اختلاف الناس في قصة يوسف قبل نزول القرآن

إن الناس كانوا مختلفين في حادث يوسف ؏ قبل نزول القرآن الكريم، وإلا لما أعلن: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (يوسف: 4) أي نحن الذين سوف نكشف الحقيقة، ونحكي الحادث دون زيادة أو نقصان، فنفصل بين المختلفين فيه. ولكن المستشرقين لم يفكروا في هذا الاختلاف السائد قبل نزول القرآن الكريم ليدركوا أن الحادث كان قد صار عرضة للاختلاف والتشويه قبل ذلك، مما حدا بهم للطعن في القرآن الكريم عندما وجدوا بيانه مخالفًا لما ورد في التوراة في هذا الصدد. مما يعني أنَّ الذي أنزل القرآن كان على علم بأنه سيأتي زمان سوف يبسط بعض الجهال ألسنتهم في بيان القرآن الكريم.

واعلم أن قوله تعالى بأننا نحن الذين نسرد لك هذا الحادث سردًا صحيحًا لأننا أوحينا إليك هذا القرآن، يتضمن نبأً عن وقوع حادث مماثل له في حياة الرسول ﷺ، إذ لا نجد أية علاقة بين نزول القرآن وبين حادث يوسف اللهّم إلا إذا اعتبرناه نبأً عما سيحدث مع الرسول الكريم، مما إذا تحقق حدا بالناس أن يصدقوا وحي القرآن وأن يصدقوا حامله محمدًا رسول الله ﷺ.

مفهوم (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ):

قوله تعالى (وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ) له مفهومان:

  • الأول: أنك كنت تجهل هذه القصة، لأن أحداثها لم ترد من قبل مجتمعة في أي مصدر لا في التوراة ولا في التلمود، وإنما كانت وردت متفرقة في أماكن شتى.
  • الثاني: أنك ما كنت تعلم أن هذا سيحدث معك كما لم يكن يوسف يعلم أنه سيحدث معه ما حدث.

الفوارق بين القرآن والتوراة في قصة يوسف ؏

لقد تعرّض بعض الكتاب المسيحيين للقرآن الكريم بالنقد فيما يتعلق بحادثة يوسف ؏، لذلك سوف أوضح أولاً بأول الفوارق بين ما ورد في التوراة وما ورد في القرآن الكريم في هذا الشأن.

الفارق الأول:

هو أن التوراة تناولت هذا الحادث بذكر نسب يوسف ؏، ولكن القرآن الكريم استهله بذكر الرؤيا التي كانت النقطة المركزية في حياة يوسف ومحورًا لكل ما جرى له من أحداث، دون أن يخوض في ذكر نسبه وغير ذلك مما يخص المؤرخين.

وبغض النظر عن فروق أُخرى بين بيان المصدرين فإن هناك بونًا شاسعًا بينهما في شأن تناولهما لهذه الحادثة، وإننا لو وضعنا هذا الأمر أمام أي من المعلقين المحايدين فسوف يحكم لصالح القرآن الكريم نظرًا لبراعة استهلاله للحادث، إذ إن رؤيا يوسف هي التي كانت العامل الأساسي لنجاحه ؏، وهي التي غيرت مجرى حياته تمامًا، وجعلت إخوته أعداءً له، وتحقيقًا لتلك الرؤيا جاء الله بهم إلى مصر وألقى بهم على قدميه مرغمين. ولو أردنا تعيين ذلك الجانب من حياته الذي كان درسًا وعبرة للآخرين فلن نجد أي شيء أفضل من رؤياه هذه.

والفارق الثاني:

بين المصدرين هو أن القرآن الكريم قد قدّم ذكر الأحد عشر كوكبًا على ذكر الشمس في بيان الرؤيا، ولكن التوراة فعلت العكس، فقد ورد فيها: “فقال إني حلمت حلمًا أيضًا، وإذا الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا ساجدة لي. وقصَّه على أبيه وإخوته“. (التكوين 37:9 و10).

وهذا الاختلاف أيضًا يكشف فضل القرآن الكريم على التوراة، لأن كليهما متفق على أن المراد من الكواكب إخوته ومن الشمس والقمر أبواه، وأن أول من التقى به وخضع له أدبًا واحترامًا -بعد أن أكرمه الله في مصر- هم إخوته، أما أبواه فقد التحقا به فيما بعد. فالترتيب الذي راعاه القرآن في بيان الرؤيا هو الصواب، وأما الترتيب الذي راعته التوراة فإنه خاطىء ومستغرب. ولا شك في أن الله تعالى قد أرى يوسف أولاً أولئك الأشخاص من أسرته الذين قُدّر لهم أن يقابلوه أولاً، ثم أراه أولئك الذين قُدّر لهم مقابلته فيما بعد.

أما السجود المذكور في قوله تعالى: (رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) (يوسف: 5) فإنه لا يعني أنهم سيسجدون له حقيقة، بل المراد هو أنهم سيصبحون خاضعين وتابعين له. وهذا ما حصل بالضبط إذ حضر إليه في مصر إخوته وأبواه واستوطنوا عنده حيث كان يتقلد منصب الوزارة، وهكذا أصبح هؤلاء الناس تابعين له يعيشون تحت لوائه.

وقد ورد في تفسير “روح المعاني” بأن طاعة الوالدين والإخوة ليوسف ليس بأمر ذي بال فلذا علينا أن نعبّرَ الشمس بالملك والقمر بالوزير والكواكب بعلية القوم.

ولكن هذا المعنى باطلٌ، لأن ملك مصر لم يكن تابعًا ليوسف بل كان يوسف خاضعًا لقوانين بلده كما صرح بذلك القرآن في قوله تعالى: (مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ) (الآية: 77). أي ما كان ليوسف أن يحتجز أخاه عنده وفق القانون الملكي. ثم إن الملك مهما كان احترامه لوزيرٍ من وزرائه كبيرًا فلا يمكن أن يعبَّر عن تقديره له بكلمة السجود، لأنه لا يحترمه عن طاعة وخضوع وإنما عطفًا ولطفًا منه.

وحيث إن السجود المادي تمثيلٌ لكمال الطاعة لذلك لن يطلَق السجود هنا ولو مجازًا إلاّ على صور مختلفة للطاعة. والواقع أن طاعة الأبوين والإخوة أمرٌ عظيم أيضًا، لأن الآباء لا يكونون عمومًا مطيعين للأولاد. ولكن الأمر في حادثة يوسف عجيب جدًا. لقد أخبره الله بالرؤيا وهو صغير أنه سيأتي يوم سوف يدخل فيه أبواه في طاعته. مع العلم أن يوسف كان يبلغ حينئذٍ أحد عشر أو إثني عشر عامًا، وكان أبوه قد تجاوز الخمسين. ومن ذا الذي يستطيع أن يضمن -طول هذه المدة- أنه سيعيش ويحقق رقيًا، وأن أبويه وإخوته الأحد عشر سيبقون أيضًا أحياء ويصبحون طائعين له طول هذه الفترة. إذًا فتحقُّق الرؤيا في هذه الظروف ليس بأمر عادي أبدًا.

وجه المماثلة بين قصة يوسف ؏ وسيدنا محمد  ﷺ:

المماثلة الأولى: كيفية نزول الوحي الأول. فكما حدث ليوسف كذلك نزل أول وحي على النبي ﷺ وهو في “غار حراء”، وقد حمل هذا الوحي أنباءً تخبره بأنه سوف يتفوق ويتغلب عليهم جميعًا إذ قال الله له (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق: 4-6). أي اقرأ هذا الكلام الذي أنزله الله عليك أكرمُ مَن في الوجود، بمعنى أن الله الأكرم سوف يجعلك أنت أيضًا أكرم مخلوق في الأرض، وسوف يعلّمهم بواسطتك ما لم يعلمه أحدًا من الأولين، بمعنى أنك سوف تصبح أشرف كائن في الأولين وفي الآخرين، لأنك سوف تُعطى ما لم يعطَ الأنبياء الأولون. وكأنه تعالى يقول للرسول: ستكون سيدًا لإخوتك أي لقومك وكذلك لآبائك الروحانيين أي الأنبياء السابقين، وذلك كما قال النبي ﷺ: “أنا سيد وُلْدِ آدم” (ابن ماجة، الزهد)، وأعلن: “لو كان موسى وعيسى حيَّين لما وَسِعهما إلاّ اتباعي” (ابن كثير، الآية: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين). وبالاختصار لقد أُخبر النبي ﷺ لدى أول وحي تلقاه أنه سوف يصير سيدًا مطاعًا لإخوته ولآبائه القدامى.

المماثلة الثانية: لقد حكى يوسف رؤياه لأبيه عليهما السلام، كذلك ذكر النبي ﷺ بمشورة من زوجته رضي الله عنها حادثَ بدء نزول الوحي لِشخص صالح من أسرتها هو ورقة بن نوفل (البخاري، بدء الوحي).

هنا أيضًا نجد اختلافًا بين بيان المصدرين، فالقرآن يصرّح أن سيدنا يوسف قد قصّ رؤياه على والده أولاً، فنهاه أن يقصها على إخوته قائلاً: (لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ) (يوسف: 6)، ولكن التوراة تقول بأنه يقُصّها على إخوته قبل أبيه. (التكوين 37:9).

وبيان القرآن هو الحق والصواب كما تشهد بذلك التوراة نفسها إذ ورد فيها أن يوسف كان قد رأى رؤيا أُخرى قبل هذه ورواها لإخوته فبدأوا يبغضونه حيث قيل: (وحلم يوسف حُلمًا وأخبر إخوته. فازدادوا أيضًا بغضًا له) (التكوين 37:9). وورد فيها أيضًا (فقال له إخوته لعلك تملك علينا مُلكًا أم تتسلط علينا تسلطًا. وازدادوا أيضًا بغضًا له من أجل أحلامه ومن أجل كلامه) (التكوين 37:8).

فهل يعقل بعد ظهور هذه الكراهية من إخوته أن يحكيَ لهم يوسف رؤياه الثانية التي كانت مشابهة لرؤياه الأولى في فحواها قبل أن يحكيها لأبيه؟ كلا بل إن المنطق السليم يفرض أن يخفي رؤياه الثانية لما رآه منهم في المرة الأولى، وأن يحكيها لأبيه. فبيان القرآن الكريم أقرب إلى العقل والصواب وذلك بشهادة التوراة نفسها.

وأما قول سيدنا يعقوب ؏ لابنه (لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ) فقد ذكر القرآن الكريم نفسه سبب هذا النهي حيث قال: (فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا) (يوسف: 6)، يعني أنهم سوف يدركون بذلك أن لك مستقبلاً باهرًا، فيحسدونك ويبغضونك، ناسين أن لا خيار للإنسان في شأن الرؤيا، وسيحاولون القضاء عليك. وهذا ما تؤكده التوراة أيضًا بأنهم كانوا ناقمين عليه نتيجة أحلامه ورؤياه.

المماثلة الثالثة: وهي كما أن يوسف عندما قصّ رؤياه على أبيه يعقوب عليهما السلام أنذره بأنه سيواجه عداءً من قِبل إخوته، كذلك لما قصّ النبي ﷺ حادث الوحي الأول على ورقة بن نوفل أخبره قائلاً: “ياليتني فيها جَذَعًا، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك“؛ أي ليتني كنت شابًا قويًا أساعدك. وحينما سأله النبي ﷺ في حيرة: (أوَ مُخرِجِيَّ هُمْ) أي هل قومي حقًا سيطردونني من بلدي؟ أجابه ورقة: “لم يأتِ رجل قط بمثل ما جئت به إلاّ عوديَ” (البخاري، الوحي).

وأما قوله تعالى (وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) فله مفهومان؛ الأول: سوف يحقق الله تعالى لك ما رأيت في الرؤيا من بشارة. والثاني: سوف يهب لك مَلَكَةً تعرف بها تأويل الرؤيا.

أما قوله تعالى (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) فالمراد من إتمام النعمة هو التشريف بالنبوة، فبشره الله بذلك أنه سوف يهب له أيضًا النبوة وهكذا يكرم آل يعقوب؛ بمعنى أنهم سوف ينالون نصيبًا من النبوة بالإيمان بيوسف.

هنا أيضًا يختلف القرآن مع التوراة، فإنه يقول: إن سيدنا يعقوب فرح برؤيا ابنه وأيقن بصدقها وصحتها. ولكن التوراة تقول إنه زجره على رؤياه حيث جاء فيها: (فَانْتَهَرَهُ أَبُوهُ وَقَالَ لَهُ: «مَا هذَا الْحُلْمُ الَّذِي حَلُمْتَ؟ هَلْ نَأْتِي أَنَا وَأُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ لِنَسْجُدَ لَكَ إِلَى الأَرْضِ؟» فَحَسَدَهُ إِخْوَتُهُ، وَأَمَّا أَبُوهُ فَحَفِظَ الأَمْرَ.) (سِفْرُ التَّكْوِينِ 37 : 10-11).

ولا جرم أن بيان التوراة مخالف للعقل، لأن أي إنسان ذي عقل سليم لا يزجر أحدًا على ما يراه في المنام، لأن الحلم أو الرؤيا ليس في خيار أحد. نعم، يمكن أن يزجر الإنسان أحدًا إذا كان يظن أن الشخص كاذب ولم يرَ أيّة رؤيا، ولكن التوراة تقول بأن يعقوب زجره قائلاً: ما هذه الرؤيا التي رأيت، مما يعني أنه يعتبره كاذبًا. إذن فادعاؤهما بأن أباه زجره على الرؤيا أمر غير منطقي، وكل عاقل سوف يصدق القرآن في بيانه حتمًا.

المماثلة الرابعة: يتضح من هذه الآية أن سيدنا يعقوب أيقن أن ما رآه ابنه كان رؤيا رحمانية وآمن بها واعتبرها شرفًا ومكرمة لشعبه، وهذا ما حدث للنبي ﷺ حيث صدّقه ورقة بن نوفل عند سماع حادث الوحي الأول واعتبره مدعاة عزٍ وشرف لقومه قائلاً: “هذا الناموس (أي الوحي) الذي نزّل الله على موسى” (البخاري، الوحي).

وكان في هذا الحادث آيات للذين يسعون لفهم صدق النبي ﷺ. وكأنه تعالى ينبىء هنا أن هذا الرسول أيضًا سوف يتعرض لما مرّ به يوسف ؏ من ظروف ومحن. فالآية دليل على أن القرآن لا يحكي حادث يوسف كقصة تاريخية، وإنما يسرده ليزوّد الباحثين عن صدق محمد رسول الله ﷺ بالبراهين الدالة على صدقه.

المماثلة الخامسة: لقد واجه النبي ﷺ الموقف نفسه في عدة أشكال، فمثلاً كان لسيدنا عمر ؓ عمّ اسمه زيد بن عمر بن نفيل، وكان قد تعلّم التوحيد من علماء اليهود، وكان يقوم بالوعظ ضد الوثنيين. وعندما سئل عن دعوى النبي ﷺ قال: أنا الذي كنت أحارب الشرك في مواعظي وخطبي، فكنت أنا أحق بالنبوة (البخاري، المناقب؛ والسيرة لابن هشام).

وقد أثار اليهود والنصارى هذا الاعتراض نفسه ضد النبي ﷺ إذ زعموا أنهم حملة دين الله وأحقُّ بنعمة النبوة. أي لماذا لم ينزله الله على زعيم من زعماء مكة أو الطائف. وكأنهم احترقوا غيظًا وحسدًا إذ كيف أن الله اختار هذا الشخص الضعيف من بيننا لهذا الفضل والشرف؟ وقال إخوة يوسف نحن الذين نكدح ونكسب للأسرة فلماذا يؤثر أبونا يوسف وأخاه علينا، وإنه من واجب أبينا أن يحبنا نحن لما نقوم به من جهود وأعمال من أجل الأسرة ولكنه يحنو على يوسف الذي لا يحرك ساكنًا، وهذا من أبينا خطأ كبير. وقولهم هذا يدل على أنهم كانوا ناقمين عليه غاية النقمة.

لقد كان إخوته يخططون لارتكاب جريمة شنيعة، ولكنهم كانوا أبناء لنبي من الأنبياء وكان لصحبته تأثير فيهم لذلك كانوا يشعرون في قرارة نفوسهم بالخوف من غشيان المعصية، ودفعًا لهذا الخوف خدعوا أنفسهم قائلين: هلموا نقتله الآن وسوف نتوب فيما بعد.

وهنا أيضًا نجد اختلافًا بين التوراة والقرآن، إذ يقول القرآن إن إخوته تشاوروا أولا، وبعد المشورة احتالوا على أبيهم ليأخذوه معهم خارج البيت وينتقموا منه. ولكن التوراة تزعم أنهم كانوا خارج البيت ورأوه وهو قادم إليهم، فاستعدوا فورًا لقتله حيث جاء فيها: “فلما أبصروه من بعيد قبل ما اقترب إليهم احتالوا له ليُميتوه. فقال بعضهم لبعض هو ذا صاحب الأحلام قادمٌ. فالآن هلمّ نقتله ونطرحه في إحدى الآبار ونقول: وحش رديء أكله. فنرى ماذا تكون أحلامه“. (التكوين 37: 18-20).

المماثلة السادسة: وهي تتمثل في مؤامرة القتل. يقول الله تعالى عن تآمر الكفار على قتل النبي ﷺ: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (الأَنْفال: 31). قوله (لِيُثْبِتُوكَ) يعني ليأسروك ويقيدوك. فكما أن أخوة يوسف ؏ خططوا لقتله أو إلقائه في أرض نائية، كذلك كان تخطيط المشركين ضد المصطفى ﷺ. وإذا كنتم لا ترضون إلاّ بمخالفته في كل حال فلا تقتلوه؛ بل فكروا في مكيدة أُخرى نطرده بها من البيت.

المماثلة السابعة: كما أن بعض إخوته عارضوا قتله كذلك خالف بعضٌ من الكفار المتآمرين قتلَ النبي ﷺ، بل إن بعضهم ضغطوا على الآخرين بحيث اضطر هؤلاء أخيرًا لنقض المعاهدة التي أبرموها لقتله ﷺ وأتباعه عن طريق التجويع والفاقة (السيرة لابن هشام).

ورد في التوراة: “ومضى إخوته ليرعوا غنم أبيهم عند شكيم. فقال إسرائيل ليوسف أليس إخوتك يرعون عند شكيم. فتعال فأُرسلك إليهم. فقال له ها أنذا” (التكوين 37:12-13). أي أن أباه هو الذي حضّه على الذهاب إلى إخوته في المرعى.

ولكن القرآن الكريم يخبرنا أن إخوته تآمروا على قتله، ثم استأذنوا أباهم ليرسله معهم إلى الخارج. وكان يعقوب ؏ على علم بسيرة أبنائه السيئة وبما كانوا يكنونه ضد يوسف من عداء وشر. والتوراة أيضًا تؤكد ذلك: “فلما رأى إخوته أن أباهم أحبه أكثر من جميع إخوته أبغضوه ولم يستطيعوا أن يكلموه بسلامٍ“. (التكوين 4:37). فكان من المستحيل -والحال هذه- أن يرسله أبوه بنفسه إلى الإخوة. فلا شك إذًا في صحة بيان القرآن وخطأ بيان التوراة.

ويبدو من المشهد الذي ترسمه هذه الآية أن يوسف ؏ كان عندئذٍ قد بلغ من العمر حوالي أحد عشر عامًا أو إثني عَشَرَ، لأن ما قاله إخوته لا يقال إلاّ عن طفل في هذه السن. ولكن التوراة تزعم أنه كان قد بلغ سبع عشرةَ سنةً (التكوين 37:2). وهذا خطأ كما سنثبت ذلك بعد قليل.

فقال إخوته لأبيهم أرسله معنا ليلعب ويلهو، ويبدو أنهم كانوا حرّاثين أيضًا، ولكن التوراة تزعم أنهم كانوا رعاة. والحق أن بيان القرآن هو الحق والصواب، وهذا ما يتأكد من التوراة نفسها، إذ تذكر الرؤيا الأولى الواردة في التوراة أن يوسف رأى فيها أنه وإخوته يصنعون حزمًا من الكلأ (التكوين 37:7). ولكن الطفل الصغير الذي لم يسمح له بالخروج من البيت إلا قليلا ولم يعش في المدينة وإنما في البرية مع أهله منقطعًا عن باقي العالم، لا يمكن أن يرى في الرؤيا مشهدًا كهذا لا عهد له به من قبل في الحياة. فالرؤيا الأولى أيضًا تؤكد صحة بيان القرآن بأنهم كانوا حرّاثين أيضًا. وفي قولهم (وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (يوسف: 13) دليل آخر على أن يوسف كان صغير السن عندئذ، وإلاّ فإن الشاب المترعرع في البرية والبالغ سبع عشرة سنة، لا يكون بحاجة إلى حماية الآخرين على هذا النحو.

قال يعقوب بأن مجرد التفكير في خروجه معكم يؤلمني، لأني أخاف أن يأكله ذئب وأنتم في غفلة عنه. وقوله هذا يشكل دليلاً آخر على كون يوسف ؏ حينئذ صغير السن. كما يبدو أن أباه كان قد تلقى بوحي الله إشارات تنبهه إلى مؤامرتهم هذه، ولذلك امتنع عن إرساله معهم بالحجة نفسها التي كان إخوته سيلجأون إليها في ما بعد تبريرًا لغيابه.

قولهم (وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ) يشكل برهانا آخر على أن يوسف ؏ كان صغيرًا عندئذٍ، لأن شابًا في سن السابعة أو الثامنة عشرة يستطيع الاشتراك في أية لعبة شاء. كما أن الذئب الواحد لا يهاجم شابًا بيده سلاح، اللهم إلا أن يكون هناك قطيع من الذئاب، ولكن لا توجد  في أرض فلسطين منطقة فيها الذئاب على شكل قطعان.

وقولهم (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) يبين أنهم ما كانوا مجرمين متعودين على ارتكاب الجرائم، وإلاّ لم يتفوهوا بهذه الكلمة التي هتكت سرّهم، لأن المجرمين بطبيعتهم لا يكشفون عن جرائمهم بمثل هذه الكلمات، أما هؤلاء فقد تفوهوا -رغمًا عنهم- بكلمةٍ كشفت عن جريمتهم.

يتضح من التوراة أن يعقوب عندما رأى قميص يوسف ؏ أيقن بموته حيث جاء فيها: “فتحققه وقـال: قمـيص ابني. وحش رديءٌ أكله. افتُرس يوسف افتراسًا” (التكوين37 : 33). ولكن القرآن الكريم يعارض هذا الرأي ويقول: إن أباه اعتبر قضية قميصه خدعةً منهم واستعان بالله على ما يقولون، مما يؤكد أنه كان يأمل أن يكون يوسف حيًا، وإلاّ فلا معنى لقوله (والله المستعان على ما تصفون).

والحق أن التوراة نفسها تؤيد موقف القرآن، حيث جاء في موضع آخر منها أن يوسف ؏ عندما أوقف أخاه عنده في مصر، تقدم إليه يهوذا وقال: “قال لنا عبدك أبي: أنتم تعلمون أن امرأتي ولدت لي اثنين. فخرج الواحد من عندي وقلت: إنما هو قد افتُرس افتراسًا. ولم أنظره إلى الآن” (التكوين 44 : 27، 28).

فيتضح من قول يعقوب ؏: “ولم أنظره إلى الآن” أنه كان يوقن بأن يوسف لايزال حيًا، ولو كان موقنًا بموته -كما تذكر التوراة هنا بأنه افتُرس- لصار قوله هذا: “لم أنظره” عبثًا ولغوًا. إذن لا شك في صحة بيان القرآن الكريم.

المماثلة الثامنة: إن إلقاء يوسف ؏ في البئر يشكل أيضا تشابهًا آخر بينه وبين النبي ﷺ. فعندما اضطر نبينا للهجرة نتيجة مضايقات الكفار بمكة، وطاردوه اختبأ في “غار ثور” وهو أيضًا شبيهٌ بالبئر. والفارق الوحيد هو أن يوسف أُلقي في البئر بيد إخوته، أما النبي ﷺ فاختبأ بنفسه في الغار (السيرة لابن هشام).

وقد تشبه حادثة إلقائه في البئر ما حدث للنبي ﷺ في شعب أبي طالب حيث أُلقي في ذلك الشِعب ليبقى فيه محاصرًا لحوالي ثلاث سنوات.

المماثلة التاسعة: لقد أُخبر يوسف؏  بمصير إخوته قبل وقوعه، كذلك بشّر الله ﷻ النبي ﷺ بأن إخوته (أي قومه) سوف يضطرون للمثول أمامه أذلاء صاغرين في يوم من الأيام. وهذه البشارة مذكورة في قول الله تعالى (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ) (القصص: 86)، أي أن الإله الذي أنزل عليك القرآن للعمل به سوف يعود بك حتمًا إلى البلد التي هي مرجع الخلائق ومعاد الناس، بمعنى أنك سوف ترجع إليها فاتحًا بعد أن طُردت منها.

المماثلة العاشرة: فكما أن إخوة يوسف قد ادّعوا هلاكه كذبًا كذلك زعم الكفار قتل الرسول ﷺ في موقعة أُحد عندما أعلن أبو سفيان :إنا قتلنا محمدًا. حتى إنهم نشروا هذه الإشاعة في مكة (السيرة لابن هشام). لكن الفرق الوحيد هو أن إخوة يوسف عزوا قتله إلى الذئب، وأما هؤلاء فقد ادعوا قتله ﷺ بأيديهم.

انظروا كيف يعامل الله عباده بكل وفاء. لقد ألقى هؤلاء يوسف في البئر عند البرية، ولكن الله تعالى جاء لنجدته على الفور حيث مرَّ ركب من هناك، فبعثوا ساقيهم طلبًا للماء، فجاء الله به إلى البئر نفسها التي أُلقي فيها يوسف ؏. ويبدو من قوله تعالى (وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً) أنهم رأوا في يوسف إمارات النبل والسُؤدد فلذا اعتبروه متاعًا غاليًا.

عندما عرف إخوته أن أصحاب القافلة قد أخرجوه من البئر جاءوهم وقالوا لهم إنه عبد لنا قد أبق، وباعوه لهم. والتوراة تقول إن إخوته باعوه بعشرين درهمًا (التكوين 37: 28). وبيَّن القرآن أنهم لم يبيعوه لأهل الركب رغبةً في المال وإنما ليتظاهروا أنه مملوك لهم.

يبدو أن إخوته خافوا أنهم إذا لم يتدخلوا في تحريره منهم لربما يساورهم الشك في أمره وربما يوصلونه إلى البيت مرة أخرى، فتَظَاهَروا لهم أن يوسف عبد لهم لا يصلح لشيء ويريدون التخلص منه بأي ثمن.

والشراء يعني الاشتراء أيضًا، وعليه، فقد يرجع ضمير الجمع في (شروه) إلى أهل القافلة أي أنهم اشتروه من إخوته بدراهم معدودة.

وهنا أيضًا تختلف التوراة عن القرآن إذ تزعم أن إخوته هم الذين أخرجوه من البئر حيث تقول بأنهم بعد إلقائه فيها جلسوا يأكلون، فلاحت لهم قافلة من الإسماعيليين، فاتفقوا على بيعه لهم، فأخرجوه منها وباعوه لهم بعشرين درهمًا (التكوين 37 :28).

ولكن القرآن يخبر أن القافلة هي التي أخرجته منها. ويكفي لإبطال زعم التوراة أن نذكر أن هناك تعارضًا صارخًا فيها حتى في بضع جمل وردت عن الحادثة. ففي الجملتين رقم 25 و27 ذكرت أن الركب كان من الإسماعيليين، ثم في الجملة التالية زعمت أنه كان من المديانيين، ثم عادت فقالت في آخر الجملة نفسها أنهم الإسماعيليون. مع أن هناك بونًا شاسعًا بين القبيلتين. فالكتاب الذي يخطئ ويتعثر بهذا الشكل في أربع جمل كيف يمكن اعتباره حاكمًا ومهيمنًا على القرآن الكريم؟ كما أن التلمود أيضًا يؤكد صحة بيان القرآن مائة بالمائةَ (الموسوعة اليهودية كلمة Joseph).

لما وصل الركب إلى مصر باعوا يوسف بثمن لا بأس به. تقول الكتب اليهودية بأن الذي اشتراه في مصر اسمه “فوطي فار”، وكان رئيس الحرس الملكي. وكان هذا المنصب يُعتبر في القديم أكبر منصب في البلاط الملكي.

وهذا الذي اشتراه من مصر أدرك برؤية ملامحه نبله وشرفه، فنصح زوجته أن لا تعامله كالخدم الآخرين بل أن تعامله بإكرام، فربما ننتفع به في يوم من الأيام، أو نتخذه ابنًا لنا إذا وجدناه ولدًا غير عادي.

هناك حذفٌ بعد قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ) (يوسف: 22)، والتقدير: “وكذلك مكّنّا ليوسف في الأرض لنكرمه ولنعلمه تأويل الأحاديث”. أي أننا بوأنا يوسف بيتَ رئيس الحرس لنكرمه من جهة، ولنزيده علمًا في الروحانيات بإيقاعه في المحن والاختبارات، لأن هذا ضروريّ للرقي الروحاني. وبالفعل، فقد قدّر الله ليوسف ؏ أن يقع في الخصومة مع امرأة العزيز ليمر بمجاهدات روحانية خاصة.

للمزيد عن قصة سيدنا يوسف عليه السلام

One Comment on “قصة يوسف بين القرآن الكريم والتوراة”

  1. فسر المقال وجود اختلاف بين التوراة و القران ،حول ذكرهما لقصة يوسف الصديق نبي الله،لكن المقال لم يفسر الاختلاف بين الرؤيا او الاحلام و الملكات التي وهب الله للانبياء ،و تم تدوينها كقصص انبياء ،و بين الناموس او الوحي الذي نزل على الرسل،و تم تدوينه ككتب سماوية مقدسة، كما انه لم يفسر سبب اعتماد الكتب المقدسة عن قصص الانبياء الواقعية ،اي اعتماد الوحي عن الرؤيا و الاحلام؟ ولماذا سمي بالوحي و هو في الاصل منقول عن قصص واقعية ؟و لم يفسر المقال سبب دعوة اخناتون الى توحيد الالهة،هل هل خشية لسطوة و جبروت كهنة معبد امون أم حبا في اله اتون ؟ و لم يفسر المقال كيف وظف الملك اخناتون الملكات التي وهب الله الى يوسف الصديق،المتجلية في تفسير احلام السجينين (واحد سيموت معلقا وتأكل الطيور من راسه،و الاخر سيكون عبدا خادما عند الملك) ،هذا لتفسيرالاخير الذي سيكون سببا في تفسير حلم الملك( سبع بقراة عجاف يأكلن سبع بقراو سمان) تم نباهة يوسف في كيفية الاحتفاظ بالقمح في السنابل ،كل لا تفسد، تم اقتراح يوسف فكرة اعادة توزيع اراضي الدولة الفلاحية تم اظهار صدقه الفائق في عدم خيانة فوطي فار رئيس اركان جيوش اخناتون…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.