الاعتراض: مؤسس جماعتكم قال بنكاح الأخت

لقد قال مؤسس جماعتكم في أحد كتبه بأن حال البشر زمن آدم كان عبارة عن نكاح الأخ بأخته، وهذا يعني أنه يقول كما يقول عامة الناس حول هذا الموضوع وليس هنالك من جديد بعكس ما في التفسير الكبير الذي يطرح أفكارًا جديدة وقوية.

الرد:

قبل كل شيء نُذكَّر القارئ العزيز بأن عقيدة مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية حضرة المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام حول عمر البشرية والخلق على الأرض هي أن سيدنا آدم عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام ‏الذي قبل 6000 عام ليس أول بشر يوجد في هذه الدنيا ولم يكن قبله أحد وإنما هو في الواقع آخر الأوادم الذين عاشوا قبله في الأرض، أي أن هنالك آدم أبو النوع يتفرع منه أوادم لا حصر لهم عبر التاريخ البشري لمئات الالاف من السنين وآدم النبي المشرع قبل ستة آلاف عام، بمعنى أن البشر الأوادم الذين كانوا أنبياء أيضاً وتنزل عليهم تلك الشرائع المناسبة لأزمنتهم وجدوا قبل زمن سحيق وليس فقط ستة آلاف عام، لذا فقد نزلت الشرائع البسيطة حتى قبل آدمنا عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أي الذي سماه المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بالآدم الأخير، فقد يكون زواج المحارم في تلك الفترات قد سمحت به أو سكتت عَنْهُ الشرائع التي كانت تنزل جزئياً على أولئك الأوادم الذين عاشوا حياة البساطة في الكهوف حتى علّمهم الله تعالى بواسطة الشرائع البسيطة تلك اللغة التي غرسها في أذهانهم والإرشادات الأساسية فخرج الإنسان من رحم الكهف إلى ما يشبه التحضر، فكان يحدث هذا الحال بين الأخ وأخته دون أن تأمر به تلك الشرائع أو تمنعه. ونقتبس من كلام حضرته رداً على سؤال ما إذا كان الإسلام يوافق النصرانية على أن البشرية والدنيا عموماً بدأت قبل سبعة آلاف عام فقط ببعثة آدم عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام:

لسنا نقول بذلك، ولا نتبع التوراة في هذه القضية.. حتى نقول بما تدّعيه من أن الدنيا بدأت بخلق آدم منذ ستة أو سبعة آلاف عام، ولم يكن قبل ذلك شيء، فكأن الله عز وجل كان متعطلا! كما أننا لا ندّعي أن بني نوع الإنسان الذي يقطنون اليوم في مختلف أنحاء الأرض هم أولاد آدم هذا الأخير، بل إننا نعتقد بأن بني الإنسان كانوا موجودين قبله.. كما يتبين من كلمات القرآن الحكيم.. {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}. فلا يمكن لنا الجزم بأن سكان أستراليا وأمريكا من أولاد آدم هذا، ومن الجائز أن يكون بعض الأوادم الآخرين.” (التفسير الكبير، المجلد الأول. مقالنا المفصل من هنا: عمر البشرية عند المسيح الموعود ؑ)

وبهذا التنويه يبطل مباشرة الظن بأن المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام قصدَ من قوله حول نكاح الشقيقة تكاثر البشر أو التشريع بزواج المحارم حسب الخطأ الشائع لأن الله تعالى في الواقع لم ينزل قانوناً يسمح فيه بهذا الزواج وإنما سمح بوجوده حتى موعد نزول القانون الإلهي على نبييه عليهم السَلام. فمما لا شك فيه أن الله تعالى لا يحاسب الناس على ما كانوا يفعلوه قبل إنزال الشريعة عليهم بواسطة الرسل ووصولها إليهم على أتم وجه، ولهذا لن يحاسب اللهُ تعالى البشر قبل نزول الشريعة على الأخطاء التي كانوا يفعلونها ومنها نكاح الأخت مع أخيها وغيره مما حرّمته الشريعة الإلهية، وهذا الذي قصده المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أثناء حديثه مع قسيس نصراني ولم يقصد عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام بأن البشر بدأوا بآدم عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام وتكاثروا عبر زواج الأخ بأخته على الإطلاق كما أثبتنا أعلاه. فلا يعني رضى الله تعالى على البشر قبل الشريعة بكل الأخطاء التي كانوا يفعلونها أنها جيدة وليست حراماً، بل هذا مجرد سماح مؤقت ريثما تنضج البشرية للدرجة التي يمكنها عندها حمل الأمانة أو بعضاً منها بهدف تنظيم حياتهم والارتقاء بهم عبرها اقتداء بصفات الله تبارك وتعالى.

هذا كل ما في الموضوع خاصة وأن الحديث كله موجَّهٌ إلى قِس نصراني يعتقد بأن عمر الدنيا سبعة آلاف عام فقط وذلك في كتاب للمسيح الموعود عَلَيهِ السَلام عنوانه “الحرب المقدسة” وهو عنوان اختاره المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام نزولاً عند رغبة صحيفة مسيحية أرادت تسمية النزال بين المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام والقسيس عبد الله آثم بالحرب المقدسة بين الإسلام ممثلاً بالمسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام والقسيس عبد الله آثم، فكان لهم ما أرادوا مع الردود الدامغة. ونقتبس جزءا من كلام المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام من هذا الكتاب حول هذه الشبهة:

فليكن واضحا … أن اللهَ قدوسٌ ولكنه لا يؤاخذ أحدا دون أن ينـزل قانونه. وبالإضافة إلى ذلك يريد عز وجل أيضا ألا يشرك أحدٌ، وألا يعصي أحدٌ أمره وألا ينكر أحد وجوده. أما المعاصي الأخرى فلا يعدُها معصية حقيقية دون إنزال الأحكام. لاحِظوا أن الله تعالى رضي في زمن آدم عليه السلام بأن يُعقد نكاح الشقيقة مع شقيقها. وكذلك رضي في مختلف الأزمنة أن يشرب فيها الناس الخمور ثم منع شربها في أزمنة أخرى. ورضي أحيانا بالطلاق ومنعه أحيانا أخرى، ورضي بالانتقام تارة ومنعه تارة أخرى. هذا فيما يتعلق بالبشر. أما إذا بحثنا الأمر نفسه في الحيوانات الأخرى فلا تمييز فيها بين الأم والأخت وغيرهما بل كلها سواسية وتحدث في عالَـم الحيوانات كل الأمور أمام أعين الله ويولد الأولاد أيضا. فيتبين من ذلك أنه لا مؤاخذة قبل نزول الكتاب.” (الحرب المقدسة)

إذن، كما قلنا فقََدْ كان قصد المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام هو ما كان يفعله البشر قبل نزول الشريعة الإلهية، وهنا يؤكد حضرته على أن الطبيعة البشرية لوحدها تأبى الاقتراب من الخطأ مثل إتيان الأخت أو الأم وما إلى ذلك بسبب فطرة الإنسان النقية التي يولد بها مع أنه يخرقها لاحقاً بعد أن تتلوث فطرته وتفقد نقائها فيصبح كالسباع التي لا تعقل، فيقول عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام:

والحقّ أن الله تعالى لا يرضى بالسيئة ولا يرضى بالكفر، هذا ما لا ينكره أحد. ولكن الجرائم تُعدّ جرائم حين يَعُدها القانونُ هكذا وإلا فقد ارتُكبت في الدنيا مئات من الأمور غير المشروعة ولا تزال تُرتكَب، فكيف يمكن أن تُعدّ جرائم إذا كانت خارج كتاب الله؟ فكما يرتكب الإنسان القتلَ وسفك الدماء، كذلك ترتكبه السباع فمثلا يملأ الأسد بطنه بسفك الدم دائما. الإنسان لا يقرب أمه وأخته وغيرها من القريبات من هذا القبيل في أمور النكاح والزواج ولكن هذا الاهتمام لا يلاحَظ في الدواب.” (الحرب المقدسة)

بل إنَّ المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أثبت بكل وضوح أن القول بزواج الأخ من شقيقته في زمن آدم عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام الذي هو النبي الأخير الذي كان قبل 6000 سنة ليس بالصحيح وإنما كان يتم بتزويج بنات العم والخالة من بعضهم فقط. يقول عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام:

يقول بعض الهندوس بسبب عدم علمهم بأنه ورد في الأحاديث أن آدم عليه السلام زوّجَ أبناءه ببناته بالضرورة. فهل هذه العملية أشرف من عملية “نيوك”(مصطلح “نيوك” يطلقه الهندوس على على عملية سماح الرجل لزوجته بمضاجعة رجل آخر لتنجب الأولاد). فليعلم هؤلاء الهندوس أنه لا نصَ في القرآن ولا في أحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم حوله وإلا فليعرضوا ذلك لنا. مِن الصحيح أنه ورَدَ عن بعض المسلمين أن في زمن آدم عليه السلام، حيث لم يكن هناك بشر آخر، جعل الله زوجته حواء تنجب دائماً ذكراً وأنثى بشكل توأم وأن آدم عليه السلام كان يزوِّج جارية هذا البطن بغلام البطن الآخر، لكن مؤيدي هذا الاعتقاد لَمْ يقدروا على تقديم نَصٍّ له من القرآن ولا أحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لذا فالاعتقاد هذا مردود … ونحن أيضاً لا نؤمن بهذه المعتقدات، ومن عدم الحياء والعدل أن تعرض لنا هذه المعتقدات التي لا وجودَ لها في القرآن ولا في الأحاديث ولا في عمل المسلمين.” (آريه دهرم، الخزائن الروحانية ج 10، ص 39، الهامش)

بعد بيان المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام يتضح بجلاء أن هذه الشبهة ما هي في الحقيقة إلا زوبعة في فنجان سرعان ما تخمد فترتشف قهوتك في هدوء وروية. فالمسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام ردَّ بهذا الجواب الصريح على عقيدة التنصير التي مؤداها تجريم الأطفال حديثي الولادة بذريعة خطيئة آدم الموروثة بسبب تلفيقهم عقيدة تسيء إلى الفطرة الصالحة التي خلقها الله تعالى في الإنسان والتي تأبى المحارم والرجس بكافة صوره وبَيَّنَ عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام أن الإسلام لا يوافق هذه العقيدة وأن الله تعالى لا يحاسب أحداً إلا بعد إتمام الحجة ونزول القانون الإلهي وظلّ يرسل النبيين عليهم السَلام عبر العصور لإصلاح حال الناس حتى نزول الشريعة الكاملة القُرآن الكَرِيم. وبالمناسبة فالمقتبس الذي نقلناه من كلام المسيح الموعود عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام كان من “التفسير الكبير” مما ينفي حدوث أي تعارض مزعوم بين كلام المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام والتفسير الكبير بل الحقيقة أن التفسير الكبير يستند على كلام المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بعد القُرآن الكَرِيم والحديث الشريف.

فالخلاصة حول قول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام كما هو واضح في المنشور أن هنالك أوادم كثر وهم أنبياء أيضاً ويسمون بآدم الأول وهنالك آدم الثاني أو الأخير وهو الذي جاء قبل ستة آلاف عام وهذا ليس هو المقصود في النَصّ بل آدم الأول أي مجموع الأوادم أو أحدهم عَلَيهِم الصَلاة وَالسَلام.

وإلى تحطيم المزيد من شبهات المعترضين هذه نختتم قولنا بحمد الله تعالى والصلاة على خاتم النبيين سيد ولد آدم مُحَمَّد المصطفى وَعَلَى آلِه وأتمّ التسليم


لتحميل كتاب الحرب المقدسة من هنا!

About الأستاذ فراس علي عبد الواحد

View all posts by الأستاذ فراس علي عبد الواحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.