المعترض:

إن قول الميرزا أن إنجيل برنابا يشهد بعدم موت المسيح على الصليب هو في الواقع انتهازية وعدم أخلاق يجب عدم السكوت عليه بل ملاحقته وفضحه بكل قوة وحزم، لأن برنابا يستحيل أن يكذب وإلا ناقشه التلاميذ وهو ما لم يحصل، والأهم أن برنابا أصلاً لا يقول أن المسيح لم يمت على الصليب بل نفى موت المسيح وتعليقه على الصليب معاً، فالميرزا يريد أن يوهم الناس بأن برنابا يقول بتعليق المسيح على الصليب، ولكن هذا كذب وانتهازية وعدم أخلاق لا يجوز بحال. هذا من جهة، ومن جهة أخرى يستخف الميرزا بالقائلين برفع المسيح بجسده إلى السماء وهو في حقيقته استخفاف ببرنابا واتهام له بالكذب لآن برنابا يقول برفع المسيح بجسده إلى السماء ! كذلك من الكذب الذي لا يجوز هو قول الميرزا أنه قرأ إنجيل برنابا وهذا لأنه في نص آخر يقول أن نسخة من إنجيل برنابا موجودة في مكتبة بلندن ! فهذا يدل أن الميرزا لم يقرأ الإنجيل الذي يستشهد به. نقول لكم كفاكم كذباً يا محترفي الكذب !

الرد:

لنقرأ معاً النص الذي قاله المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام في معرض حديثه عن عدم موت المسيح على الصليب حيث استدل عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام بعدد من الأدلة النقلية والعقلية من القرآن الكريم والحديث والتوراة والإنجيل وغيرها ثم عرّج استئناساً على أحد الأناجيل المكتشفة في القرن الثامن عشر وهو إنجيل برنابا دعماً للنظرية التي أثبتها حول عدم موت المسيح على الصليب. وعندما نقرأ النص فسوف نجد حضرته عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام يشير إلى قضية نفي الموت على الصليب وليس الإغماء على الصليب وهو أمر معروف في طرق الاستدلال ولا يشترط فيه موافقة النص أو الكتاب بالكلية وإنما يأخذ ما يفيد في نكتة من موضوعه المطروح للنقاش. يقول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام:

هذا، وثمة أمر آخر جدير بالذكر، ألا وهو أنه قد ورد في إنجيل برنابا، الذي توجد بالأغلب نسخة منه في مكتبة لندن الشهيرة أيضا، أن المسيح لم يمت مصلوباً. وهنا يمكننا أن نستنتج أن هذا الإنجيل -الذي لم يُعد من بين الأناجيل بل رُفض دونما دليل- كتاب قديم معاصر لسائر الأناجيل الأخرى بلا شك. ألا يحق لنا، والحال هذه، أن نستفيد من هذا الكتاب العتيق باعتباره مرجعاً تاريخياً هامَّاً يضم أحداث العصور القديمة؟ أوليس أقلّ ما يفيد هذا الكتاب أنه لم يتفق كل الناس في ذلك الوقت على أن المسيح عَلَيهِ السَلام مات على الصليب.” (المسيح الناصري في الهند، الفصل ١، ص٢٢)

إذاً فالنص الذي تحدث فيه المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام عن إنجيل برنابا كان استئناساً فقط وليس اعتماداً له كنص أساسي لقطع المسألة، ويتضح هذا للقاريء دون أدنى حيرة حول رأي برنابا الكلي حول ما إذا مات المسيح أو رفع أو وضع على الصليب وهل كان هو أو شخصاً آخر عُلِّقَ محله. كل هذا لن يتبادر إلى ذهن القاريء سواء كان عارفاً لرأي برنابا كله أو غير مطّلع عليه وذلك لأن نص المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام يدور فقط حول عدم موت المسيح على الصليب وهو بالفعل رأي برنابا بغضّ النظر عن كونه يقول برفع المسيح إلى السماء أو موته على الأرض فيما بعد. وما يؤكد أن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام لا يعتمد على قول برنابا إلا استئناساً للاستدلال على قضية نفي موت المسيح على الصليب فقط هو قوله عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام في نهاية المقتبس “أوليس أقلّ ما يفيد هذا الكتاب أنه لم يتفق كل الناس في ذلك الوقت على أن المسيح عَلَيهِ السَلام مات على الصليب.”، فلم يكن استشهاد المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بإنجيل برنابا موافقة كاملة لرأيه ولا الاعتماد عليه كدليل رئيسي في هذه القضية بل عدَّه مجرد كتاب تاريخ مهم يُستفاد منه في كون قضية موت المسيح على الصليب مسألة مُختلف عليها ولم تكن محل إجماع عند المسيحيين.

إذاً لا علاقة للانتهازية وعدم الأخلاق بالاستشهاد بجزء من نص يوافق موضوع النقاش ولا يشترط فيه موافقة كل ما ورد في المصدر ولا صلة له بتكذيب أو تقديس المصدر، فهذا متّبع ووارد في الكثير من القضايا المماثلة حين يُستشهد ببعض من النص فقط دون الحاجة لنقل الرأي كله إذا لم يكن بمجموعه يوافق الموضوع ويُكتفى بجزء منه لرفد القضية على شرط أن يكون الجزء وافٍ غير مجتزء أي أن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام عندما استشهد بنفي الموت على الصليب فقد صَدَقَ إذ أن برنابا بالفعل ينفي موت المسيح على الصليب سواء رأى أن غيره قد عُلِّق أو أن المسيح بنفسه عُلِّقَ على الصليب. ولذلك فالانتهازية والكذب والاستخفاف هي في الحقيقة محاولة المعترض إيهام المتابعين أن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام يريد القول بأن إنجيل برنابا يقول بتعليق المسيح على الصليب وعدم رفعه إلى السماء بل موته على الأرض، وهو الأمر الذي يعني بأن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام خاطر بدعوته كلها ووضعها على المحك لأن إنجيل برنابا كان قد انتشر وترجم إلى لغات عدة أو على الأقل جزء كبير منه حتى وصل إلى الهند واطّلع عَلَيهِ المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام، ويعرف القاص والدان أن إنجيل برنابا لا يقول بتعليق المسيح على الصليب ولا موته على الأرض بل العكس من ذلك. فهذه انتهازية واضحة لقضية لم يدعيها المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام على الإطلاق والهدف هو تشويه حضرته عَلَيهِ الصَلاة وَالسَلام عن طريق الكذب على الناس والاستخفاف بعقولهم، مما ينافي كل خلق قويم.

أما استحالة كذب برنابا فلا تأثير له على موضوعنا ولا ندر لماذا يستحيل ذلك سواء ناقشه التلاميذ أم لم يناقشوه فهو كتاب غير معترف به عندهم، وما الحاجة إلى موضوع كذب برنابا أو استحالة كذبه هنا والذي لم يقله أحد على أية حال.

إن حُكْم إنجيل برنابا عند المسلمين ومنهم الأحمديين لا يختلف عن حكم باقي الأناجيل الأربعة، فلا يوجد مسلم يقول بصحة الأناجيل كاملة بل فيها الصحيح وفيها غير ذلك، ولا يعتقد أحد غير المسيحيين أنفسهم بأن الأناجيل كَتَبَها مؤلفوها مسوقين بالروح القدس. فماذا جَدَّ بالنسبة لإنجيل برنابا ليظن المعترض أن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام يتهمه بالكذب وأين قال ذلك ؟ لقد كان سؤال المعترض هذا هو السؤال الذي طرحته قناة الحياة التنصيرية له عندما استضافته على الهاتف قبل سنوات ممثلاً للجماعة الإسلامية الأحمدية حيث قالت: هل من الأخلاق أن يستشهد مرزا غلام أحمد بإنجيل برنابا ؟ والقصد هنا هو الاستشهاد على عدم موت المسيح وليس على تعليقه بطبيعة الحال !

نترك هذا لحكم القاريء.

أما قول المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام بأنه قرأ إنجيل برنابا وفي مكان آخر قوله أن نسخة منه موجودة في مكتبة لندن، فكيف صار معناه الكذب ؟ وهل يظن المعترض أن المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام كان يجيد الإيطالية وغيرها لكي يقرأ النسخة الأصلية ؟ ولِمَ يحتاج أحدنا أن يحصل مثلاً على النسخة الأصلية من رواية “البؤساء Les Misérables” بخط يد فيكتور هوغو لكي يطلع ويقرأ الرواية ولا يقتن ببساطة نسخة مترجمة أو جزء منها فقط للإحاطة بالموضوع ! وهل قرأ المعترض بدوره النسخة الأصلية لبرنابا أم جزء منها فقط ما دام يستشهد به هو أيضا ؟ وهل كل العلماء الكبار كالشيخ محمد أبو زهرة وأحمد ديدات وعلي الجوهري وغيرهم كلهم قرأوا النسخة الأصلية عندما استشهدوا بنصوص من إنجيل برنابا مدعين بأنهم درسوه جيداً ؟ فهذا ليس اتهاماً للمسيح الموعود عَلَيهِ السَلام فحسب بل لجميع العلماء المتصدين لهذا الموضوع.

كل ما احتجناه لإبطال هذه الشبهة والرد على هذا الاعتراض هو قراءة باقي النص الذي استشهد به المعترض من كلام المسيح الموعود عَلَيهِ السَلام. ومن حارب الصديق حارب ربه وطوائف الصلحاء.

وَآخِرُ دَعْوَانْا أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

About الأستاذ فراس علي عبد الواحد

View all posts by الأستاذ فراس علي عبد الواحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.