يقول حضرة المصلح الموعود رضي الله عنه وأرضاه:

وليكن معلوماً بصدد تفسير قوله تعالى “أو ما ملكت أيمانكم” أنَّ البعض يرى أنَّ هذا يشمل حتى الخادمات في البيوت، بينما يرى البعض الآخر أنَّ المراد به النسوة اللاتي يؤخذن عنوةً من قوم ضعفاء بشن غارة عليهم ثم يتم بيعهن كإماء.

ويقول بعضهم أنَّ المعنى أنَّ النسوة اللاتي يقعن أسيرات خلال الجهاد يجوز إبقاؤهن في البيوت بدون عقد شرعي.

ولكن كُلّ هذه المفاهيم خاطئة. إنَّ القرآن الكريم والحديث الشريف قد ذكرا الخدم والأرقّاء ذكراً منفصلاً، فلا يندرجون في “ما ملكت أيمانهم“. لقد قال القرآن الكريم عن العبيد صراحة “ما كان لنبيٍّ أن يكون له أسرى حتّى يثخن في الأرض” (الأنفال: 68) .. أي لا يجوز لنبيٍّ أن يأخذ من قومٍ أسرى وأسيرات قهراً إلا بعد أن تجرى بينه وبين أعدائه حرب دامية .. بمعنى أن لا يجوز للمسلمين أخذ الأسرى من قوم لا يخوضون حرباً ضدهم، وذلك على خلاف ما كان عليه الحال في الحجاز منذ مئات السنين حيث كان أهلها يأخذون الأحباش عبيداً لهم، أو كما كان أهل العراق يجلبون الناس كعبيد لهم من إيران وروما واليونان والجزر الإيطالية. إنَّ الإسلام لا يجيز هذا الرق، وإنما يجيز أخذ أسرى العدو في الحرب فقط، وذلك أيضاً خلال المعركة فقط. وفي هذه الحالة أيضاً يأمر الإسلام بإطلاق سراح أسير الحرب لقاء فدية. وإذا لم يكن عنده فدية، أو لم يُرِدْ قومه دفع الفدية عنه، فعلى الدولة الإسلامية إطلاق سراحه مَنّاً وإحساناً (محمد: 5). وإذا تعذّر إطلاق سراحه مَنّاً فيمكن تسريحه بدفع الفدية من أموال الزكاة (التوبة: 60). وإذا كان هذا صعباً فيجب أن يُعطَى الأسير خيار المكاتبة (النور: 34)؛ والمكاتبة هو قول الأسير لمالكه سرِّحْني وأنا سأدفع فديتي بمال سأكسبه بجهدي، وفي هذه الحالة سأكون حرّاً فيما أمارسه من عمل أو تجارة شخصية. كُلّ ما عليه هو أن يقيم داخل الدولة الإسلامية.

والبديهي أنَّ امرأةً إذا لَمْ تُرِدْ لنفسها الحرية رغم تواجُد الفرص المذكورة أعلاه فلا شك أنها تجد خطراً في ذهابها إلى بلدها، ولا تريد انتهاز فرص التحرر من خطر المكوث عند رجل مسلم. فليس عند الرجل المسلم، والحالة هذه، بدٌّ من أن يتزوجها قهراً، لأنها إذا لمْ تتحرر، وَلَمْ يتزوجها المسلم جبراً أيضاً، فلابد أنها ستنشر الفاحشة في بيته وفي المجتمع؛ والإسلام لا يسمح بذلك. فإنما الفرق بين الحرائر وبين أسيرات الحرب أنه يجوز للُحرة أن تتزوج برضاها، أما الأسيرة فإنها إما تتحرر بهذه الطرق التي فتحها الإسلام لها، أو يتزوجها صاحب البيت الذي تقيم هي فيه منعاً لانتشار الفاحشة؛ وإذا ولدت منه ولداً صارت حرة.

إذاً فيجب أن لا ينخدع أحدٌ بكلمات “ما ملكت أيمانهم”، فإنها لا تعني الرق، لأن الإسلام لا يجيز الرق. إنَّ القرآن الكريم يعلن صراحة أنه لا يجوز أخذ الأسرى من قوم حتى تقع بينكم وبينهم حرب دموية. ثم إنه يأمر بإطلاق سراحهم بوسائل شتى تملكها غالباً الدولةُ الإسلامية أو الدولة الكافرة أو أقارب الأسرى أو الأسرى أنفسهم. أما إذا لم تسع الدولة الدولة المسلمة، وهي محايدة في القضية، لتفتدي المرأةَ الأسيرة، كما لم تسع لذلك لذلك الحكومة الكافرة المنحازة للأسيرة أيضاً، وَلَمْ يحاول أقارب الأسيرة الذين هم أكثر قلقاً عليها أن يفتدوها، كما لم تحاول الأسيرة نفسها لحريتها مع أنَّ المفروض أن تكون أحرصَ على شرفها من غيرها، ثم يتزوجها أحد المسلمين، فمع ذلك يبقى أمامها طريق مفتوح آخر وهو أنها إذا ولدت له ولداً تحررت تلقائياً، وليس محرماً عليها أن تخرج من قيده رغم كونها أسيرة حرب. فبالله عليك، هل تُعتبر هذه المرأة حُرة أم أسيرة؟ فأولاً قد حرّم الإسلامُ أسرها بفرض شروط شتى، ثم فتح طرقاً عدة لحريتها حنى قبل زواجها من مسلم، ثم أعلن أنها ستصبح حرة بمجرد أن تلد له ولداً بعد الزواج، وهكذا أعطى ضماناً دائماً بأنه حرام بيعها بشكل من الأشكال (المحلّى لابن حزم كتاب العتق، المسألة رقم 1683 الجزء التاسع ص 217)، فهل توجد في الدنيا امرأة حرة تتمتع بحقوق أكثر من هذه ؟

(التفسير الكبير، ج 6، ص 157، سورة المؤمنون) يمكن تحميل التفسير الكبير الجزء السادس بالضغط هنا

About الأستاذ فراس علي عبد الواحد

View all posts by الأستاذ فراس علي عبد الواحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *