أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ۚ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ ۚ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ ۚ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ – هود 18

شرح الكلمات:

إمامـاً: الإمـام: من يُؤتَـمُّ بــه، ويستعمل للمـذكر والمؤنـث، ومنه: قامـت الإمـامُ وسطهن. والإمامُ أيضا: الخيطُ يُمدّ على البناء فيُبنى؛ ما امتُثل عليه المثال. (الأقرب)

رحمة: الرحمة: رقةُ القلب وانعطاف (أي عَطْف) يقتضي التفضلَ والإحسان والمغفرة. (الأقرب)

الأحزاب: جمعُ حِزب، والحزبُ: الطائفةُ؛ جماعةُ الناس؛ جندُ الرجل وأصحابه الذين على رأيه، ومنه في القرآن (أولئك حزب الشيطن)؛ وكلُّ قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب وإن لم يلقَ بعضهم بعضاً. (الأقرب)

مِرية: المِرية: استخراجُ ما عند الفرس من الجري. والمِرية والمُرية: الشكُ؛ الجدلُ،  يقولون: ما فيه مِرية أي جدل. (الأقرب)

التفسير:

هناك حذف في الآية، والتقدير: أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد من ربه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة، كمن هو كاذب أو كمن هو ليس على بينة؟. ومثل هذا الحذف أمر شائع معروف في اللغة العربية.

تذكر الآية ثلاثة مقاييس لمعرفة صدق القرآن الكريم والرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، معلنةً أن من توفرت فيه هذه الأمور الثلاثة يستحيل أن يكون كاذباً. ذلك أن الناس ثلاثة أنواع فيما يتعلق بالحق الذي ينزل من عند الله تعالى:

  1. الذين يعيشون في زمن نزول الوحي على النبي.
  2. الذين يخاطَبون بالوحي ولكنهم يظهرون بعد وفاة النبي.
  3. الذين ظهروا في الماضي وكانوا يتوقعون نزول هذا الوحي.

والحق أنه إذا اجتمعت  الشهادات من هذه الأزمان الثلاثة على صدق أمرٍ أو وحي معين فلا يمكن أن يحوم حول صحته وصدقه أي شك، لأن الشهداء من الأزمنة الثلاثة قد أدلوا بشهادتهم على صدق ذلك الأمر وحقانيته. مع العلم أن الذين يتوقعون نزول أمر سماوي في المستقبل إنما يقوم إيمانهم به فقط على الأنباء الغيبية التي وردت عنه في الكتب السماوية السالفة. أما الذين ينزل الوحي في زمانهم فإنهم ينظرون إليه من زاويتين؛ الأولى: هل يتوفر فيه من الأدلة الداخلية ما يدل على صدقه وصحته؟ والثانية: هل يتحقق بنزوله ما ورد عنه من أنباء في كتب الأولين؟ أما الذين يظهرون بعد نزوله فتصبح مثل هذه الشهادات بالنسبة إليهم قصة قديمة تروى، فيهيئ الله لهم شهادة من نوع آخر على شكل تأثيرات ونتائج لهذا الوحي. فبالإضافة إلى الشهادتين الأوليين تكون تأثيرات الوحي بين أيديهم، فعندما يجدون أنه لا يزال يؤتي أكله بإذن ربه حتى زمانهم، يعرفون أنه لا ينفك صالحاً لهم كما كان صالحا للذين خلوا من قبل.

واعلموا أن الشهادة الذاتية الداخلية هي أفضل هذه الشهادات درجة وأهمية، لأنها تصلح للحاضر والمستقبل، كما أنها تغني عن البحث عن أدلة أخرى في الواقع.

وتأتي الشهادة بتأثيراته في المحل الثاني أهمية، لأنها ضرورية للذين يظهرون فيما بعد، ولولا هذه الشهادة لبقي صِدقه أمراً مشتبهاً ومشكوكاً فيه بالنسبة للأجيال اللاحقة. ذلك أن كون الوحي في حد ذاته وحياً حقيقياً لا يكفي كحافز للناس على العمل به، بل إنه لا بد من التدليل على أنه لا يزال صالحاً للعمل به ونافعاً في الوقت الحاضر أيضا، وليس أنه كان مجدياً في الماضي فقط، ولكنه فقد تأثيره اليوم وحل محلَّه وحي سماوي آخر نَسَخَه وألغاه. فإذا  ظهرت عليه ثمار جديدة ناضجة تَأَكَّدَ لنا أنه لا يزال نافعاً لأهل هذا العصر الحاضر كما كان نافعاً للذين كانوا من قبل.

أما شهادة الأنباء السابقة فتأتي في الدرجة الثالثة، وإن كانت تشكل دليلاً هاماً للغاية، إذ لا تنفك تمهّد لعقول الناس في كل عصر كي يؤمنوا بالحق عند نزوله، غير أنها لا تنفع إلا الذين تنكشف الحقيقة في زمانهم.

   لقد ساق الله عز وجل هنا على صدق القرآن هذه الأدلة بأنواعها الثلاثة، فقال: إنه يحمل في نفسه الشهادة الداخلية على صدقه، كما أن أنباء الكتب السماوية السابقة أيضا تتظافر على صدقه، ثم إنه سوف يؤتي أُكله كلَّ حين بإذن ربه في المستقبل بحيث لن يسع الناس إنكاره وتكذيبه في الواقع.

   والدليل الأول جـاء في قوله تعـالى (أفمن كان على بينة).. أي أن القرآن الكريـم أوالرسول الكريم الذي جاء به يحمل في نفسه أدلة ذاتية داخلية تؤكد بشكل حاسم أنه من عند الله تعالى.

وبما أن عصر القرآن الكريم كان ممتدّاً إلى يوم القيامة، فقد أصبح لزاماً عليه أن يهدي الناس إلى سواء السبيل في المستقبل البعيد أيضا، لذلك وعد الله تعالى بقوله (ويتلوه شاهد منه).. أي عندما تصبح البراهين الدالة على صدق القرآن بمرور زمن طويل قِصةً بالية في نظر أهل ذلك العصر فسوف يرسل الله من لَدُنه شاهداً ليشهد على صدقه وحقّانيته.

كما أخبر القرآن الكريم أنه بالإضافة إلى أدلته الذاتية وثماره الروحانية المستمرة، فقد سبق أن أخبر الأنبياء السابقون بنزوله حيث جاء فيه (ومِن قبله كتابُ موسى إماماً ورحمةً).. أي أن كتاب موسى الذي جاء قبله يهدي ويرشد الناس إلى صدق القرآن الكريم، وصار سبب رحمة وراحة لهم إذ سهّل عليهم معرفة صدق القرآن.

وعَقّبه بقوله (أولئك يؤمنون به).. أي أن الذين سيكون لهم كتابُ موسى إماماً ورحمة هم الذين سوف يصدّقون بالقرآن فوراً.

وقوله تعالى (ويتلوه شاهد منه) يتضمن ردّاً على من يعترضون علينا نحن المسلمين الأحمديين قائلين: لماذا لم يبعث الله هادياً من عنده طوال هذه الحقِبة التاريخية من التاريخ الإسلامي الممتد إلى ثلاثة عشر قرنا غير مؤسس جماعتكم؟ والجواب هو أن مثل هذا الشاهد الهادي إنما تمس الحاجة إليه عندما يبدأ الناس يشكون في الشريعة ويتساءلون: ما إذا كانت تلك الشريعة لا تزال صالحة للحياة أم لا؟ والواقع أنه لم تكن هناك حاجة مُلِحّة لأي مأمور كهذا من عند الله تعالى منذ بعث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى زمننا هذا، لأن القرآن لم يكن في هذه القرون الثلاثة عشر عرضةً للشكوك والشبهات بهذا الشكل المخيف الذي نراه في عصرنا هذا. لقد حاصره أهل الوساوس والشبهات من كل طرف وصوب لدرجة أن المسلمين أنفسهم أخذوا يظنون أن بعض أحكامه أصبحت غير صالحة للعمل، وأن هناك حاجة ملحة لتعديلها. ومثالاً على ذلك ما يثيره هؤلاء الناس اليوم من مطاعن حول تعاليم الإسلام عن الصلاة والصيام وقطع يد السارق والحجاب والربا وغيرها. هذا وإن أتباع المدعين الكاذبين كالبهاء والباب وغيرهما أيضا أخذوا يعلنون أن شريعة القرآن قد نُسخت وحلّت محلها الشريعة البهائية. ثم إن العلمانين أيضا أخذوا يشنون هجمات شرسة على القرآن الكريم من الناحية التاريخية والعلمية البحتة.

وبالاختصار، فإن الإسلام لم يكن قد تعرض لمثل هذا الموقف الخطير من قبل قط، ولذلك لم تكن هناك في الماضي حاجة لشاهد مأمور من عند الله تعالى.

لقد تضاربت آراء المفسرين حول هذه الآية، فقال بعضهم إن المراد من قوله (أفمن كان على بينة) هم المؤمنون، والمراد من الشاهد هو الرسول صلى الله عليه وسلم. ولكن هذا المعنى باطل ومخالف للعقل، لأن الرسول كان أولاً، ثم جاء المؤمنون به فيما بعد.

ويرى الآخرون أن الشاهد هو أبو بكر أو علي رضي الله عنهما. لكن هذا أيضا خطأ، لأن الآية تصف الشاهد أنه (منه)، بمعنى  أنه سيقف شاهداً بأمر من عند الله تعالى، ولكننا نعرف أن سيدنا أبا بكر وسيدنا عليّاً لم يدّعيا قط أن الله قد بعث أيّاً منهما شاهداً على صدق القرآن الكريم أو النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

ويقول البعض بأن هذا الشاهد هو عبد الله بن سلام رضي الله عنه. ولكن هذا القول أيضا غير سليم لنفس الأسباب المذكورة أعلاه.

الواقع أن الآية تتحدث عن بعثة الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام، إذ كان مقَدَّراً له أن ينزل من عند الله تعالى بنفس الطريقة التي نزل بها الرسول صلى الله عليه وسلم على بيّنة من ربه. وكانت الغاية من بعثته أن يقوم شاهداً على صدق الإسلام بآيات سماوية ومعجزات جديدة، في زمن سيصبح فيه صدق الإسلام وتأثيره الروحاني هدفاً  لهجوم الأعداء من شتى الطوائف ومختلف المجالات.

وأما الشهادات الواردة في كتاب موسى على صدق القرآن الكريم فهي عديدة وأهمها ما ورد في سفر التثنية (18:18).

لقد أصبح كتاب موسى عليه السلام إماماً ورحمةً على صدق القرآن الكريم كالآتي:

أولا: بذكر أنباء نزوله للناس.

ثانيا: بتوضيح منهاج النبوة أي السنة الإلهية فيما يتعلق بالنبوة.

ثالثا: بإتاحة الفرصة للمقارنة بين تعاليمه وتعاليم القرآن.

رابعا: بكونه عاملاً مساعداً لشرح أصول الشرائع والأحكام.

ولنعلم أن قوله تعالى (ويتلوه شاهد منه) إنما يبشّر بمن يأتي شاهداً على صدق القرآن، وليس بمن يعلن نسخه، كما تزعم البهائية. وإذن فإن الآية تصرّح برفض العقيدة البهائية وتقيم الحجة على أتباعها. ذلك أنهم يعترفون بصدق القرآن الكريم ولا شك، ولكنهم في الوقت نفسه يعلنون أن شريعة القرآن قد فقدت صلاحيتها في هذا العصر، وأن زعيمهم “بهاء الله” هو الموعود به في القرآن (الكواكب الدرية في مآثر البهائية ص130).

ولكن الحقيقة هي على عكس ذلك تماماً، لأن الآية تؤكد أن هذا الموعود إنما سيأتي شاهداً على صدق القرآن ومؤكداً على صحته، وعلى أنه لا يزال صالحاً وسيظل نافعاً للإنسانية إلى يوم القيامة، وليس بأنه سيأتي شاهداً على نسخه وبطلانه. فكل من يزعم أن الشريعة القرآنية منسوخة لا يمكن اعتباره موعوداً به في هذه الآية.

وأما قوله تعالى (ومن يكفُرْ به من الأحزاب فالنار موعده) فاعلم أن المراد بالأحزاب عموماً الطوائف المعارضة لأنبياء الله عليهم السلام. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم مبعوثاً إلى الدنيا كافة فالمراد بالأحزاب هنا سائر الأديان والأمم الأخرى.

وأما قوله تعالى (فلا تَكُ في مِرية منه) فليس موجهاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما إلى الآخرين. ذلك أنه سبق أن أكد الله بقوله (أولئك يؤمنون به).. وجودَ جماعة مؤمنة بالقرآن أو الرسول، وما دام الأمر هكذا فإنه من غير المعقول تماما أن تكون هذه الجماعة قد آمنت بكلام الله لما رأته من البراهين الدالة على صدقه، ومع ذلك لا يزال مَن نزل عليه الكلام السماوي بالأدلة والبراهين فريسةً للوساوس والشكوك!


التثنية 18:18: أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلاَمِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ.

About الخليفة الثاني للمسيح الموعود المصلح الموعود مرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه

View all posts by الخليفة الثاني للمسيح الموعود المصلح الموعود مرزا بشير الدين محمود أحمد رضي الله عنه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *