الخطاب الذي ألقاه أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز

الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام

يوم 8/09/2018

في خيمة النساء بمناسبة الجلسة السنوية في كالسروي بألمانيا

*****

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين، آمين.

العالم المعاصر لا يهتم كثيرا بالدين ولا بمعرفة تاريخه. ويُظَنّ بوجه عام أن الرجل فقط حائز على الأهمية في العالم الديني وفي تاريخه، ولا أهمية للنساء. هذا ما يشيعه كثيرا بعض من معاندي الإسلام أو الذين يعاندون الدين بوجه عام. وطالما يُعترض على الإسلام بأن للسيدات مكانة ثانوية فيه. ويُعدّ دورهن وتضحياتهن في الدرجة الثانية مقارنة مع الرجال، ويُثنى على دور الرجال وأعمالهم دائما، ولا تُعطى لدور النساء وأعمالهن أهمية مثل أعمال الرجال. ولكن عندما نفحص ما إذا كان الدين، وخاصة الإسلام، يَعُدّ خدمات المرأة للدين ودورها في تقدّمه وتضحياتها في سبيله أقل درجة من خدمات الرجال ودورهم، نجد الجواب بالنفي. هذا ما تعرفه كل سيدة ذات علم ومعرفة. الكتاب الذي يؤمن ويوقن المسلم بشهادته أكثر من غيره عن الحقائق التاريخية والعلمية والعملية هو القرآن الكريم. والأحداث والقصص المذكورة فيه مبنية على الحقائق. ويتبين لنا من القرآن الكريم أن المرأة تحتل مكانة مرموقة في تاريخ الأديان، وقد ذكر الله تعالى أعمال النساء المحمودة وشهد عليها. وبناء على تلك الأعمال المحمودة والهامة عُدّت المرأة مستحقة للأجر والثواب الذي يستحقه الرجال. ثم هناك أوامر النبي ﷺ وإرشاداته التي تلقي ضوءا على مكانة النساء ودورهن التاريخي. كذلك يشهد تاريخ الجماعة الإسلامية الأحمدية على أهمية دور المرأة وتضحياتها. ونرى أن سجل تاريخ الأديان، ولا سيما الإسلامُ، الذي سجل تضحيات الرجال في سبيل الدين ودورهم الهام بهذا الشأن، لم يقلل من شأن تضحيات النساء ودورهن بل حافظ عليها. بل الحق أنه لو فحصنا الأمر بدقة لوجدنا أن الإسلام قد بدأ بتضحيات المرأة. فكما يعلم كل مسلم أن الله تعالى أسس الإسلام بسيدنا إسماعيل ﷻ، وقد جُعلت المرأة شريكة في هذا الأساس. وهذا الذكر موجود في القرآن الكريم وجاء بالتفصيل في الأحاديث أن الله تعالى أرى إبراهيمَ ﷻ في الرؤيا أنه يذبح ابنه الوحيد. كان إسماعيل ﷻ بكرا وحيدا لإبراهيم ﷻ إلى عدة سنين، إذ قد وُلد إسحاق ﷻ بعد ذلك.

كان إسماعيل ﷻ قد بلغ بضع سنوات من عمره حين رأى إبراهيمُ ﷻ الرؤيا المذكورة، ثم سردها لإسماعيل ﷻ قائلا: (إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) في ذلك الزمن كان الناس يقدمون قرابين بشرية لإرضاء الأوثان. وكان ذبح الأبناء بوجه خاص يُعَدّ تضحية عظيمة، لذلك خطر ببال إبراهيم ﷻ أنه ما دامت عادة لتقديم القرابين البشرية للأوثان جارية، لذا فإن رؤيايَ تعني أن أذبح ابني لوجه الله، وهذا ما يريده الله مني. عندما قصَّ إبراهيم لإسماعيل عليهما السلام رؤياه كما ورد في القرآن الكريم، قال إسماعيل ﷻ: (افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ). فذهب به إبراهيم إلى الفلاة وتلّه للجبين للذبح حتى لا تتوقف يده من ذلك نظرا إلى تألّم ابنه. عندها أوحى الله إلى إبراهيم كما جاء في القرآن الكريم: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا) أي ما دمتَ قد استعددتَ لذبح ابنك فقد صدّقتَ الرؤيا، وإن استعدادك لذبح الابن يوحي بأنك تستطيع أن تذبحه عمليا أيضا، ولكننا نأمرك ألا تذبحه. وكأن الله تعالى قال بأننا نُنهي من اليوم عادة تقديم القرابين البشرية لأن هذه العادة ليست صحيحة، بل سوف تبدأ من الآن أساليب جديدة لتقديم التضحيات في سبيله ﷻ، وهي أسمى وأرفع بكثير من الأسلوب السائد حاليا وستكون دائمة. ثم ألهم الله تعالى إبراهيم أن يترك السيدة هاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام في مكان ما، حيث تقع مكة اليوم، ولم تكن حوله مناطق مأهولة إلى عدة أميال. أخذ إبراهيم ﷻ قِربة ماء وخُرْجًا به تمر وسلّمهما إليهما وعاد تاركا إياهما في ذلك المكان. وبذلك بدأت سلسلة القرابين الدائمة التي أمر الله تعالى بتقديمها مانعا القرابين البشرية. الحق أن الرؤيا حَوَتْ ذكر هذا النوع من التضحية ولم تذكر الذبح بالسكين، وكان المراد أن يتركهما في مكان لا طعام فيه ولا ماء، وهذا العمل كان بمنـزلة الذبح.

عندما رجع إبراهيم ﷻ ثار في قلبه حب الزوجة والابن فالتفت إليها بعد بضع خطوات وتوقف قليلا ينظر إليهما، فكان يمشي بضع خطوات ثم يتوقف وينظر إليهما، وفعل ذلك بضع مرات. كانت السيدة هاجر تملك بصيرة ثاقبة فعلمت أن إبراهيم لا يتركهما لأمر بسيط، ولا هو ذاهب بحثا عن مكان آخر، بل لا بد أن هناك أمرا آخر وسرا يخفيه عنهما. فلحقت به وقالت: هل أنت تاركنا وحدَنا؟! فلم يردّ عليها إبراهيم، فظلت هاجر عليها السلام تكرر سؤالها ولكن إبراهيم لزم الصمت ولم يردّ. ففهمتْ أنه لا يرد بسبب شدة العواطف والألم في قلبه، فقالت في نهاية المطاف: يا إبراهيم: بأمر مَن تتركنا هنا؟ لم يستطيع إبراهيم أن ينبس ببنت شفة لجَيَشان عواطفه، غير أنه أشار إلى السماء. فقالت: فإنه لن يضيعنا. أي إن كنت تاركنا هنا بأمر الله تعالى فلا داعي للقلق لأنه لن يضيعنا إذًا. قالت ذلك ورجعت. هذا كان مستوى إيمانها. بعد بضعة أيام انتهى ذلك القدر اليسير من الماء والتمر، بينما كان إسماعيل ﷻ يطلب الطعام والشراب، ولكن من أين تأتي بهما هاجر عليه السلام؟! إذ لم تكن هناك منطقة مأهولة إلى عدة أميال، حتى بدأ إسماعيل عليه السلام يُغشى عليه من شدة الجوع والعطش. فكلما أفاق طلب الماء وأصابه الغشي مرة أخرى. كانت الأمّ تنظر إلى حال ابنها وتركض مضطربة وقلقة بين الجبلين، الصفا والمروة، بحثا عن الماء أو قافلةٍ قد تمر بالقرب منهما فتجد الماء عندهم. كانت تصعد الصفا ولا تجد شيئا ثم تعدو إلى المروة. كان السبب وراء ركضها وصعودها إلى الجبلين أنها ما كانت قادرة على رؤية إسماعيل ﷻ في مكان منخفض بينهما. فكانت تصعد إلى جبل قلقة لتراه من التلة. عندما طافت بهما سبع مرات ناداها الملاك أن اذهبي يا هاجر إلى ولدك فإن الله تعالى قد هيأ له الماء. فجاءته ووجدته مضطربا ووجدت أيضا عينا متدفقة، فبدأت القوافل تنـزل هنالك بسبب وجود الماء، وهكذا تأسست مكة.

وحين أسس إبراهيم ﷻ مكة من جديد، دعا الله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) أي أن الهدف من وراء تأسيس مكة كانت بعثة النبي ﷺ، وقد اشترك في تأسيسها رجل وامرأة. فلو لم تتوكل هاجر عليها السلام على الله تعالى ولم تُعِدَّ الابن لتقديم التضحية لما نالت المكانة التي يكنّها لها كل مسلم في قلبه.

ثم يذكر القرآن الكريم أمّ موسى ﷻ التي بشّرها الله تعالى بولادة الابن، وأخبرها أيضا أن فرعون عدو لكم فسيحاول قتله. لذا (اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ) ففعلت ذلك تماما لِمَا كان في قلبها من الورع والبرّ والتقوى والتوكل على الله تعالى ولم تخش غرق ابنها في البحر، ولم تفكر إلى أين يمكن أن يتوجه التابوت، أو في احتمال أن يأكله حيوان. إن إنقاذه من فرعون ممكن، ولكن لم تكن هناك إمكانية لبقائه على قيد الحياة بعد أن أُلقي في اليم. ولكن أمّ موسى كانت متوكلة على الله تعالى توكلا كاملا، لذا عملت بأمره ﷻ فورا. هذه الخطوة كانت شجاعة جدا، إذ قد قذفت ابنها في اليم بناء على الرؤيا فقط، قد لا تقوم بها حتى امرأة واحدة من بين بلايين النساء، بل لعل شخصا واحدة في عدة أجيال يستطيع أن يقدم تضحية قدمتها أمّ موسى، وببركة هذه التضحية نجا موسى ﷻ.

وفي قصة موسى ﷻ تُذكر تضحية سيدة أخرى أيضا، كانت امرأة فرعون التي التقطت الطفل من البحر وأقنعت فرعون بشكل من الأشكال بتربيته في البيت. كانت امرأة فرعون أيضا تدعو الله ﷻ دائما أن يزيل ظلمة الشرك من الدنيا ويقيم الصدق.

انظروا الآن، إنها كانت امرأة مَلِكٍ وتتمتع بكل نوع من الراحة والرفاهية، وتعيش مع فرعون الذي كان يتحدى الله تعالى. ولكن الله تعالى، بسبب فطرتها الطيبة وشجاعتها وعلاقتها به ﷻ، كان قد خلق في قلبها حماسا لإقامة ملكوت الله الواحد على الرغم من تلك الظروف، نابذة كل شيء وراء ظهرها. فأثنى الله تعالى على عملها هذا وسجل ذكرها في القرآن الكريم.

إذًا، فقد لعبت هاتان الامرأتان دورا في تأسيس دينٍ.

كذلك قدّمت أمّ عيسى ﷻ أيضا تضحيات عظيمة، منها أنها رأت بكل شجاعة، ابنها يُعلَّق على الصليب. لعله من النادر أن تكون هناك سيدة تستطيع أن تصبر على مشهد كهذا كأم عيسى ﷻ، وتكون مستعدة للتضحية. باختصار، لقد حافظ تاريخ الأديان على مكانة المرأة وتضحياتها.

ثم نرى في تاريخ الإسلام أن السيدة خديجة رضي الله عنها رافقت النبي ﷺ على مدى 13 عاما منذ إعلانه النبوة بعد تلقيه أول وحيٍ، وظلت وفية ومخلصة له ﷺ حتى أثناء المعارضة المريرة التي لقيها ﷺ. فهذه السيدة الغنية لم تكتفِ بتسليم ثروتها كلها إلى زوجها بل ظلت تقدم التضحيات أيضا بتحملها شدة الجوع والعطش في فترة قاسية جدا قضاها ﷺ في شعب أبي طالب. وهذه التضحية استمرت إلى ما يقارب سنتين ونصف أو ثلاث سنين. كذلك مرت السيدات المسلمات الأخريات أيضا بهذه الفترة القاسية والمقلقة فسجل التاريخ تضحياتهن.

إذا كان الأمر يتعلق بالعلم والمعرفة فلم يحدث أن تُركت المرأة جاهلة وعُدّ الرجل فقط ذو علم ومعرفة، بل قد سجل تاريخ الإسلام قصص علم المرأة ومعرفتها. فمثلا قال النبي ﷺ عن عائشة: خذوا نصف دينكم من عائشة. فنرى أن هناك روايات كثيرة تتحدث عن قضايا نسائية روتها السيدة عائشة رضي الله عنها. وإضافة إلى ذلك قامت بتربية الرجال أيضا. اقرأوا القرآن تجدوا فيه بكثرة ذكر النساء والرجال معا في بيان المسائل والأحكام والإنعامات.

فإذا عُدّ الرجال صالحين فقد عُدّت النساء أيضا صالحات، وإذا ذُكرت عبادة الرجال، فقد وُصفت النساء أيضا بالعابدات، وإذا ذُكر دخول الرجال الجنةَ فقد ذُكر إلى جانب ذلك دخول النساء أيضا الجنةَ، وإذا كان الرجال سيحتلون مكانة عالية في الجنة فستحتلها النساء أيضا. وإذا أمكن أن تدخل زوجةُ المرء الأقلِ صلاحا منه الجنةَ فأمكن أن يدخل زوجُ امرأةٍ صالحة -الأقل صلاحا منها- الجنةَ بسبب كسبها الحسنات من الدرجة العليا. إذا كان الرجال يستطيعون أن يحتلوا مكانة عليا في الجنة بسبب حسناتهم، كما قلت من قبل فإن النساء أيضا يستطعن احتلالها مثل الرجال تماما بسبب حسناتهن.

وقد جاء في رواية أن امرأة جاءت إلى النبيّ ﷺ وقالت ما مفاده: هل الرجال أقرب إلى الله منا بحيث يسمح لهم بالاشتراك في الجهاد دوننا؟! فلم يمنعها النبي ﷺ بل قال: حسنا، اشتركي فيه أنتِ أيضا، فاشتركت في القتال. كان الانتصار في القتال في نصيب المؤمنين، وعندما جاء وقت تقسيم الغنائم قال بعض الصحابة: إنها لم تساهم في القتال بقدر ما ساهمنا فيه ولم تقاتل مثلنا، فلا داعي لأن تُعطى نصيبا من الغنائم، ولكن النبي ﷺ لم يقبل ذلك وقال أنها سوف تُعطَى نصيبا منها. ثم صارت بعد اشتراكها في القتال عادة أنه كلما خرج الرجال للقتال خرجت معهم النساء أيضا لمعالجة الجرحى.

باختصار، لقد اشتركت النساء أيضا في الجهاد، فكنّ يخرجن مع الرجال لأداء مسؤوليات مختلفة في ميدان الجهاد على الرغم من الأخطار الكثيرة. بل ورد في بعض الروايات أن النساء تدرَّبن على فنون القتال واضعات في البال أن عليهن أن يكُنّ مستعدات لتقديم كل تضحية، وكان الدين يحتل الأولوية عندهن، ولم يُعِرن الرغبات الدنيوية أيّ اهتمام.

فإذا كنا ندّعي اليوم أننا سننشر تعليم الإسلام في كل مكان في العالم فلا بد من التضحية برغباتنا الشخصية. فعليكن أن تخلقن في قلوب أزواجكنّ وأولادكن أن الأولوية هي للدين ولرضا الله تعالى دائما، وأن حب الله ورسوله يفوق كل شيء، ودور أي حبّ آخر يأتي بعدهما.

نقرأ في التاريخ قصة سيدة كانت تقدم حب الله تعالى وحب رسوله على حب زوجها. وقد حفظ التاريخ قصتها لأنه قد أُشيد بتضحيتها. وبيان ذلك أن خبرا وصل إلى رسول الله ﷺ أن الجيش الرومي قادم لغزو جزيرة العرب. كان مَثل قوة سلطنة روم في تلك الأيام مقابل بلاد العرب كمثل قوة أميركا أو بلد قوي آخر مقابل أية دولة ضعيفة في أيامنا هذه. فلما وصل الخبر أن سلطنة كبيرة وقوية قادمة مع جيشها للغزو، قرّر النبي ﷺ أن يقابل جيش الروم في الخارج قبل أن يهاجموا المسلمين. فخرج ﷺ مع جيش يقارب عشرة آلاف أو اثني عشر ألفا لمواجهة جيش الروم  الذي كان يُعدُّ بمئات الآلاف. ولكن لما كان النبي ﷺ متوكلا على الله تعالى فرأى أن جيشا عدده يقارب عشرة آلاف أو اثني عشر ألفا يكفي لهذه المواجهة. علما أن هذا كل ما كان المسلمون يملكونه. فأمر ﷺ جميع المؤمنين المخلصين بالاشتراك في القتال. وكان ﷺ قد أرسل من قبل صحابيا خارجَ المدينة لأمر ما، فلم يكن في المدينة حينذاك، وبالتالي لم يكن ممكنا له الاشتراك في هذا القتال. عندما عاد الصحابي إلى المدينة كان النبي ﷺ قد خرج منها، ولم يعلم الصحابي تفاصيل سفره ﷺ إلا أنه قد خرج للجهاد. ذهب الصحابي إلى بيته وبدأ يغازل زوجته، ولكنها أبعدته وقالت: عليك أن تستحيي فإن رسول الله ﷺ خرج للجهاد وأنت تغازل زوجتك في البيت. فتركت كلماتها هذه تأثيرا عميقا في الصحابي المذكور فركب فرسه وخرج ليلحق رسولَ الله ﷺ. بهذه المناسبة كانت المقارنة بين حب الزوج وحب الله تعالى. لا شك أن الصحابية المذكورة كانت تحب زوجها أيضا لأن الصحابيات كلهن كنّ مخلصات ومحبات جدا لأزواجهن، ولكن عندما علمت الصحابية المذكورة أن رسول الله ﷺ يعاني من الألم وزوجها في راحة مع زوجته لم تستطع تحمل هذا الوضع.

إن تاريخ الإسلام زاخر بأحداث التضحية بالعواطف والروح والأولاد، وقد ذكرتُ بعض الأحداث في خُطب الجمعة وكيف أنهن قلن لا نبالي بأولادنا ولا بإخوتنا وإنما نقلق على النبي ﷺ فقط. لم يحفظ تاريخ الإسلام أحداث كبار الناس فقط بل حفظ تضحيات الفقراء وعديمي الحيلة أيضا، مثلا: كانت صحابيةٌ تدعى لبيبة وهي مولاة من بني عدي، كان عمر بن الخطاب قبل أن يسلم يعذبها حتى يفتر ثم يدعها ويقول والله ما أدعك إلا سآمة، فتقول كذلك يفعل بك ربك إن لم تُسلم. هذا كان توكُّلها على الله تعالى. ثم كانت زِنِّيْرَةٌ مولاةَ بني مخزوم، وكان أبو جهل يعذبها فضربها في وجهها حتى ذهب بصرها. كذلك أم عمار سمية التي كانت مُسنةً، طعنها أبو جهل في قُبُلها بحربة في يده بسبب عدائه للإسلام حتى خرجت من بطنها مما أدى إلى  استشهادها.

باختصار، هناك أحداث كثيرة لتضحيات النساء المسلمات، لماذا حُفظت هذه الأحداث؟ لكي يطّلع الآتون فيما بعد على تاريخهم ويعرفوا أنه لا بد من التضحيات لوجه الله ولعظمة دينه، وأنّ الأمم إنما تنشأ بتضحيات يقدمها الرجال والنساء، ولا تنشأ الأمم بمجرد تضحيات الرجال وحدهم ولا تضحيات النساء وحدهن، بل لا بد من تضحية كلا الجنسَين، لأن تضحية كليهما تُقيم عظمة دين الله تعالى، فكلا الجنسين يلعبان دورهما. ونحن الأحمديين محظوظون لأننا آمنا بالمسيح الموعود ﷻ الذي بعثه الله تعالى في هذا الزمن الذي هو زمن إحياء الإسلام ونشر تعاليمه الجميلة في العالم، وحين أعلن حضرته دعواه عارضه المسلمون وغير المسلمين جميعا، وأفتى مشايخُ المسلمين بقتله وقتلِ جماعته قائلين: إنه ﷻ أولا ادَّعى النبوةَ، الأمر الذي لا نقبله أبدا، وثانيا نسَخ الجهاد بالسيف في هذا الزمن. فبيَّن حضرته ﷻ بكل وضوح أنه قام بدعوى النبوة غير التشريعية في تبعية الرسول ﷺ، ولما ادَّعى النبوة فإنما ادَّعى بصفته نبيًّا خادما للنبي ﷺ وغيرَ مشرِّعٍ لنشر الشريعة المحمدية ولغلبة تعليم الإسلام في الدنيا كلها، وقد سمّى النبي ﷺ نفسُه المسيحَ الموعود نبي الله، كذلك تصور الجهاد الذي تُقدِّمونه أنتم لا يتطلبه هذا الزمن لأن اليوم يُهاجَم الإسلامُ بالكتب المعارِضة وبوسائل أخرى، ويجب أن تستخدموا الوسائل نفسها وتُخبروا العالم بتعاليم الإسلام الجميلة. وقد قال النبي ﷺ أيضا عن المسيح الموعود أنه سيضع الحرب، لذا فالجهاد سيتم اليوم بتبليغ الدعوة وبالكتب وبوسائل الإعلام الأخرى، وثمة حاجة إلى أن يشترك فيه الرجال والنساء كلاهما ولكن لا يقبله المشايخ المزعومون ولذلك ظلموا الأحمديين فاضطُر الأحمديون إلى التضحية بأنفسهم. وضحّت النساء أيضا بجانب الرجال بأرواحهن وبعواطفهن وأولادهن وبأموالهن لنشر الدين لكي تصل العالَم تعاليمُ الإسلام الجميلة التي تعلَّمناها من المسيح الموعود ﷻ، كانت نتيجة تضحيات النساء بالإضافة إلى تضحيات الرجال أن قد بلغت رسالة الأحمدية أيْ الإسلام الحقيقي أكثر من 210 دولة.

اليوم إذا كان الإسلام معروفا بكونه دين الأمن فذلك بسبب الأحمدية، فأنتن اللواتي تجلسن أمامي عليكن أن تتذكرْن أن مجيئكن إلى هنا هو بسبب تضحية الأحمديين من الرجال والنساء، ونشْرَ دعوة الأحمدية في العالم أيضا بسبب تضحية الأحمديين من الرجال والنساء، وخاصةً في البلاد التي يُظلَم فيها الأحمديون، التي قدّم الرجال والنساء كلاهما تضحيات، إن هجرتكن إلى هذه البلاد هي بسبب تضحية تلك المضحيات اللاتي حافظن على دينهن، وسلسلة التضحيات هذه مستمرة إلى يومنا هذا، وبعض تضحيات النساء تُذكِّرنا بتضحيات القرون الأولى، وسأقدم بعض النماذج لتضحيات النساء التي يستغرب المرء برؤيتها، وهذه السلسة مستمرة ليس في باكستان فقط بل في مختلف الأماكن في العالم، حيث ضربت النساء الأحمديات نماذج تقديم الدين على الدنيا دون الاكتراث بأُسرهن وأولادهن في سبيل الدين.

وهناك أمثلة للتضحية بالأرواح، مثلا كانت في باكستان الدكتورة نورين التي لم تبلغ من عمرها إلا 28 عاما وكان زوجها الدكتور شيراز البالغ 37 عاما من عمره، وكلاهما كانا خبيرين في اختصاصهما الطبي، وقُتلا خنقا في ملتان لمجرد إيمانهما بإمام الزمان ﷻ. ثم في 2010 حين شُن هجوم على مسجدَي الجماعة في دار الذكر في وسط المدينة بلاهور واستُشهد عدد كبير من الأحمديين وكان بينهم الأولاد الشباب أيضا، فكانت ردود أمهاتهم أنهن مستعدات للتضحية بكل شيء، وقالت إحدى الأمهات: إنني نقلتُ ابني الشاب من حضني إلى حضن الله تعالى. وكان لوالدين ابنٌ واحد وثلاث بنات وكان الابن يدرس في كلية الطب، وحين استُشهد قال والداه: نحن أيضا مستعدون لنفدي الجماعة بأنفسنا. وفي 2011 هاجم الأعداء بيتا للأحمديين في مدينة لَيَّهْ وقتلوا امرأةً أحمدية اسمها مريم خاتون ضربا بمجرفة، والظلم الآخر أن الدوائر الحكومية آنذاك ساعدت الـمُتَّهَمين لأن قانون باكستان يُبرئ المجرمين لو قتلوا أحمديين. ولا تقتصر هذه المظالم على الأحمديين في باكستان. إذا كان الأحمديون يواجهون المظالم في باكستان فنتيجتها أنْ خرج كثير منهم إلى بلاد أخرى وقد تحسنت ظروفهم بفضل الله تعالى وأنتن اللواتي تجلسن أمامي قد أتيتن إلى هنا، ويجب أن تشكُرْن الله تعالى على أنه ﷻ قد حسّن أحوالكن وتأكلن أثمار تضحيات أولئك المضحِّيات كما يأكلها أزواجكن وأولادكن، فيجب أن تزدْن تضحيات وتسعيْن للإيفاء بعهدكن من خلال تقديم الدين على الدنيا، ولا تنغمسْن في لمعان الدنيا وزخرفها ووتتورطن فيها بحيث تنسَين الدين.

وينبغي أن تتذكرن أن أعداء الجماعة لا يظلمون الأحمديين في باكستان فقط، بل في أماكن أخرى أيضا في العالم يتعرض الأحمديون للمظالم لأحمديتهم، إلا أن قانون البلد في باكستان يعين الظالمين مما ترك رجال الدين المزعومين مطلقي العنان. ولكن تَرِدُ إليَّ من بلاد أخرى أيضا أحوال المضحِّين من أجل الدين، ولا بد أن نحفظ هذه الأحداث أيضا في تاريخنا لكي يعلم الأحمديون اليوم وفي المستقبل أن النساء الأحمديات أيضا قدّمن تضحيات كثيرة لازدهار الجماعة وأنّ للنساء الأحمديات دورًا في رقي الجماعة في العالم.

إن النساء الأحمديات حافظن على إيمانهن، ولكنهن لم يخضعن للمعارضين، ومن هذه المضحيات نجد أحمدية في تاريخ الجماعة اسمها العمة “سيد”، بايعت في 1946 في زمن المصلح الموعود ؓ بعد رؤية صورته ؓ. وكانت تبلغ من عمرها ثمانين عاما آنذاك، وكانت أرملة وبلا ذرية، وكانت تُدرّس أولاد القرية القرآن الكريم وكان عدد كبير من الأولاد يتعلمون منها، وما إن بايعت منع الناس أولادهم من أن يتعلموا منها، وقالوا إنك الآن أصبحتِ كافرةً لذا لن نرسل أولادنا إليك لقراءة القرآن، فأصبحت بلا سند في قريتها، وحين ذاع خبر أحمديتها وعلم أخوها المدعو وزير علي شاه ذهب بها إلى بيته في “رن مل شريف” بمحافظة غجرات وحبسها في غرفة ومنع عنها الطعام والشراب، فانتقلت إلى رحمة الله جوعا وعطشا بعد الفاقة لأيام، ولكنها ما اشتكت وما صاحت وما احتجت كما لم تتخلَّ عن الأحمدية، وقالت سأموت جوعا وعطشا ولكن لن أترك الأحمدية. هذه هي تضحية أولئك النساء.

ثم كتب عن تضحية امرأة هندية مسؤولُ منطقةِ “مَهارَاشْـتَر” من مدينة “شُعْلَه بُوْر” أن في قرية “أود” التي تبعد 35 كيلومترا عن مدينة شعله بور استخدم أعداء الجماعة وسائل متعددة لـيُرغموا الأحمديين على الرجوع عن الأحمدية وسلبوا عقارهم وأرضهم وقاطعوهم اجتماعيا فارتد الذين كانوا ضعفاء الإيمان وأما الصادقون في الإيمان فثبتوا، منهم أمرأة أرملة اسمها السيدة عظمة بِيـِبي، والتي كانت تعيش على عمل بسيط فحرموها من العمل فافتقرت فقصدت إخوتها لطلب المساعدة وإخوتها أيضا كانوا من أشد معارضي الجماعة فقالوا لو تبتِ عن الأحمدية ما قصّرنا في مساعدتك، ولكنها قالت سأموت جوعا وعطشا ولكنني لن أكفر بنعمة الأحمدية التي حظيتُ بها، فأنزل الله تعالى عليها من فضله وهيأ لها أسباب الرزق من الغيب، فنالت المعونة الحكومية التي تُعطيها الحكومة الأرامل والتي كانت متوقفة منذ مدة طويلة فانفرج ضيقُها المالي بسبب المعونة الحكومية، وهكذا أنزل الله تعالى فضله عليها.

ثم كتب مسؤول إقليم البنغال في الهند أن امرأة تُدعى السيدة فضيلة بيـبي زوجة السيد قيام الدين قبلت الأحمدية في البنغال فلقيت إيذاء شديدا من قِبل أقاربها ومعارضي الجماعة، كانت تسكن في قرية ولها بعض المواشي، لقد هدم المعارضون منـزلها ونهبوا مواشيها كلها، وكذلك ضربوا يدها كثيرا حتى كُسِرَت، وعلى الرغم من كل هذه المعارضة والظلم لم تترك الأحمدية وثبتت على إيمانها وتحملت كل أذى، فأكرمها الله تعالى بفضله إذ أهان وأذل أمامها كلَّ مَن ظلمها من المعارضين وأزال فقرها وشفى يدها التي كان الأعداء كسروها، وبفضل الله تعالى عادت صحتها وتحسنت حالتها المادية أيضا.

ثم كتب أمير الجماعة في بنغلاديش عن تضحية امرأة من قرية “خودروبارا” ببنغلاديش تُدعَى السيدة ثمينة التي قبلت الأحمدية فضربها زوجها حتى سقطت على الأرض مغشيًّا عليها طول الليل، ثم طردها زوجها من المنـزل، كان لها ولدٌ تُوفي في الصغر فعاشت وحدها قرابة 35 عاما ولكنها لم تترك الأحمديةَ، كانت أمية فتعلمت في هذه الفترة اللغة البنغالية بجهد شخصي حتى تفهم القرآن الكريم كما حفظت عن ظهر الغيب كثيرا من الأدعية المسنونة مع الترجمة، ثم كانت تُدرِّس الأطفال وتعقد برامج مختلفة في الجماعة المحلية، وكانت تستبق الخيرات وتُكرم الضيوف، لم تكن في جماعتها داعية محليًّا فكانت تسد هذا النقص بغاية الاهتمام والمسؤولية، توفيت في أيار 2011م. كانت الحكومة قد أعطتها منـزلا فوهبته للجماعة قبل وفاتها.

لا تقتصر تضحيات النساء هذه على الدول الفقيرة فحسب بل اللواتي يُقمن في الدول المتقدمة هن أيضا يُقدمن تضحيات من أجل الجماعة، وأذكر بعضهن اللواتي بعد قبولهن الأحمدية لم يتبعن تعاليم الإسلام فقط أو لم يتركن طريق حياتهن القديم فقط بل حين تطلَّب الأمرُ ثباتَهن على ذلك تضحيةً منهن رددْن الدنيا وملذاتها وقدّمْن حكم الله ورسوله وأبديْن استعدادهن لكل تضحية. فهناك امرأة ألمانية اسمها مارية وقد بيّنت بنفسها أنها بدأت تتحجب بعد قبولها الأحمدية وكانت آنذاك تشتغل في مستشفى، فقال لها مسؤولو المستشفى أنها لا يمكنها ارتداء الحجاب لأسباب النظافة، فكتبت إلي للدعاء وكتبتُ إليها في الرد أن يهيئ الله تعالى لها ظروفا مواتية وآمنة للعمل. باختصار منعتها إدارة المستشفى من ارتداء الحجاب بحجة النظافة، فتضايقت واستقالت من عملها هذا، ولم تُبْدِ ضعف الإيمان قط، وبعده فترة قصيرة رزقها الله تعالى وظيفة أحسن حيث كان الجو أيضا مواتيا أكثر، ففي ذلك درس للبنات والنساء الأحمديات اللواتي بعد مجيئهن إلى الدول الغربية يَمِلْنَ إلى الدنيا ويخلعن حجابهن. تذكّرْن، لا يرث أفضال الله تعالى إلا الذين يفضّلون تحمل الأذى في سبيل الله ويعملون بأحكامه، أولئك الذين يُكرمهم الله تعالى ويعزهم كثيرا.

كذلك كتب الداعية في كازخستان عن امرأة دخلت الجماعةَ: في 2001م انضمت إلى الجماعة السيدة “غزيل” مع أسرتها، وفي 2002م سجلت في الجامعة العربية الكويتية وأثناء دراستها وجد أبواها عملا في الجامعة نفسها، وحين علم الأساتذة الآخرون بأحمديتهم بدؤوا يضغطون عليهم ليردّوهم عن الأحمدية ولكن حين لم يُفلحوا تحزَّبوا لمعارضهم وأعلنوا مقاطعتهم وطلبوا من الجميع ألا يتحدث أحد معهم ولكن هذه البنت ثبتت على الأحمدية ولم تُبالِ بأية معارضة وبسبب هذه المعارضة قال لهم والدها: إذا لم تكفوا عن الضغط على ابنتي فسأدعو الله تعالى أن يُغلق الجامعة. هذه الجامعة كانت تعمل اعتمادا على تمويل العرب. لاحظوا كيف أجاب الله تعالى دعاء الوالد وانتقم منهم بحيث طرأت في 2005م ظروف أُغلقت بسببها الجامعة.

هذه هي قوة الإيمان التي يجب أن يُحرزها كل أحمدي وأحمدية، وهذا هو تقديم الدين على الدنيا الذي يتعهد به كل أحمدي. وما دُمْتُنَّ قائمات على هذا العهد نصركنَّ الله تعالى. أرجو الله تعالى أن يوفقكن جميعا للإيفاء بعهد تقديم الدين على الدنيا وأن يغلب حب الله ورسوله على جميع أنواع الحب، وأن تُرى في الأحمديات نماذج حقيقية للعمل بتعليم الإسلام وأن يُظهرْن تعليم الأحمدية الجميل من خلال أقوالهن وأفعالهن، وأن يفُزْنَ بقلوب العالم بأعمالهن الحسنة، وأن يَسْتَعِدَّنَّ دوما لتقديم كل تضحية، وأن تفوق على كل عاطفة ورغبة عاطفةُ حب الله تعالى ورغبةُ العمل بأحكامه بدلا من الانغماس في أهواء الدنيا وملذاتها، فلا تسمعن وتقرأن وقائعَ التضحية هذه للتاريخ ولمتعة علمية مؤقتة بل عليكن عقد العزم على بلوغ الغاية من خلقكن وَجَعْلِ أولادكن أيضا ممن يحققون هذه الغاية، وهي حب الله تعالى ورسوله وعبادة الله الحقيقة، وفق الله تعالى الجميع لذلك. تعاليْن ندعُ.

*****

About الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز

حضرة أمير المؤمنين الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز ولد حضرته في الخامس عشر من أيلول 1950 في مدينة (ربوة) في الباكستان. هو حفيد لمرزا شريف أحمد نجل المسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام. أنهى حضرته دراسته الابتدائية في مدرسة تعليم الإسلام في مدينة (ربوة) وحصل على درجة البكالوريوس من كلية “تعليم الإسلام” في نفس المدينة. ثم حصل حضرته على درجة الاختصاص في الاقتصاد الزراعي من كلية الزراعة في مدينة (فيصل آباد) في الباكستان وذلك في عام 1976م.

View all posts by الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز