خطبة الجمعة
التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز
الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام
يوم 8/12/2017
*****
أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين. آمين.
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: 15)
لقد رسم الله تعالى هذه الصورة أو بيّن حالة أولئك الذين ينسون الله تعالى، ولا يهدفون إلا الحصول على الدنيا. وحين ينسى إنسانٌ ربه يسيطر عليه الشيطان. لا شك أن أشياء الدنيا كلّها من خلق الله تعالى ومن نِعمه سبحانه وتعالى ويجب الاستفادة منها وقال لنا المسيح الموعود عليه السلام أيضا بصراحة أن الانقطاع عن أمور الدنيا أيضا خاطئ، والزواج أيضا ضروري وهو سنّة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك هناك أمور أخرى كان الصحابة أيضا يقومون بها، وكان بعض الصحابة يقتنون أملاكا تُقدر بالملايين ولكنهم ما كانوا منغمسين في الدنيا وما كانوا متكالبين عليها. يقول المسيح الموعود عليه السلام: “اعلموا! ليس من مشيئة الله أن تتركوا الدنيا كليا بل هو يريد أن: (قد أفلح من زكّاها)، أيْ اشتغلوا في التجارة والزراعة والوظائف، وافعلوا ما تشاؤون ولكن امنعوا النفس من معصية الله، وزكّوها لئلا تشغلكم هذه الأمور عن الله سبحانه وتعالى.” (الحكم عدد 29/8/1908م) وقال عليه السلام في موضع: “إن حقوق النفس جائزة، أما عدم اعتدال النفس فلا يجوز البتة.”
فعلى المؤمن أن يضع أمامه دوما ألا يحب أشياء الدنيا لدرجة ينسى اللهَ تعالى، كما قال الله تعالى في هذه الآية: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ)، ثم بيّن تفصيل هذه الأشياء أيضا، التي لا يريدها الناس لسد حاجاتهم فقط بل ورد هنا ذكرُ أولئك الذين هم منغمسون في حب الدنيا وإنما يقلقون لإحراز الأشياء الدنيوية. ومن معاني الشهوةِ رغبة شديدة لشيء أو حبه والقلقُ له كل حين، ومن معانيها الشيء أو الغاية التي تكون نتيجة أهواء النفس فقط وتكون رديئةً، والرغبةُ الجنسية أيضا تسمى الشهوة. فحين قال الله تعالى هنا (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ) فهذا يعني أن هذا الحب ليس من الله بل هو من الشيطان لأنه لا يقتصر على الاستفادة من نِعم الله تعالى، إنه ليس حبا عاديا أو جمالا بل يبلغ هذا الحب والرغبة لشيء جميل حدا يقلق المرء لنيله كل حين ويضطرب، ويحب أشياء الدنيا أكثر من اللازم. فإذا انغمس المرء في حب هذه الأشياء لهذا الحد لم تعد هي نعم الله تعالى بل هي حمائل شيطانية يتخذ المرء لاقتنائها كل وسيلة غير شرعية إن اضطُر لها، وهذا ما نراه في المادّيين عموما، فإنهم يتجاوزون الحدود من أجل المال والمراتب الدنيوية والعلاقات غير شرعية مع النساء، وإن تزوجوا تزوجوا من أجل الحصول على المال أو يتمنّون أن يتزوجوا من امرأة ثريّة، وكذلك يهدفون إلى الدنيا فقط في الأمور الأخرى أيضا.
ومع أن الله تعالى أعطى المسلمين هذا التعليم الجميل والطاهر وحذّرهم أيضا أن يتجنبوا هذه الأشياء أي لا تسعوا وراءها لدرجة تصبح هي الغاية من حياتكم لأنها من أسباب الدنيا العارضة لذا عليكم أن تفكروا أنكم ترجعون إلى الله تعالى وتمثلون أمامه يوما، ولكن للأسف نرى أكثرية المسلمين يسعون وراء هذه الأشياء الدنيوية ونسوا غاية حياتهم. إن العلماء والقادة وكل من يجد فرصة إنما يسعى للحصول على هذه الأشياء المادية كيفما أمكن. وحين تنشأ هذه الرغبات في زعماء القوم تبدأ تتضرر البلاد والأمم، وفي هذه الأيام ما ساد من فساد وفتن في بلاد المسلمين سببه أن الحالة التي وصفها الله تعالى للمبتعدين عن الدين وللمادّيين هي حالة المسلمين اليوم. أما القادة فيصِلون إلى الحكم مدَّعين خدمة الشعب ولكنهم بعد ذلك يبدؤون بنهب الأموال لحد لا يُتصور، وأما العلماء فقلّما يقلقون لتحسين حالة الناس الدينية ويسعون أصلا ليجعلوا الناس أتباعهم باسم الدين ويبلُغوا الحكم بطريقة ما أو ينتفعوا من الحكومة ويجمعوا الأموال ويملكوا العقارات. لا شك أنهم ينطقون اسم الله بلسانهم ولكن لا يظهر من أعمالهم أي خوف من الله تعالى. نرى مثل هذه الحالات عموما في باكستان أن القادة المسلمين يقتلون الشعب مثل اقتلاع الجزر أو الفجل وليست لديهم أي قيمة للحياة الإنسانية ولكنهم لا يتخلون عن الحكم. ومِثله يحدث في كثير من البلاد، والهدف هو البقاء في الحكم وإظهار القوة وجمع الأموال ولا تمتلئ بطونهم بأي حال.
ما السبب في أن معظم البلاد الإسلامية تمتلك الثروات والموارد الطبيعية ومع ذلك يسودها البؤس والفقر بحيث إن الفقير يصبح أشد فقرًا حتى لا يجد وجبة واحدة إلا بصعوبة بالغة. خذوا مثلا السعودية، فإنها دولة غنية جدا، ومع ذلك يزداد الفقر هنالك أيضا. كان فيها الفقراء من قبل، ولكن عددهم في ازدياد مستمر الآن. فرغم أنها تمتلك ثروة النفظ إلا أن الفقر يشتد فيها اليوم. أمراؤها وأثرياؤها فقط يعيشون في الرخاء، وهؤلاء ينفقون ملايين الدولارات في يوم واحد. يجلبون الثروة بطرق غير شرعية أو يهضمون حقوق الفقراء، ثم ينفقونها أيضا إنفاقا غير شرعي. نسأل الله تعالى أن يعيد لهؤلاء الحكام والملوك صوابهم لكيلا يجمعوا هذه الثروات لأنفسهم بطرق غير شرعية، وينفقوها إنفاقا سليما وفي محلها، لو فعلوا ذلك فسوف يفوزون برضا الله تعالى، كما يصبحون قوة دنيوية يُعتدّ بها، وستقبل القوى غير الإسلامية قولهم بدلاً من أن تجعلهم منقادين لها.
في هذه الأيام هناك ضجة كبيرة في العالم بسبب إعلان الرئيس الأمريكي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس واعتبارها عاصمة لإسرائيل. الواقع أن الدوائر الإسرائيلية كلها كانت موجودة في القدس سلفًا، ولكن العالم الخارجي لم يكن راضيا بذلك، أما بعد هذا الإعلان فثارث ضجة كبيرة في العالم الخارجي وخالف الناس وشتى الدول هذا القرار. مما لا شك فيه أن هناك ضجة، لكن الحق أن كل هذا إنما هو بسب ضعف المسلمين. هناك حروب بين البلاد الإسلامية، وتسود القلاقل بلاد المسلمين، وهذا ما أتاح للأغيار الفرصة لخلق مثل هذه الظروف والقيام بمثل هذه الإعلانات. إن الرئيس الأمريكي يريد ألا يقوم السلام بين المسلمين أبدا، لكي يفرض عليهم هؤلاء الأغيار قراراتهم كما يشاءون. الآن تعلن السعودية أنها لن ترضى بقرار الرئيس الأمريكي أبدا، لكنها قبل أيام كانت تبدي موافقتها على كل ما كان يقوله هذا الرئيس. فقد أيدت السعودية قرار الولايات المتحدة باتخاذ الإجراءات الصارمة ضد إيران. كان على السعودية عندئذ أن تمنع الرئيس الأمريكي من هذا وتقول له إننا مع البلاد الإسلامية، ولن نقبل أي عدوان على المسلمين من قبل أية دولة كبرى. ثم إن السعودية تستعين بالقوى الكبرى في عدوانها على اليمن. وقد وافقت السعودية على القرارت الأمريكية لكي تُظهر قوتها وتبسط نفوذها ورعبها على تلك المنطقة وتجلب المنافع من أمريكا. لقد أعرض هؤلاء عن أحكام الله تعالى من أجل متاع الدنيا الفانية، وليس مآل عصيان أحكام الله إلا ما يرونه اليوم بأم أعينهم، فلا بد الآن أن يركب الأغيار على رقابهم باستمرار. إن الذين لا يبرحون يلهثون وراء المتع المادية فقط ولا يكون لهم هم إلا تحقيق أمانيهم الدنيوية، قد شبههم سيدنا المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام بمريض الجرب، الذي يجد اللذة في حكّ جسده ظنًا منه أن هذا يجلب له الراحة الكبيرة، وهكذا يجرح جسده. لا شك أنه بحك جسده يشعر بالراحة العابرة، لكن الواقع أنه يجرح جلده حتى ينزف جسده بشدة أحيانا. فهذه الأشياء المادية التي يتمناها المرء أكثر من اللازم، تجلب له أسباب القلق في نهاية المطاف. فهؤلاء الذين يظنون أن تصرفاتهم هذه تزيدهم قوة وعددًا، إنما ينزفون دماءهم بأيديهم، بالإضافة إلى جلب سخط الله عليهم. لقد بين الله تعالى هذا الموضوع في آية أخرى حيث قال (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: 21). فمن واجب المؤمن أنه بدلاً من التفاخر بالمتع المادية وبذلِ كل السعي في جلبها فقط، أن يبحث عن مغفرة الله ورضوانه ولا يكون كمريض الجرب فيفسد حياته وعاقبته.
ولقد قال المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام مرة في أحد المجالس وهو يرسم مُتع الحياة الدنيا وحقيقتها: كلما تجنب الإنسان الجري وراء تحقيق الأماني المادية تحقق مراده أكثر. الذي يلهث وراء المتع المادية يشتعل صدره بنار على الدوام، فيظل في العناء الدائم. الراحة في هذه الحياة الدنيا إنما تكمن في النجاة من هذا القلق، (أي النجاة من السعي الزائد من أجل حطام الدنيا. يقول حضرته) يقال إن راكب حصان مر في طريقه برجل فقير لم يكن على جسده من الثوب إلا ما يستر عورته فقط. فقال له كيف حالك أيها الفقير؟ قال: حالي حال من تحقق له كل ما أراد. فقال الراكب في استغراب: كيف تحقق مرادك كله؟
قال: ما دمتُ قد تخلّيت عن الأماني كلها فكأنها تحققت بالنسبة لي.”
يقول حضرته: “زبدة الكلام أنه عندما يريد الإنسان أن تتحقق له جميع أمانيه يواجه المشاكل، ولكن عندما يتخلى عنها زاهدا فيها فكأنه حاز على كل شيء. معنى النجاة أن يشعر الإنسان بالسعادة لا المعاناة. إن حياة الألم لا تُستحسَن في هذه الحياة ولا في الآخرة.”
قال حضرته: “ستنتهي هذه الحياة يوما لا محالة لأن مثلها كمثل قطع الثلج التي تذوب رويدا رويدا لا محالة مهما حفظتموها في الصناديق والأقمشة.” (لقد ضرب حضرته مثال تناقص الحياة بذوبان الثلج. يقول حضرته:)
“كذلك مهما حاول المرء الحفاظ على الحياة فالحق أنها تنقضي رويدا رويدا وتنقص يوما فيوما. يوجد في العالم الأطباء ولكن لم يصف أحد إلى يومنا هذا وصفة تديم العمر. عندما يهرم الناس يأتيهم البعض ليُفرحوهم ويقولون: لم تبلغ من العمر عتيا، ويقولون: عمرك قليل إذ لم تتجاوز 60 أو 70 عاما، وهو ليس بالعمر الكبير، (ويتكلمون معه بمثل هذه الأمور، إلا أنها أحاديث مؤقتة. يقول حضرته:)
إن نفس الإنسان تخدعه وتمنِّيه بطول العمر. نرى في الأعمار في العالم أن القوى تبدأ بالاضمحلال بعد بلوغ المرء 60 عاما. ومن بلغ 80 أو 82 وبقيت قواه أيضا سليمة بعض الشيء كان سعيدا جدا، وإلا فالكثير منهم يصبحون شبه مجانين ولا يدخلهم الناس في مَشُوراتهم ولا يبقى في عقلهم ودماغهم نور. في بعض الأحيان تظلم النساء أيضا مثل هؤلاء المسنين حتى ينسى الناس إطعامهم أيضا في بعض الأحيان (أي أن أهل بيت بعضهم أيضا لا يعاملونهم بالحسنى أحيانًا. يقول حضرته:)
“المشكلة أن الإنسان يبقى لاهيا في الشباب ولا يذكر الموت (وهكذا فإن هذا الإنسان، الذي يظن أنه يقدر على فعل ما يشاء، يرى أن حالته هذه ستبقى للأبد.) يقول حضرته: ويرتكب أعمالا سيئة. وعندما يدرك الوضع في النهاية لا يستطيع أن يفعل شيئا. باختصار، يجب على المرء أن يغتنم فترة الشباب.
(لقد كان حضرته يفهّم صديقه الهندوسي “شرمبت” في المجلس فقال:)
لا شك أنه يكون قد تحقق بعض ما نويت في حياتك ولكن إذا فكّرت الآن لشعرت أنها كانت كفقاعة تنفجر فورا ولا يبقى في اليد شيء. الاستراحة السابقة لا تنفع شيئا بل تُزكي لظى الحسرة. (عندما يمر الإنسان من الراحة ثم يتعرض للآلام فلا يستفيد شيئا مما مضى بل يزداد تألمًا بتصور الماضي، فكلما فكّر في الماضي ازدادت آلامه. قال حضرته:) من هنا يستنتج العاقل أن على الإنسان أن يكون “ابن الوقت” (أي أن يستغل كل لحظة من حياته ويراعي الوقت ويتصرف بحسبه) أما الحياة فهي ما كان في يده أما ما مضى فقد فات ومات ولا جدوى من تصوراته. حين يكون الطفل في حضن الأم كم يكون سعيدا ويحمله الجميع، وتكون تلك الفترة كجنة له، ولكن فكّروا الآن أين تلك الفترة.
(لقد مضت تلك الفترة وهذه الأمور متاع الدنيا المؤقت، والراحة والسهولة أيضا من المتاع المؤقت فلا بد أن ينتبه الإنسان إلى هذا الامر عندما يتلقى الراحة واليسر والحكم والمنصب) قال حضرته:
أنّى يمكن أن تعود الأزمنة الغابرة. (ثم يذكر حضرته واقعة فقال:) رُوي أن ملكا كان يمر من مكان فبكى متذكرا يوما كان وأصحابه أطفالا صغارا، وهو يواجه معاناة كبيرة منذ أن تركته هذه الصحبة. (لقد بكى لأنه رأى الصغار يلعبون بعيدا عن الهموم، ومن هنا تذكر طفولته وروعة تلك الفترة ثم فكر أنه إلى أي وضع آل أمره. إن الملوك أيضا لا يذوقون الراحة والسكينة الحقيقية رغم توفر شتى الأسباب لراحتهم. يقول حضرته:)
إن فترة الهرم سيئة، عندها يريد الأقارب أيضا أن يموت العجوز، وتموت قواه قبل موته، (وتكون قلوب بعض الأقارب قاسية لدرجة يقولون نظرا إلى حالة المريض أو تقدمه في السن: إنه يشكل عبئًا كبيرا علينا. يقول حضرته عن فترة الهرم:) تسقط الأسنان، تذهب العيون ويصبح المرء كأنه تمثال حجري، إذ يتشوه شكله. والبعض يصابون بأمراض خطيرة فيقدمون على الانتحار أخيرا. (وهذا ما نراه حادثا في العالم، فإن الإنسان لا يساوي شيئا، مع كل ذلك عندما ينال القوة ويكون في عز شبابه ويحرز الثروة والقوة ينسى ماذا سيحدث معه في المستقبل).
يقول المسيح الموعود عليه السلام: “في بعض الأحيان يصاب المرء دفعة واحدة بمصائب يريد الفرار منها، وإن لم يكن الأولاد صالحين يضطر لتحمل معاناة أكثر. عندها يدرك أنه ارتكب خطأ جسيما إذ قضى العمر كله هكذا.” (عندئذ يذكر أن الخير في العمل بأوامر الله تعالى، فيجب على المرء أن يعيش بحسبها بدلا من أن يستغرق في المشاغل الدنيوية وينسى الله تعالى. فقد خلا في الدنيا كبار الفراعنة وأكثر من هامان وكثير من الناس الأقوياء، فلو تأمل المرء في حياتهم أن الجاه والشوكة الدنيوية لم تفدهم شيئا، مع أن حكوماتهم كانت أقوى الحكومات الحالية من حيث الصلاحيات ولكنها انمحت كلها)
يتابع حضرته عليه السلام: “العاقل هو الذي يتوجه إلى الله تعالى ويؤمن به واحدا لا شريك له. لقد جربنا أنه لا تنفع إلهة ولا إله زائف. إن لم يخضع المرء لله لم يرحمه أحد. وإذا حلّت به آفة لا يواسيه أحد. تحل بالإنسان آلاف البلايا. فاعلموا أنه ليس لكم إلا الله الأحد، هو الذي ينفخ الحب في قلب الأم. لو لم يخلق قلبها على هذا النحو لما استطاعت أن تربي أولادها، فلا تُشركوا به أحدا.” هذا ما نصح به حضرته عليه السلام شخصا هندوسيا.
والمعلوم أن بعض الناس يتخذون الآلهة في الظاهر، وأحيانا أخرى يجعل الأشياء الدنيوية أخرى مثل المال والأولاد والقوة والحكومة أو الصداقات شركاء لله. أو كما قلت قبل قليل إن بعض البلاد الصغيرة تحاول أن تلوذ بحماية البلاد الكبرى وتتخذها آلهة. ولكن كل هذه الأشياء فانية وهالكة وتصبح الجحيم مستقرا لمثل هؤلاء الناس كما يقول الله تعالى.
ثم يقول المسيح الموعود عليه السلام في مكان آخر: “اعلموا جيدا أنه من كان لله كان اللهُ له، ولا يمكن لأحد أن يخدع اللهَ تعالى. إذا كان أحد يفكر أنه يستطيع أن يخدع الله بالرياء والزيف فهذا حمق وغباوة محضة منه، بل هو المخدوع بنفسه. إن زينة الدنيا وحبها أصل السيئات كلها، فيعمى الإنسان فيها ويخرج عن حدود الإنسانية ولا يدري ماذا يفعل وماذا كان يتحتم عليه فعله. ما دام الإنسان الذكي لا ينخدع بحيلة أحد فكيف يمكن أن ينخدع اللهُ إذًا؟ ولكن أصل هذه الأعمال السيئة هو حب الدنيا، فالذنب الأكبر الذي أدّى إلى دمار المسلمين، وتراهم متورطين فيه جميعا، هو حب الدنيا فقط. فهذا هو أكبر همِّهم وغمِّهم قياما وقعودا ونياما ومستيقظين بل في كل لحظة من الليل والنهار ولا ينتبهون إلى وقت يوضَعون فيه في القبر. لو خافوا اللهَ وكان لديهم أدنى همٍّ وغمٍّ من أجل الدين لاستفادوا كثيرا.”
إذًا، فمن واجب المؤمن أن يحسّن آخرته بدلا من الاستغراق في أفكار دنيوية ويهتم بنيل حب الله تعالى، وأن يخلق في نفسه القناعة ويستفيد من الأشياء الدنيوية حاسبا إياها نِعمة من الله تعالى ولا يتخذها آلهة ويركّز على الركض وراءها فقط. إن معبودنا هو الإله الحق وحده، لذا على المؤمن أن يحبه أكثر من غيره، وهذا الحب الإلهي يخلق في المرء التقوى والقناعة. لقد بيّن الله تعالى أن علامة المؤمنين هي أنهم يحبون الله تعالى أكثر من غيرهم. فيقول سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ)
يقول المسيح الموعود عليه السلام في بيان حب الله تعالى: فليكن معلوما أن غيرة الله تعالى لا تتحمل أن يشاركه المؤمنَ غيره في الحب الذاتي. (أي أن الله تعالى غيور جدا بهذا الشأن، فلا يجوز أن يشارِك المرء أحدا في حب الله الذاتي) لا يمكن الحفاظ على الإيمان الذي هو أحب إلينا من أي شيء آخر إلا إذا لم نشرك بالله أحدا في الحب. لقد بيّن الله جلّ شأنه علامة المؤمنين أنهم: (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ) أي المؤمنون لا يعلّقون قلبهم بأحد أكثر من الله تعالى. الحب حق الله جل شأنه وحده، ومن أعطى حقه لغيره أبيد. كل البركات التي ينالها عباد الله وجميع أنواع القبول التي يحظون بها هل ينالونها نتيجة مجاهدات بسيطة أو بالصلاة والصوم العادي؟ كلا، بل ينالونها نتيجة التوحيد في الحب أولئك الذين يصبحون له عز وجل وحده، ويضحون بغيره في سبيله بأيديهم. إنني أعرف جيدا حقيقة ألم يصاب به شخص يُفصل دفعة واحدة عمن يعُدّه بمنـزلة الحياة له. ولكن ما أغار له هو أنه يجب ألا يكون أحد مقابل حبيبنا الحقيقي. إن قلبي يفتي دائما أن الحب الدائم لغير الله سواء أكان ابنا أو صديقا فهو ضربٌ من الكفر وإثم كبير، وإنه نعمة الله ورحمته التي تهيئ مناسبات لتداركه وإلا يُخشى أن يُسلب الإيمان.”
فلا يمكن أن يتصور المؤمن الحقيقي أن حب الأشياء المادية ستمثل أمامه شهوة. لذا فالتقدم في الإيمان والتحلي بالقناعة مهم جدا للمؤمن، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم كنْ تقيا تكن أكبر عابد. إذا كان قلب المرء عامرًا بحب الله والتقوى فسيتمكن من أداء حق عبودية الله وعبادته أيضا. فمن واجب العابد الحقيقي أن يكون قانعا أيضا. لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا تحليتم بالقناعة فسوف تقدرون على الشكر أيضا. والمؤمن أكثر الناس شكرًا لله وينبغي أن يكون كذلك، فالذين يقولون بأفواههم أننا نشكر الله، لكنهم في الوقت نفسه يركضون وراء متاع الحياة الدنيا والجاه والحشم فهُم في الحقيقة واقعون في حب الشهوات، ولا يقدرون على الشكر الحقيقي. وفي بيان حالة هؤلاء الماديين قال النبي صلى الله عليه وسلم لَوْ أَنَّ لِابْنِ آدَمَ وَادِيًا مِنْ ذَهَبٍ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَادِيَانِ وَلَنْ يَمْلَأَ فَاهُ إِلَّا التُّرَابُ. (فعندما يدخل القبر ينتهي جشعه)، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ. إذا كان المرء قد ارتكب بعض الخطايا فله الفُرص في الحياة أن يتوب. يقول النبي صلى الله عليه وسلم في بيان معيار القناعة للمؤمن: مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا. فهذا هو مستوى المؤمن في القناعة، نسأل الله تعالى أن يخلق فينا هذه القناعة والتقوى، حيث ينبغي أن تكون غايتُنا الفوز بحب الله سبحانه وتعالى  بدلا من حب الأشياء المادية، وأن نكون الفائزين بغفران الله ورضوانه.
بعد هذا أود أن ألفت انتباهكم إلى الدعاء. فكما قلت سابقا بإيجاز إن قادة الدول الإسلامية الذين يتبعون الأهواء المادية والذين قد اتخذوا القوى الكبرى عمليا إلها لهم بدلا من الله سبحانه وتعالى ، ويحسبون أن في صداقتهم معها ضمانًا لبقائهم وتقدُّمهم، مع أن أميركا مثلا قد كتب عنها محلل في مقال في جريدة في ألمانيا مؤخرا أن من الأمور الأخرى الكثيرة أن الدنيا التي تحسب واشنطن نموذجا لها أو أنها متوجهة إليها، أو يحسب الناس أنها نموذجا ينبغي أن يحتذوا به، ربما لم تبقَ لها هذه المصداقية، لأن بكين عاصمة الصين تصبح مكانها الآن نموذجا مثاليا. أما أميركا فقد خسرت مصداقيتها ومكانتها. فالوسائل المادية مؤقتة إذا طلعت اليوم غربت غدا. يجب أن يفهم المسلمون أن سبب إعلان أميركا نقل سفارتها إلى القدس بحسب زعمها أن تتحسن وتتقوى علاقتها مع إسرائيل، وأنها قد تستعيد مصداقيتها. والحق أن الزوال حين يأتي من الله فلا تنفع الصداقات والمواثيق المادية. ويبدو أن ذلك قد بدأ للقوى الكبيرة ولا سيما لأميركا، أما النتيجة فالله أعلم متى تظهر. والآن في هذه الأوضاع ستشتد محاولاتهم لتوريط المسلمين في التقاتل، لذا يجب علينا أن ندعو للعالم الإسلامي، أن يهب الله لهم العقل، ليتحدوا الآن، وتزول إمكانيةُ اندلاع الحروب بين الدول الإسلامية، وتنتهي المعارك بينهم والتي أدت إلى مئات الألوف من الضحايا حسب الإحصائيات. وهب الله لهم العقل، ليتوحدوا، ويُنهوا الحروب فيما بينهم، لكي لا يتمكن أعداء الإسلام من نيل مصالحهم. يجب أن نركز على الدعاء أكثر أن يوفقهم الله سبحانه وتعالى لمعرفة المسيح الموعود والمهدي المعهود الذي بعثه الله سبحانه وتعالى لهم والذي بالارتباط به يمكن أن يخلقوا الأمن والسلام فيما بينهم وفي العالم كله أيضا.

About الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز

حضرة أمير المؤمنين الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز ولد حضرته في الخامس عشر من أيلول 1950 في مدينة (ربوة) في الباكستان. هو حفيد لمرزا شريف أحمد نجل المسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام. أنهى حضرته دراسته الابتدائية في مدرسة تعليم الإسلام في مدينة (ربوة) وحصل على درجة البكالوريوس من كلية “تعليم الإسلام” في نفس المدينة. ثم حصل حضرته على درجة الاختصاص في الاقتصاد الزراعي من كلية الزراعة في مدينة (فيصل آباد) في الباكستان وذلك في عام 1976م.

View all posts by الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز