاقية والروحانية، ولكننا نجد أن الأخلاق النبيلة والأحوال الروحانية تشكّل الجزء الأكبر من كيان الإنسان؛ فلا يمكن إذًا أن يكون الرقي المادي هو الغاية التي يصبو إليها الإنسان، بل لا بد من مكان آخر ينال فيه الإنسان الجزاءَ على ما يقدّمه من تضحيات أخلاقية وروحانية.

أما قولـه تعالى (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (الحجر: 27). فبيّن فيه أن الإنسان مخلوق من الماء والتراب، لأن الحمأ يعني خليطًا من الماء والتراب. وقد ذكر الله ﷻ كل واحد من هذين العنصرين منفصلاً في أماكن أُخرى، فقال في موضع: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ) (الأنبياء: 31)، وقال في موضع آخر: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (آل عمران: 60).

وأما في سورة الحجر فقال: (مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) (الحجر: 27 أي خلقنا الإنسان من خليط الماء والتراب الذي أُفرغ في صورة معينة ليكون قادرًا على إحداث الصوت. فكلمة (صلصال) تشير صراحةً إلى قوة النطق التي يمتاز بها الإنسان عن سائر الحيوانات الأخرى، وكأنه قال: إن الكائنات الحية كلها مخلوقة من (حَمَإٍ مَسْنُون)، ولكن الإنسان تغلب عليه الصفة الصلصالية، ومن أجل ذلك نجد الحديث الشريف يسمّي الناسَ: (الحمير الصالّة)، وهي كلمة مشابهة للصلصال.

هذا، وإن كلمة (صلصال) تشير أيضًا إلى أن نطق الإنسان متوقف على إرادة الله ﷻ، لأن لفظ (صل) أو (صلصل) يدل على صوت يحدُث بالضرب. وهذه هي حقيقة الإنسان تمامًا، إذ لا يصدر عنه الصوت الذي هو مخلوق من أجله ما لم يضربه الله تعالى، بمعنى أنه تعالى يشرّفه بكلامه ﷻ بعد اختباره بإلقائه في المحن والمصائب.

وقولـه تعالى ( مِنْ حَمَإٍ مَسْنُون) لا يعني أن الإنسان خُلق من تراب لا حياة فيه. كلا، إنما المراد منه البيان أن المادة الحيوانية لا يمكن أن تتطور بدون الجسم، والجسم يتكون من التراب؛ وإنما استُخدم هذا التعبير ليعرف الإنسان كيف كانت بدايته.

علمًا أن ادعاء العلماء بأن المادة الحيوانية لا تتولد إلا من حيوان لزعمٌ يفتقر إلى البحث والتحقيق؛ ذلك أن دليلهم الوحيد هو مشاهدتهم الحالية؛ ولكن من البديهي أن هناك بونًا شاسعًا جدًّا بين الظروف السائدة الآن وبين ما كان عليه الكون لدى خلق هذه المادة الحيوانية الأُولى. ثم إن هؤلاء العلماء أنفسهم يعترفون بأن المادة الحيوانية الأولى نفسها لم تزل تتطور حتى أصبحت في وقت من الأوقات إنسانًا، بيد أن هذا لا يحدث الآن؛ مما يوضح أن هناك تفاوتًا كبيرًا جدًّا بين الظروف الحالية وبين ما كان عليه الكون عند بداية خلقه. كانت الأحوال آنذاك مواتيةً جدًّا لخلق الحياة بسرعة هائلة، ولكن الأمر ليس كذلك الآن. فمن المحتمل أن تكون الذرات الخالية من أي حياة تنقلب عندئذ إلى ذرات حية بسبب بعض التقلبات، ولكن الظروف لم تعد كذلك بعد أن اكتسبت الأرض الكمال.

إذًا فليس من العلم في شيء أن يقيس هؤلاء الظروفَ المتفاوتة المختلفة بمقياس واحد.

فالحق أن هذه الآية تشير فقط إلى تلك المرحلة من الخلق الإنساني التي تطورت فيها قواه الحيوانية وزُوِّد بالقوى الإنسانية التي ميّزته عن الحيوانات الأُخرى، وهي المرحلة الصلصالية للحمأ المسنون، التي زُوِّد فيها الإنسان بصلاحية تلقّي الوحي. أو أن الآية مجرد إشارة إلى تلك المرحلة من خلقه حين دبّت فيه الحياة.

ولو قيل: لماذا نسلّم بأن هذه الآية تشير إلى بداية المرحلة الإنسانية أو الحيوانية من الخلق البشري، ولماذا لا نقول إنما تعني أن الله تعالى بدأ خلق البشر بأن صنع تمثالاً من الطين ونفَخ فيه الروح، فصار إنسانًا؟ فالجواب أن القرآن الكريم نفسه ينفي كون هذه الآية تتحدث عن بداية الخلق الإنساني، والدليل على ذلك هو قول الله تعالى (وَمِنْ آياتِه أَنْ خَلَقَكم مِن تُرَاب ثم إِذا أنتم بَشَرٌ تَنتشِرُونَ) (الروم:21). فهناك تعارض في الظاهر بين هذه الآية وبين التي نقوم بتفسيرها، لأن هذه تذكر خلق الإنسان من تراب، بينما الآية التي نقوم بتفسيرها تعلن عن خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون. فثبت أن الله تعالى قد أشار بكلمة (تراب) في سورة الروم إلى المرحلة البدائية من الخلق الإنساني، بينما في سورة الحجر لم يذكر الله ﷻ المرحلة الأولى الترابية، وإنما اكتفى بذكر المرحلة التالية لها باستخدام كلمة (حمأ مسنون).

 هذا، ونجد في موضع آخر فرقًا أكبر حيث يقول الله تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكم مِن تُرابٍ ثم مِن نُطْفةٍ) (فاطر: 12)، فهنا حذَف ذكر الحلقة الثانية أي الصلصالية من الخلق الإنساني، مكتفيًا بذكر الحلقة الأولى الترابية، ومشيرًا إلى حلقة أُخرى وهي مرحلة النطفة.

كما نجد في مكان آخر ذكرًا مختلفًا عن ذلك أيضًا حيث يعلن الله ﷻ (هو الذي خَلَقَكم مِن تُراب ثم مِنْ نُطفةٍ ثم مِن عَلَقةٍ ثم يُخرِجُكم طِفلا) (غافر: 68). فبيّن أن الإنسان لم يُخلَق من النطفة فجأة، وإنما صار من النطفة علقةً، ثم طفلاً.

ولكن في موضع آخر أضاف الله ﷻ إلى الحلقات التالية للنطفة حلقة أخرى إذ قال (يا أيها الناس إِنْ كنتم في رَيب مِن البَعْثِ فإنّا خَلَقْناكم من تُراب ثم من نُطْفة ثم من عَلَقة ثم من مُضْغة مُخلَّقة وغيرِ مُخلَّقة) (الحج: 6) أي أن الإنسان لم يُخلَق من العَلَقة مباشرةً، بل تحوّلت العلقة إلى المضغة التي مرّت بمرحلتين أيضًا: المضغة الكاملة وغير الكاملة.

ثم في سورة المؤمنون ذكر الله ﷻ حلقاتٍ إضافية أخرى فقال (ولقد خَلَقْنا الإنسانَ من سُلالة من طين * ثم جَعَلْناه نُطْفةً في قَرارٍ مَكِين * ثم خلَقْنا النطفةَ عَلَقةً فخلَقْنا العَلَقةَ مُضْغةً فخَلَقْنا المضغةَ عِظامًا فكسَونا العِظامَ لَحْمًا ثم أَنشَأْناه خَلْقًا آخَرَ فتَبارَكَ اللهُ أحسنُ الخالقين) (الآيات: 13- 15).

فهنا ذكر ثلاث حلقات إضافية تكون بعد المضغة: خلقُ العظام، ثم تغطيتها باللحم، ثم خلقٌ آخر حيث تدبّ الحياة في هذه المواد غير الحية في الظاهر.

ندرك بالتدبر في هذه الآيات أن القرآن الكريم لا يذكر أحيانًا بعض الحلقات من الخلق الإنساني، مما يبطل ظن العامة أن الله صنَع تمثالاً من الطين، ونفخ فيه الروح، فصار إنسانًا. الحق أن القرآن الكريم يعلّمنا أن الخَلق الإنساني اكتمل مرورًا بمراحل مختلفة، وأن كلمة “التراب” لا تقصد إلا الإشارة إلى أن بداية الخلق الإنساني كان من التراب. وهذا أمر ثابت مؤكد، لأن الإنسان ما زال إلى اليوم يستمد غذاءه من التراب نفسه، وإنما يؤخذ غذاء أي شيء مما صُنع منه، وإلا لن يكون غذاءً مناسبًا له. فمثلاً إذا تآكل الحديد فلا يتم تلحيمه إلا بقطعة حديدية، لأن أي شيء آخر لن يقوم مقامه. فبما أن غذاء الإنسان إنما يتركب من عناصر التراب فلا شك أنه خُلق أيضًا من العناصر التي تركَّبَ منها التراب. والإنسان آخر حلقة متطورة من حلقات خلق هذا الكون، ولم يأت من الخارج.

والخلاصة:

  1. أن خلق آدم، كما أخبر القرآن الكريمن لم يتم دفعة واحدة، بل إن الجزئيات الدقيقة تطورت في نشوئها، ومرت بمراحل عديدة مختلفة إلى أن تحولت للصورة الإنسانية.
  2. أن مكونات الإنسان منذ بدايتها في أبسط صورها كانت مهيئة لتكون في النهاية ذلك الكائن البشري، وليس كما زعم الفلاسفة نتيجة تطور مصادف في الحيوانات المختلفة.
  3. أن الوجود البشري الأول لم يكن يتلقى الوحي السماوي، ولكن جيلا من سلالته التي خلقت من النطفة هو الذي وصل إلى حد من الكمال أهّله لتلقي الوحي، وأول من حاز هذا المقام الجليل هو مَن أسماه القرآن الكريم: آدم.
  4. أنه كان قبل آدم، وفي زمنه، كثيرا من بني جنسه. وقد اختار الله تعالى آدم ليكون خليفة يجمع شملهم بنظام وهداية سماوية، وأن معاصريه هؤلاء معه في تلك الجنة الأرضية التي عاش فيها، وأنهم أُخرجوا منها أيضا معه.

المقالة التالية: مفهوم الجن والشيطان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *