منقول من كتاب الخليفة الثاني رضي الله عنه كتاب “حياة محمد”:

الأخطار تحوم في المدينة

خلال أيام من وصول الرسول ﷺ إلى المدينة، أوْلت القبائل المشركة هناك الكثير من الاهتمام بالإسلام، واعتنقته الغالبية منهم، ولكن كان فيهم الكثير ممن لم تستيقن قلوبهم بعد. وبهذا فقد انضمت إلى المسلمين طائفة لم تكن قلوبها مسلمة لله. وقد قام أفراد هذه الطائفة بأداء أسوأ الأدوار في التاريخ اللاحق، غير أن بعضهم تاب وأصبح مخلصًا، ولكن الآخرين ظلوا علي غلّهم يكيدون للإسلام والمسلمين. ولقد رفض بعض المشركين كلية أن ينضموا تحت لواء الإسلام، ولم يطيقوا تحمل تزايد أثر الدين الجديد، فهاجروا من المدينة إلى مكة، وأصبحت المدينة بلدًا مسلمًا، وتم فيها تأسيس عبادة الله الأحد. لم تكن هناك مدينة أخرى في العالم كله تستطيع أن تدّعي ذلك الشرف، ولم تكن فرحة النبيّ وصحبه قليلة، أن يحدث ذلك خلال أيام قليلة من هجرتهم، وأن تقلع مدينة بأكملها عن عبادة الأصنام، وأن تؤسس بدلاً منها عبادة الله الأحد، الذي ليس كمثله شيء.

 ولكن، لم يكن هناك سلام بعد، ولم يستتب الأمن تمامًا للمسلمين. ففي المدينة نفسها كانت هناك طائفة اعتنقت الإسلام ظاهريًا فقط، وفي بواطنهم كانوا أعداء ألداء للرسول ﷺ. وكذلك كان هناك اليهود الذين كانوا يكيدون له بلا توقف. وكان الرسول ﷺ يعي كل هذه الأخطار، فظل يقظًا، وحثّ أصحابه وأتباعه أن يكونوا على حذر، وكان عادة يظل يقظًا طوال الليل (فتح الباري ج 6 ص60). وأخيرًا طلب المساعدة ذات ليلة بسبب الإجهاد الذي أصابه من كثرة السهر، وعلى الفور سمع قعقعة سلاح، فسأل: “منْ هذا؟“. فرد عليه المجيب قائلاً: “سعد بن أبي وَقَّاص يا رسول الله جئتُ أحرسك“. (راجع البخاري ومسلم)

ولقد تحمّل أهل المدينة نصيبهم من المسئولية بأمانة وكفاءة. فقد دعوا رسول الله أن يأتي ليقيم بينهم، وأصبح من واجبهم الآن أن يحموه ويذودوا عنه. فاجتمعت القبائل في المدينة، وقرروا أن يقوموا بحراسة داره مناوبة بينهم.

ولم يكن هناك من فرق كبير بين الأخطار التي كانت تحدق بحياة الرسول ﷺ في مكة والأخطار التي كانت تهددها في المدينة، وأيضًا لم ينعم أتباعه بالسلام في المدينة كما لم ينعموا به في مكة. وكان الفرق الوحيد هو أن المسلمين في المدينة كانوا يقومون بعبادة الله تعالى في المسجد الذي بنوه لعبادته ﷻ، فكانوا يجتمعون من أجل ذلك خمس مرات دون أن يتعرضوا للمنع أو الضرب. غير أن الأخطار ظلت تحوم في المدينة، وخاصة حينما يرخي الليل أستاره.

ومر شهران أو ثلاثة. وأفاق أهل مكة من ذهولهم، وبدأوا في وضع الخطط لمضايقة المسلمين، ولم يمض زمن طويل حتى أدركوا أن الاكتفاء بمضايقة المسلمين الذين بقوا في مكة ومن حولها لن يجدي شيئًا، وأنه لا بد أن يهاجموا النبيّ وصحبه في المدينة، ويدفعوهم إلى ترك ملجئهم الجديد. فوجّهوا خطابًا إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول، زعيم المدينة، الذي كان أهل المدينة قد أجمعوا على تنصيبه ملكًا قبل وصول الرسول ﷺ. وقالوا في هذا الخطاب إنهم صُدموا لوصول النبيّ إلى المدينة، وأن أهل المدينة ارتكبوا خطأ بالغًا بتوفير ملجأ له. وفي النهاية أقسموا بالله أنهم سيهاجمون المدينة مادامت قد آوت عدوّهم، إلا إذا طرده أهل المدينة أو قاتلوه. وأنهم حين يهاجمون المدينة فسوف يضعون السيف في كل الرجال، وسوف يسترقّون كل النساء. وجاء في سنن أبي داود، كتاب الخراج:

إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا، وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللهِ لَتُقَاتِلُنَّهُ أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ، أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ “.

وخُيّل لعبد الله بن أبي بن سلول أن في هذه الرسالة نجدة إلهية، فاستشار المنافقين الآخرين في المدينة، وأقنعهم أنهم لو تركوا النبيّ يعيش في سلام بينهم، فسوف يجلبون على أنفسهم عداء مكة، لذا لا بد من محاربته حتى ولو من أجل تهدئة أهل مكة. وعلم الرسول ﷺ بذلك، فذهب إلى عبد الله بن أبي بن سلول، وحاول إقناعه أن خطوة كهذه ستكون انتحارية، فكثير من سكان المدينة صاروا مسلمين، وهم على استعداد للتضحية بحياتهم من أجل الإسلام. فإذا أعلن عبد الله الحرب على المسلمين، فإن أغلبية أهل البلد سيقاتلون إلى جانب المسلمين، وحرب كهذه سوف تكلفه غاليًا، وسوف يكون فيها هلاكه هو بالذات. وتأثر عبد الله بهذه النصيحة، واقتنع بالعدول عن خطته.

وفي ذلك الوقت اتخذ الرسول ﷺ خطوة أخرى هامة. فقد جمع المسلمين، واقترح عليهم أن يشكل كل اثنين من المسلمين معًا رابطة تجمعهما كأخَويْن. وتقبّل المسلمون الفكرة بقبول حسن. فاتخذ الأنصارُ من أهل المدينة.. المهاجرين من أهل مكة إخوةً لهم. وفي ظل هذه الأخُوّة، عرض مسلمو المدينة على مسلمي مكة مشاركتهم في ثرواتهم وممتلكاتهم؛ حتى إن أحد مسلمي المدينة عرض أن يطلق إحدى زوجتيه ليتزوجها أخوه المكّي المسلم. ورفض المهاجرون من أهل مكة هذه العروض الكريمة التي قدّمها إخوانهم من الأنصار، ولكن الأنصار ظلوا على إصرارهم. وعُرض الأمر على الرسول ﷺ، واحتج الأنصار بأن مسلمي مكة هم إخوانهم، ومن ثم فلا بد لهم من مشاركتهم ما يملكون. وإن لم يكن المهاجرون يعلمون كيف يفلحون الأرض ويزرعونها، فيمكنهم مقاسمة الأنصار في غلة الأرض إن لم يملكوا الأرض نفسها. ورفض مسلمو مكة شاكرين هذا العرض السخي الكريم، وفضّلوا البقاء في مهنة التجارة. ولقد فتح الله تعالى للمهاجرين أبواب الرزق فصاروا أغنياء ثانية، ولكن ظل مسلمو المدينة يذكرون دائمًا أن عرضهم بالمشاركة مع المهاجرين في ما يملكون ظل قائمًا. وقد حدث مرارًا بعد أن مات واحد من الأنصار، أن قام أبناؤه باقتسام ممتلكاتهم مع من تآخوا معهم من المهاجرين. واستمر هذا التقليد معمولاً به لسنوات طويلة إلى أن أبطله الوحي القرآني بما جاءت به تعاليمه حول تقسيم الميراث (البخاري ومسلم).

إبرام معاهدة بين مختلف قبائل المدينة

وبالإضافة إلى المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، عقد الرسول ﷺ ميثاقًا يربط بين كل سكان المدينة، وبهذا الميثاق اتحد العرب واليهود مع المسلمين في مواطنة مدنية مشتركة. وشرح الرسول ﷺ للعرب واليهود أنهم قبل وجود المسلمين كانوا فريقين اثنين في بلدتهم، والآن صارت الفرق ثلاثاً. ولذلك يتطلب الأمر أن يدخلوا معًا في اتفاق يربط الجميع، ويحقق للكل الاستقرار والسلام. وأخيرًا تم الوصول إلى اتفاق وكان يقول ما معناه:

هذا عهد بين رسول الله والمؤمنين به من جهة وبين كل الآخرين (من سكان المدينة) الذين رضوا بالدخول فيه.

 إذا قُتل مسلم مهاجر فديّته تُدفع للمسلمين المهاجرين، وعليهم تقع مسئولية فك أسراهم، وكذلك الأمر في كل قبائل المسلمين في المدينة فيما يتعلق بالديّات وفك الأسرى.

 كل من يثير العداوة أو يدعو للخصومة والفوضى سيعتبر عدوًا للجميع، وعلى الجميع واجب القتال ضده حتى ولو كان قريب أحدهم أو ولده، فلا يحميه والده ولا قريبه. وإذا قَتَل مسلم كافرًا في معركة فإن أقرباءه المسلمين لا يُطالَبون بانتقام، ولا يساعدوا كافرًا ضد مسلم.

ولليهود الداخلين في هذا الميثاق حق المعونة من المسلمين، ولا يكابدوا الصعوبات. ولا يُعان عدوّهم ضدهم.

ولا يقوم كافر بإيواء أيّ مكّي، ولا يقوم بحراسة ولا منع ممتلكات أهل مكة، ولا ينحاز إلى أيّ جانب في قتال يقع بين المسلمين والكافرين.

وإذا أوذي مسلم وظلم بلا سبب، فمن حق المسلمين القتال ضد من اعتدَى، ولو هاجم العدوّ المدينة فإن اليهود سيقاتلون إلى جانب المسلمين ويتحمّلون معهم نفقات الحرب.

والقبائل اليهودية المتحالفة مع القبائل الأخرى في المدينة لهم نفس حقوق المسلمين، ولليهود دينهم أحرار. وللمسلمين دينهم أحرار. وما يتمتع به اليهود من حقوق فهي لأتباعهم.

مواطنو المدينة ليس لهم الحق في إعلان الحرب بدون أن يجيز الرسول ذلك، ولكن ذلك لا يجحف بحق فرد أن يعاقب فردًا قد أجرم في حقه.

واليهود سيتحملون تكاليف مؤسساتهم وتنظيمهم، وعلى المسلمين تحمل ما يخصّهم، ولكنهم في حال الحرب يشتركون كوحدة واحدة في تحمّل التكاليف.

وتُعتبر المدينة حرمًا آمنًا مقدسًا لا تُنتهك حرمته من الأطراف الموقّعة على هذا الميثاق.

وكل غريب يجيره ويحميه مواطن من أهل هذا الميثاق سيعتبر مواطنًا، ولا يحق لأهل المدينة أن يُدخلوا إليها امرأة لتصبح مواطنة بدون إذن أهلها، وكل خصام ونزاع فمردّه إلى الله وإلى الرسول.

أطراف هذا الميثاق متّفقون على مقاومة عدوّهم ولا يجوز الاتفاق مع أهل مكة وحلفائهم؛ ذلك لأن أطراف الميثاق متّفقون على مقاومة عدوهم المشترك.

المتعاهدون سيبقون متّحدين في الحرب والسلام على السواء، لا يدخل أحد منهم في سلام منفصل، ولا يسمح لطرف أن يتّخذ طرفًا آخر في حرب خاصة به.

كل من دخل في الميثاق وارتكب خرقًا له سيكون مُعَرَّضًا لعقاب الله، هو الوكيل وهو ناصر المتقين ومحمد نبيّه (انظر ابن هشام).

هذا هو الميثاق في عجالة، تم جمعه من نتف الروايات التي سجلها التاريخ، وهو يؤكد دون شك أن الأسس الهادية في تسوية النّزاعات والخلافات بين طوائف المدينة كانت أمينة وواقعية وعادلة.

وأولئك الذين خالفوا الميثاق وخرجوا عليه، تقع عليهم مسؤولية المخالفات وما ترتب عليها. وقد أوضح الميثاق بجلاء أن الرسول ﷺ كان يتعامل فعلاً بتمدّن وتعاطف مع جميع مواطني المدينة الآخرين، وكان يحترمهم ويتعامل معهم كإخوة. فإذا كانت النّزاعات والصراعات قد حدثت بعد ذلك، فإن المسؤولية تقع على اليهود.

وكما سبق أن قلنا، مرّ شهران أو ثلاثة قبل أن يُعبّئ أهل مكة خططهم المعادية ضد الإسلام، وجاءتهم الفرصة حين وصل سعد بن معاذ ؓ سيد الأوس إلى مكة ليطوف بالكعبة، فرآه أبو جهل فقال له: “أتتوقعون أن بإمكانكم المجيء إلى مكة والطواف بالكعبة آمنين بعد أن قدّمتم الحماية لهذا المارق محمد؟ أتظن أنك تستطيع منع محمد وإنقاذه؟ أقسم بالله أن هذا لن يكون، ولن تستطيع أن تعود لأهلك سالمًا“. فردّ سعد بن معاذ ؓ قائلاً: “خذها مني كلمة، لو منعتمونا من الطواف بالبيت والحج، فلن تجدوا سلامًا في الطريق إلى الشام“.

وحول هذا الوقت، مرض الوليد بن المغيرة مرضًا شديدًا، وهو أحد سادات مكة، وتوقع أن نهايته قد حانت. وكان سادات مكة الآخرون حول فراشه. ولم يستطع الوليد أن يتمالك نفسه فأخذ يبكي، فتعجب السادة الآخرون لبكائه، وسألوه عما يبكيه. فأجاب: “أتظنون أني أخشى الموت؟ ليس الموت ما أخشاه، بل أخشى أن ينتشر دين محمد وأن يتبعه الناس حتى تبايعه مكة نفسها“. وعند ذلك أقسم له أبو سفيان أنهم سيقاومون هذا باذلين أرواحهم ضد انتشار هذا الأمر (الخميس جزء 1).

مشركو مكة يستعدون لمهاجمة المدينة

يتضح من هذا السّرد للأحداث أن هدوء عداوة مكة كان أمرًا مؤقتًا، إذ كان سادة مكة يستعدون لاستئناف الهجوم على الإسلام. لقد أخذ الزعماء الراحلون على هؤلاء الذين بقوا من بعدهم مواثيق مغلظة أن يظلوا على عداوة الرسول ﷺ مدى الحياة، واستنفروهم واستنهضوهم للحرب ضدّه وضدّ أتباعه. وقد حرّض مشركو مكة أهلَ المدينة على حمْل السلاح ضد المسلمين وطرْدهم من المدينة، كما أنذروهم بالهجوم على المدينة، وقتل رجالهم واستعباد نساءهم إن لم يفعلوا المطلوب. فلو كان الرسول ﷺ قد تنحّى جانبًا ولم يفعل شيئًا للدفاع عن المدينة، لكان قد فرّط في حق مسؤوليات جسام. ولذلك فقد أسّس الرسول ﷺ نظامًا للاستطلاع، فأرسل مجموعات من الناس إلى أماكن مختلفة حول مكة ليتعرّف علامات استعداد مشركي مكة للحرب. ومنذ وقت لآخر، كانت تقع بعض الحوادث والاشتباكات والمعارك بين هذه المجموعات وبين أهل مكة.

يقول الكُتّاب الأوربيون إنّ النبيّ هو الذي أشعل شرارة هذه الأحداث، وإذن فهو المسؤول عن الحرب التي نجمت بعد ذلك، ولذا فهو يُعتبر الطرف المعتدي. ولكن أمامنا ثلاثة عشر عامًا من طغيان أهل مكة، ومن ثم مكائدهم لاستعداء أهل المدينة على المسلمين، والتهديد بالهجوم على المدينة نفسها. ولا يمكن لمن يضع كل هذا نصب عينيه أن يتّهم الرسول ﷺ بالمسؤولية عن إشعال الحرب. وإذا اضطر أن يرسل بعض السرايا للاستطلاع، فهذا دفاع عن النفس. إنّ ثلاثة عشر عامًا من الطغيان والاضطهاد والقتل والتعذيب كانت كافية لأن يتّخذ المسلمون كافة الوسائل للدفاع عن أنفسهم، وإذا نشبت الحرب بينهم وبين أهل مكة فإن المسؤولية لا تقع على عاتق المسلمين في ذلك.

إنّ الأمم المسيحية اليوم تعلن الحرب لأسباب أدنى وأوهن كثيرًا من ذلك، ولو أن نصف ما ارتكبه أهل مكة ضد المسلمين قد ارتكبه بلد في حق أحد الشعوب الغربية، لوجدوا فيه المبرر الكافي الذي يدفعهم لشنّ الحرب بسببه؛ فحين يقوم شعب في بلد ما بالتدبير والتخطيط والتعبئة الشاملة للقضاء على شعب آخر، وحين يُرغم شعبٌ ما شعبًا آخر على الخروج من دياره، ألا يعطى هذا للضحايا الحق في شنّ الحرب؟ إنّ المسلمين لم يكونوا في حاجة إلى سبب إضافي لشنّ الحرب على مكة بعد أن اضطرهم أهلها للخروج منها والهجرة إلى المدينة. ورغم ذلك فإنّ الرسول ﷺ لم يعلن الحرب. لقد أظهر تسامحًا، وقصر كل أنشطته الدفاعية على الاستطلاع فقط، بينما استمر أهل مكة في إثارة قلق المسلمين وإزعاجهم، وحرّضوا أهل المدينة ضدّهم، وتدخّلوا فمنعوهم حقهم في الحج، وغيروا طرق قوافلهم المعتادة، وبدأوا يندسّون في القبائل المحيطة بالمدينة ويحرّضونهم ضد المسلمين.

وتهدّد سلام المدينة. وهكذا صار واجبًا واضحًا على المسلمين أن يقبلوا التحدّي، تحدّي الحرب الذي كان أهل مكة يطرحونه طيلة أربعة عشر عامًا كاملة، وتحت هذه الظروف والملابسات لا يمكن لعاقل أن ينازع في حق المسلمين أن يقبلوا التحدّي.

وبينما كان الرسول مشغولاً في أعمال الاستطلاع، فإنه لم يهمل الاهتمام بتلبية الاحتياجات اليومية العادية والضرورات الروحانية لأتباعه في المدينة. وكان فيها غالبية عظمى من السكان قد صاروا مسلمين ظاهرًا وباطنًا، وبعضهم أظهر الإسلام فقط ولم يزد. وبدأ الرسول ﷺ يؤسّس الشكل الإسلامي للحكومة في المدينة.

 وفي الأيام الخوالي، كان العرب يحسمون نزاعاتهم بالسيف أو بالعنف. وقد أدخل الرسول ﷺ نظام التقاضي، فعين القضاة للنظر في الدعاوى التي يقيمها الأفراد أو المجموعات بعضهم ضد الآخر. وما لم يُصدر القاضي إعلانًا بصحة الدعوَى فلا تُعتبر التهمة قائمة بعد. وفي الماضي كان العرب يزدرون المهن الذهنية، فاتخذ الرسول ﷺ خطوات لمحو الأمية وإشاعة الرغبة في التعليم، وطلب ممن يجيدون القراءة والكتابة أن يُعلموا الآخرين هذه الفنون. ووضع نهاية للظلم والقسوة، كما فرض القواعد لحفظ حقوق النساء. وتصدّق الأغنياء من أجل حاجات الفقراء وتحسين مستوى الحياة الاجتماعية للمدينة. وتمت حماية العمال من الاستغلال، ووُضعت التدابير لحفظ حقوق الورثة الضعفاء من اليتامى وتعيين الأمناء عليهم وعلى أموالهم. وبدأ تسجيل القروض بالكتابة، والتأكيد على الأهمية القصوَى للوفاء بالعهود. كما تم إلغاء التجاوزات في معاملة العبيد، وتوَجّه الاهتمام بأمور النظافة الشخصية والصحة العامة، كما تم إجراء إحصاء للسكان. ومُهّدت الطرق والدروب وتم توسيعها، واتخذت الخطوات اللازمة للاحتفاظ بنظافتها. وباختصار، فإن العرب البدائيين، ولأول مرة في تاريخهم، بدأوا يخطون على درْب التهذيب والتمدّن.

غزوة بدر

كان أهل مكة يستعدون من أجل ترتيبات الحرب، وكان الرسول ﷺ يخطط من أجل وضع الترتيبات العملية وإرساء القواعد وسن القوانين التي لن تفيد مجتمعه وجيله الخاص من العرب فحسب، بل تفيد الإنسانية كلها، وعلى مدى التاريخ. وهكذا بينما كان الرسول ﷺ يخطط لإرساء القانون الذي يضع منهجًا للحياة يكون كفيلاً لأن يجلب السلام لقومه وللآخرين، ويفتح للجميع طريق المجد والتقدم، كان أعداؤه من أهل مكة على العكس من ذلك يخططون من أجل تحطيم ذلك المنهج، والقضاء على ذلك القانون. وقد ترتبت على خططهم نتائج وتداعيات، أثمرت ثمرتها في معركة بدر.

كان قد مرّ على الهجرة ثمانية عشر شهرًا. وكان أبو سفيان على رأس قافلة تجارية عائدة من الشام. وتحت مظلة الاحتجاج بحماية هذه القافلة، حشد أهل مكة جيشًا ضخمًا وقرروا تسييره إلى المدينة. وعرف الرسول ﷺ بهذه الاستعدادات، وجاءه الوحي من الله تعالى أن الوقت قد حان لسداد الدَيْن إلى العدو وبنفس الطريقة. خرج الرسول ﷺ من المدينة ومعه عدد من أصحابه، ولم يكن أحد يعلم حتى هذا الأوان ما إذا كانت هذه الفئة المسلمة ستلقَى القافلة العائدة من الشام أو الجيش القادم من مكة، وكان عدد المسلمين حوالي الثلاثمائة.

لم تكن القوافل في تلك الأيام تقتصر على الإبل المحمّلة بالبضائع، بل كانت تشمل أيضًا جنودًا مسلحين يحرسون القافلة ويصحبونها خلال رحلتها. وعندما اشتد التوَتّر بين أهل مكة ومسلمي المدينة، أخذ سادة مكة يُولون عناية خاصة لتسليح القوة المرافقة للقوافل. وسجّلت الوثائق التاريخية حقيقة أن هناك قافلتين أخريين مرّتا على هذا الطريق قبل فترة قصيرة، وبلغ عدد الحرس المرافقين في واحدة منهما مائتي رجل مسلح، وفي الأخرى ثلاثمائة.

وإنه لافتراض خاطئ أن نظن.. كما يفعل الكتّاب المسيحيون.. أن الرسول ﷺ أخذ معه ثلاثمائة من أتباعه وتوجّه بهم ليهاجم قافلة تجارية لا ترافقها قوة للدفاع؛ فإن هذا ظن فاسد وليس له أساس من الصحة. فتلك القافلة القادمة من الشام كانت ضخمة، وبالنظر إلى حجمها وحجم الحراسة المسلحة التي ترافق القوافل الأخرى، كان من المتوقع أن تكون تلك القافلة في حراسة قوة كبيرة تتراوح بين أربعمائة أو خمسمائة من الحراس المسلحين المرافقين لها.

وإنه لمن الظلم البالغ الزعم بأن فئة قليلة من المسلمين، قوامها ثلاثمائة فرد ضعفاء التسليح، قد خرجوا بقيادة الرسول ﷺ لمهاجمة وسلب قافلة جيدة التسليح كهذه. إن هذا تفكير المتحاملين على الإسلام الذين لا يضمرون سوَى سوء النية المتعمّد بغير عقل أو منطق. ولو كان رهط المسلمين قد خرج لمواجهة هذه القافلة وحدها فقط، فإن مغامرتهم يمكن أن توصف بأنها مغامرة حرب؛ مع أنها كانت حربًا دفاعية. وسبب اعتبارها مغامرة؛ هو قلة عدد المسلمين وضعف تسليحهم مقابل ضخامة عدد أهل مكة وجوْدة تسليحهم، واستعدادهم الطويل لشنّ العدوان على المسلمين في المدينة.

وفي الحقيقة، إن الظروف التي خرجت فيها هذه الفئة القليلة من المسلمين كانت أشد خطرًا. وكما أسلفنا، فإنهم لم يكونوا يعرفون ما إذا كانوا سيلقون القافلة العائدة من الشام أم سيضطرون لمواجهة الجيش القادم من مكة. وعدم وضوح الهدف أمامهم أدّى إلى حالة “عدم اليقين” التي أشار إليها القرآن المجيد، وكان عليهم أن يتوقعوا الأمريْن. وترجع مغادرة المسلمين للمدينة في ظل حالة عدم اليقين هذه إلى اطمئنانهم بالإيمان وإخلاصهم الصادق الذي لا حدود له. وبعد أن صاروا على مسافة من المدينة، أخبرهم الرسول ﷺ أنهم ملاقو الجيش الضخم القادم من مكة بدلاً من القافلة القادمة من الشام.

بلغت المسلمين أنباء متضاربة تتعلق بحجم جيش مكة، وأقربها للحقيقة كان يحدّد العدد بألف، كلهم من المقاتلين المجهزين بالسلاح والمدربين على فنون الحرب. وكان العدد الذي صحب الرسول ﷺ يبلغ ثلاثمائة وثلاثة عشر ليس إلا، منهم كثيرون بلا خبرة ولا تدريب، وأغلبهم ضعيف التسليح، وكانت الجمهرة الكبرى منهم يمشون على أقدامهم أو محمولون على إبل، وليس عندهم جميعًا سوى فرسين.

لقد اضطرت هذه الفئة القليلة التي كانت تفتقر إلى أسلحة الحرب وخبرة القتال إلى مواجهة قوّة تبلغ ثلاثة أمثالها في العدد، تتكوّن في غالبيتها من مقاتلين مدرّبين ذَوي حنكة وخبرة. وإنه لمن الواضح تمامًا أن اتخاذ قرار بهذه المواجهة كان أكثر القرارات التي تم اتخاذها على الإطلاق في خطورتها على مدى التاريخ كله.

وكان الرسول ﷺ من الحكمة بحيث يتأكد أن لا يشترك أحد في المعركة القادمة بغير علم سابق، أو دون أن تكون موافقته نابعة من صميم قلبه وإرادته الحرة. فأخبر أصحابه بوضوح أنهم لم يعودوا يواجهون احتمال لقاء القافلة، بل هو جيش مكة الآن، وسأل الناس المشورة. وقام الواحد تلوَ الآخر من المهاجرين يؤكدون للرسول ﷺ ولاءهم وحماسهم وتصميمهم على القتال ضد جيش مكة، الذي جاء ليهاجم مسلمي المدينة في وطنهم وبيوتهم. وكرّر الرسول ﷺ طلب المشورة بعد كل مرة يستمع فيها إلى واحد من المهاجرين. وكان الأنصار من أهل المدينة صامتين حتى الآن، فالمعتدون كانوا من مكة، وتربطهم روابط الدم بكثير من هؤلاء المهاجرين الذين كانوا يشكلون جزءًا من هذه الفئة القليلة. وقد خشي الأنصار أن يقولوا شيئًا قد يجرح مشاعر إخوانهم المهاجرين، إذا أظهروا رغبتهم وحماستهم لقتال أهل مكة.

ثم قال رسول الله ﷺ: “أشيروا عليّ أيها الناس“، وكان يقصد الأنصار، وذلك أنهم حين بايعوه بالعقبة قالوا يا رسول الله إنا براء من ذمتك حتى تصل إلى ديارنا، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا نمنعنك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا. فكان رسول الله ﷺ يتخوّف ألا يكون الأنصار يرون أنّ عليهم نصره إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوّه، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم. ولكن عندما أصرّ رسول الله على تكرار طلب المشورة، قال له سعد بن معاذ ؓ: “والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟“. قال: “أجل“. قال: “لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا والطاعة. فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد. وما نكره أن تلقَى بنا عدوّنا غدًا. إنَّا لصُبُرٌ في الحرب صُدُقٌ في اللقاء. لعل الله يريك منّا ما تقر به“. وقام أيضًا من الأنصار المقداد بن عمرو ؓ فقال: “يا رسول الله امض لما أراك الله فنحن معك. والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنَّا معكما مقاتلون. فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه“. (انظر البخاري كتاب المغازى، وابن هشام).

كانت تلك هي روح الحب والتضحية التي أظهرها المسلمون الأُوَل، والتي لم يوجد لها مثيل في تاريخ العالم كله. لقد ذكرنا سابقًا مَثَل أصحاب موسى ؏، وكيف رفضوا قتال العدو. وهكذا كان حال حواريي المسيح ؏، الذين تركوه في أحرج المواقف، إذ خانه أحدهم وأسلمه لقاء مبلغ حقير، وأنكره الآخر وصبّ عليه اللعنات، بينما لاذ الباقون بالفرار في ساعة العسرة. أما المسلمون من الأنصار في المدينة الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ، فلم يكن قد مضى على صحبتهم له سوى عام ونصف، ومع ذلك فقد بلغوا تلك القوّة التي لا مثيل لها في عالم الإيمان، بحيث لو أمرهم الرسول ﷺ أن يلقوا بأنفسهم في خضمّ البحر لكانوا طوْع أمره دون أيّ تردد. لقد حصل الرسول ﷺ على المشورة التي طلبها، ولكنه لم يكن لديه أدنى شك في حب أتباعه وصدق إخلاصهم. لقد طلب المشورة ليغربل منهم الضعيف ويقصيه بعيدًا، فوجد المهاجرين من أهل مكة، والأنصار من أهل المدينة، وكل منهم يباري الآخر في التعبير عن الحب والتضحية، وكلاهما قد صمّم ألا يولي العدو دبره، حتى ولو كان العدو يفوقهم في العدد أضعافًا ثلاثة، وكان أفضل منهم كثيرًا في السلاح والعتاد، وأشد منهم خبرة بفنون القتال. لقد وضعوا كل ثقتهم في وعد الله ﷻ، وأظهر كل من الأنصار والمهاجرين معًا عظمة تقديرهم للإسلام، وقدّموا أرواحهم ومهجهم للدفاع عنه.

وتقدم الرسول ﷺ بعد أن تحقّق من إخلاص كل من مسلمي مكة والمدينة، حتى بلغ مكانًا يسمى بدرًا، فأخذ بمشورة أحد صحابته وأمر رجاله أن يعسكروا قريبًا من ماء بدر. وقام المسلمون بتأمين مصدر المياه هذا، غير أن منطقة الأرض التي كانوا عليها كانت رملية لا تثبت عليها الأقدام حين تقتضي المعركة المناورات بين الرجال، وأظهر الصحابة قلقهم الطبيعي لهذا العيب الذي يشوب المكان، وشاركهم الرسول ﷺ القلق، فأمضى الليل كله يدعو ربه:

اللهم أنجز لي ما وعدتني. اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض أبدًا” (راجع الطبري).

سمع الله تعالى تضرع نبيّه، ونزل المطر أثناء الليل، فأصبح الجزء الرملي من الميدان الذي كان يشغله المسلمون رطبًا ومتماسكًا، أما الجزء الآخر الذي نزل به العدو فأصبح طينيًّا زلقًا. ولعل الأعداء من أهل مكة قد اختاروا هذا الجزء وتركوا الجزء الرملي للمسلمين عمدًا، لأن عيونهم الخبيرة فضّلت الأرض الجافة لتسهيل حركة المشاة والفرسان. ولكن الله قلب عليهم الطاولة في الوقت الدقيق المحكم. لقد تصلبت المنطقة الرملية التي كان عليها المسلمون بفعل المطر ليلاً، وأوْحلت المنطقة الصلبة التي كان عليها أهل مكة وصارت مزلقة للأقدام. وخلال الليل، تلقّى رسول الله إشارة من ربه ﷻ أن رءوسًا مهمّة من رجال العدوّ ستلقَى حتفها. بل لقد أُوحي إليه بأسماء الأشخاص، وأُوحي إليه بالمواضع التي سيلقون فيها مصرعهم. ولقد هلكوا كما سماهم ﷺ، وسقطوا حيث سبق وأخبر به.

وعندما دارت المعركة ذاتها، أظهرت هذه الفئة القليلة من المسلمين جسارة عجيبة وتفانيًا رائعًا. ولتوضيح ذلك، نكتفي بذكر حادثة واحدة، حدثت لأحد قادة المسلمين ويسمى عبد الرحمن بن عوف ؓ؛ وهو أحد سادات مكة، وواحد من الجنود القليلين في جيش المسلمين الذين لهم خبرة بفنون القتال. وعندما بدأت المعركة، التفت عن يمينه وشماله ليرى نوع المساندة التي لديه، فلم يجد لدهشته سوى فتيَين حديثي السن من الأنصار. دقّ قلبه وقال لنفسه: “إن كلّ قائد يحتاج عونًا على جانبيه، وأنا أحوَج إلى العوْن في يومي هذا، ولكن ليس لديّ إلا فَتَيَان عديما الخبرة، فماذا أفعل بهما“؟ وما كاد عبد الرحمن ينتهي من حديث النفس هذا، حتى لمس أحدُ الفتيين كوعَه، فمال إليه ليسمع ما يُسرّ به الفتى، فقال الفتى: “يا عمّ، أرني أبا جهل“. ويروي عبد الرحمن القصة فيقول: “قلت، يا ابن أخي فماذا تصنع به؟“. قال: “أُخبرت أنه يسبّ رسول الله، فوالذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا“، فتعجبت لذلك. وغمزني الآخر فقال لي مثلها. فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس. فقلت: “ألا تريان، هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه“. وأشار لهما عبد الرحمن بإصبعه إلى رجل مدجّج بالسلاح، يقف خلف الصفوف، يحيطه حرس شاهربن سيوفهم من جانبيه. وما إن خفض عبد الرحمن أصبعه التي أشار بها حتى انقض الفتيان على صفوف العدو في سرعة النسر متجهين إلى هدفهما المنشود كالصاعقة، وكان الهجوم مفاجئًا أذهل الجنود والحراسة المحيطة بأبي جهل فهاجموا الفتيين، وفقد أحدهما ذراعه، غير أن ذلك لم يوهن منهما ولم يثنهما عن عزمهما، فهاجما أبا جهل بعنف ساحق، وسقط قائد مكّة الكبير على الأرض مصابًا بجراح خطيرة أصابت منه مقتلاً. ومن هذه الروح العالية من التصميم والإصرار التي كانت تملأ قلبيْ هذيْن الصبيين، يمكن للمرء أن يدرك مدى التأثر العميق الذي شعر به صحابة الرسول ﷺ، الصغير منهم والكبير، بأخبار الاضطهاد الفظيع، والتعذيب الوحشي الذي تعرّض له رسول الله وأتباعه.

إننا نقرأ عن هذا التعذيب فقط في التاريخ، ومع ذلك نتأثر بعمق، ولكن مسلمي المدينة سمعوا الوقائع من شهود العيان الذين حكوا عن الممارسات الوحشية العديدة، ويمكننا أن نتخيّل جيدًا كيف أحسّوا بمعاناة إخوانهم. لقد سمعوا عن وحشية المشركين من أهل مكة من ناحية، ومن ناحية أخرى سمعوا عن حلم الرسول ﷺ وصبره عليهم، فلا عجب أن كان تصميمهم بالغًا، كي يقتصّوا للجرائم التي ارتُكبت في حق الرسول ﷺ والمسلمين الضعفاء في مكة. لقد انتظروا الفرصة السانحة ليخبروا أهل مكة الذين عذبوا المسلمين، أن المسلمين لم ينـتقموا منهم ليس بسبب عجزهم عن ذلك، ولكن بسبب أن الله تعالى لم يكن قد أذن لهم بعد.

 ويمكن أن نتصوّر مدى شدة تصميم هذه القوّة الصغيرة المسلمة على القتال المستميت من حادثة أخرى. فقبل أن ينشب القتال، أرسل أبو جهل أحد قادة البدو، وكان عُمير بن وهب الجمحي، إلى جهة المسلمين ليأتي له بتقدير لعددهم. فعاد ذلك القائد وأخبره أن عدد المسلمين كان ثلاثمائة أو يزيدون. وملأ السرور أبا جهل وأتباعه، وظنوا أن المسلمين سيكونون فريسة سهلة. ولكن القائد البدَوي أكمل حديثه فقال: “ولكن نصيحتي ألا تقاتلوا هؤلاء القوم. لأن كل واحد منهم قد جاء يتمنى الموت، إني لم أر رجالاً، بل رأيت الموت محمولاً على ظهور الإبل“، أو كما جاء في الأثر عنه أنه قال: “نواضح يثرب تحمل المنايا2 (الطبري وابن هشام). ولقد صدق حدس القائد البدَوي، فالذين هم على استعداد لمجابهة الموت، ليس من السهل أن ينال الموت منهم.

نبوءة عظمى تحققت

اقترب موعد المعركة، فأطل الرسول ﷺ من عريش كان قد نُصب له ليصلي فيه، وقال معلنًا:

سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ

كانت هذه هي الكلمات التي سبق أن أوحيت إليه في مكة من قبل، وكانت تخص هذه الموقعة. فحين بلغت وحشية مكة أقصى الحدود، وراح المسلمون يهاجرون إلى الأماكن التي يستطيعون أن يجدوا فيها الأمان، تلقى الرسول ﷺ من ربه الوحي التالي الذي تضمنه هذه الآيات:

(وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ~ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ~ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ ~ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ~ سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ~ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ~ إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ~ يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) (القمر:42-49)

هذه الآيات جزء من سورة القمر، وقد نزلت هذه السورة طبقًا لكل الروايات في مكة، وحدّد المفسرون المسلمون التاريخ الذي نزلت فيه بين السنة الخامسة والعاشرة من بعثة الرسول ﷺ، أي بثلاث سنوات قبل الهجرة من مكة إلى المدينة، والاحتمال الأقرب هو ثماني سنوات قبل الهجرة. ويتفق الباحثون الأوربيون مع هذا الرأي، إذ يرى “نولدكه” أن السورة كلها نزلت بعد السنة الخامسة للبعثة، ولكن وِيرِي يرى هذا التاريخ مبكرًا قليلاً، إذ يرى أن السورة قد نزلت بين السنة السادسة والسابعة قبل الهجرة أو بعد البعثة. وهكذا يتّفق كل المفسرين المسلمين وغير المسلمين على أن السورة نزلت قبل الهجرة بعدة سنوات. إن قيمة الأنباء الغيبيّة المذكور في الآيات الكريمة فوق كل شبهة واختلاف؛ فهي تحمل إشارة واضحة إلى ما يخبئه القدر لأهل مكة في معركة بدر، وقد جاء بوضوح نبأ المصير الذي هم منْزلقون إليه. وعندما أطلّ الرسول ﷺ من العريش، كرّر ذكر شرح النبأ الغيبي الوارد في السورة، ولا بد أنه قد تلقى من الله تذكيرًا بهذه الآيات خلال صلاته في العريش، وبتلاوته إحداها فقد ذكّر صحابته أن الساعة الموعودة في السورة قد حانت.

وفعلاً كانت الساعة قد حانت، كما سبق أن تنبأ بها إشعياء النبيّ (21: 13-17). لقد بدأت المعركة، مع أن المسلمين لم يكونوا على درجة الاستعداد المطلوبة، ورغم أن مشركي قريش تلقوا النصح ألا يتورطوا فيها. كان هناك ثلاثمائة وثلاثة عشر من المسلمين، أغلبهم لا خبرة لهم ولم يتعوّدوا القتال، وجميعهم تقريبا بلا عدّة، يواجهون عدوًا يبلغ ثلاثة أمثالهم عددًا من الجنود، كلهم من المقاتلين المتمرّسين. وفي ساعات قلائل لقيَ العديد من زعمائهم البارزين حتفهم، تمامًا كما تنبأ إشعياء النبي، حيث قال: “يفنى كل مجد قيدار“، وفرّ جيش مكة في عجلة بائسة، تاركًا خلفه قتلاه وبعض الأسرى.

 ومن الأسرى كان العباس، عم الرسول ﷺ الذي كان يسانده عادة عندما كان في مكة، وقد أُرغم على الانخراط في جيش مكة، وقتال النبيّ. وأسير آخر هو أبو العاص، زوج ابنة الرسول ﷺ. ومن القتلى كان أبو جهل، القائد الأعلى لجيش مكّة، وكان بحق رأس أعداء الإسلام.

وجاء النصر، ولكنه أتى معه بكثير من الأحاسيس المختلطة للرسول ﷺ. لقد فرح بتحقق وعود الله المتكررة خلال أربعة عشر عامًا خلت، وعود جاء ذكرها أيضًا في كتب بعض الأديان السابقة، ولكن أصابه الحزن على المأزق الذي حلّ بأهل مكة، فما أشقاها تلك النهاية التي آل حالهم إليها. ولو كان شخص آخر غيره قد حقق هذا النصر لقفز فرحًا وسرورًا، ولكن منظر العباس أمامه مقيد الأرجل مغلول اليدين أسال الدمع من عيني الرسول ﷺ ومن عين صديقه المخلص أبي بكر ؓ. لقد رأى عمر ؓ ذلك المنظر أيضًا، ولكنه لم يستطع أن يفهم السبب في بكاء النبي وأبي بكر بعد أن تحقق النصر. كان عمر متحيرًا، ولذا تجاسر ليسأل الرسول ﷺ: “لم البكاء يا رسول الله وقد منّ الله عليك بهذا النصر العظيم؟ فإن كان لابد من البكاء بكيت معك، أو تباكيت على الأقل“. فأشار الرسول ﷺ إلى بؤس الأسارى من أهل مكة، ذلك البؤس الشديد الذي يُرثى له، فهذا ما يؤدّي إليه عصيان الله تعالى.

لقد تكلم إشعياء النبي مرارًا وتكرارًا عن عدل هذا الرسول العظيم، الذي خرج ظافرًا من معركة قاتلة. وقد ظهر مصداق ذلك بجلاء ووضوح في هذه المناسبة. وفي أثناء العودة إلى المدينة، استراح الرسول ﷺ ليلة في الطريق، ولكن صحابته المخلصين رأوه يتقلب على جانبيه ولا يستطيع النوم، إذ كان العباس بالقرب منه يرسف في قيوده. وخمنوا أن السبب في أرق الرسول ﷺ هو صوت عمه العباس الذي يئنّ على مسمع منه وقيوده مشدودة باعتباره أسير حرب، فخفّفوا من وثاق العباس ليكف عن الأنين. وراح الرسول ﷺ في النوم بعد أن كفّ أنين العباس عن إزعاجه. لكنه بعد قليل نهض وسأل متعجبًا، لِمَ لَمْ يعد صوت العباس مسموعًا؟ ولعل الرسول ﷺ ظن أن عمه قد فقد الوعي، ولكن الحراس من صحابته صرّحوا له أنهم أرخوا قيود العباس قليلاً كي يستطيع الرسول الحصول على قسط من النوم. فرفض ﷺ أن يُظلم أحد من الأسرى بالتفرقة بينه وبين غيره، وذكر لهم أنه إذا كان العباس من أقربائه، فإن الآخرين كذلك أقرباء لآخرين منهم، وعلى ذلك ينبغي عليهم أن يرخوا القيود عن كل الأسرى أو يشدّوها على العباس مثل الباقين. وقد استمع الصحابة لهذه اللفتة، وقرروا أن يرخوا القيود عن كل الأسرى، وتحملوا هم على عاتقهم مسؤولية الحراسة الآمنة لهم.

أما عن الأسرى، فمن كان بينهم من القارئين الكاتبين فقد نالوا وعدًا باسترداد حريتهم إن هم علّموا عشرة صبية من أبناء المهاجرين القراءة والكتابة، وكانت هذه فديتهم مقابل الحرية. وأما الذين لم يكن لهم من يدفع فديتهم، فقد وُهبوا حريتهم عندما سألوها. وأما الذين أمكنهم دفع الفدية، فقد نالوا الحرية بعد دفع ما عليهم. وبتحرير كل الأسرى بهذه الطريقة، وضع الرسول ﷺ نهاية للممارسات الوحشية التي كانت تحوّل أسير الحرب إلى عبد مملوك.


 1- لتحميل الكاب نرجو الضغط هنا

2 –  النواضح جمع ناضح وهو البعير، ويثرب اسم المدينة المنوّرة قبل الإسلام (المترجم)

3- أشعياء 21: 13-17:

13 وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ بِلاَدِ الْعَرَبِ: فِي الْوَعْرِ فِي بِلاَدِ الْعَرَبِ تَبِيتِينَ، يَا قَوَافِلَ الدَّدَانِيِّينَ.
14 هَاتُوا مَاءً لِمُلاَقَاةِ الْعَطْشَانِ، يَا سُكَّانَ أَرْضِ تَيْمَاءَ. وَافُوا الْهَارِبَ بِخُبْزِهِ.
15 فَإِنَّهُمْ مِنْ أَمَامِ السُّيُوفِ قَدْ هَرَبُوا. مِنْ أَمَامِ السَّيْفِ الْمَسْلُولِ، وَمِنْ أَمَامِ الْقَوْسِ الْمَشْدُودَةِ، وَمِنْ أَمَامِ شِدَّةِ الْحَرْبِ.
16 فَإِنَّهُ هكَذَا قَالَ لِيَ السَّيِّدُ: «فِي مُدَّةِ سَنَةٍ كَسَنَةِ الأَجِيرِ يَفْنَى كُلُّ مَجْدِ قِيدَارَ،
17 وَبَقِيَّةُ عَدَدِ قِسِيِّ أَبْطَالِ بَنِي قِيدَارَ تَقِلُّ، لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَ إِسْرَائِيلَ قَدْ تَكَلَّمَ.”

About الخليفة الثاني للمسيح الموعود المصلح الموعود مرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه

View all posts by الخليفة الثاني للمسيح الموعود المصلح الموعود مرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *