المظاهر الإعجازية في لغة المسيح الموعود العربية ..323

مظاهر الحداثة والتصرف الواعي في البحور الشعرية

كنا قد رددنا في مقالات سابقة على تهمة الكسور في شعر المسيح الموعود عليه السلام، وقد خرّجنا تلك المواضع التي يُزعم فيها الكسر في الوزن على أمرين أساسيين:

الأول: أن هذه المواضع مقصودة بذاتها، وأن المسيح الموعود عليه السلام يتعمد الخروج عن الوزن المعروف، ويتعمد هذه التغييرات في التفاعيل كنوع من التصرف الواعي في وزن البحر.

الثاني: أن تكون العديد من هذه المواضع مندرجة تحت ضرائر الشعر المختلفة، التي نصت عليها المراجع المختلفة، لا سيما كتاب ضرائر الشعر لابن عصفور الإشبيلي.

وفي الحقيقة فإنه في دمج هذين التوجيهين والأخذ بهما سويا، مع ترجيح أحدهما على الآخر في كل موضع بذاته، وَفق ما تستسيغه الأذن الموسيقية للقارئ أو المتلقي؛ يمكن لنا فهم وتوجيه معظم أو كل هذه المواضع التي يُدّعى فيها الكسر في شعر المسيح الموعود عليه السلام.

ولنا أن نعترف، أنّ في معظم المواضع التي ذهبنا فيها إلى إدراجها تحت الضرائر الشعرية، قد تستقيم على أصلها دون اللجوء إلى الضرورة الشعرية، بل باعتبارها تصرفا متعمدا واعيا، لأن هذا التصرف جائز عند الكثيرين من الشعراء والنقاد، وقد ذكرنا في المقالات السابقة العديدة من الشواهد التي تجيز مثل هذا التصرف والخروج عن قواعد العروض المعروفة، وذكرنا مسوغاتها وأقوال الشعراء فيها.

ولنا في هذا المقال أن نزيد على تلك الشواهد شواهد أخرى استقيناها من شعراء هذا العصر، سواء في الشعر العمودي أو حتى الشعر الحرّ أي شعر التفعيلة، لنقول فيها ما يلي:

إن ابتكار التفاعيل أو التغيير فيها على غير ما هو معهود في مبادئ العروض، لهي ظاهرة دارجة في الشعر الحديث، ومن أمثلتها استعمال التفعايل التالية: فعْلُن وفَعِلان وفعْلان، وفاعِلَتُن في ضرب بحر المتدارَك،كما يظهر ذلك في شعر محمد إبراهيم أبو سنة، الذي امتدت ابتكاراته التفعيلية إلى حشو البيت أيضا، ففي بحر الرجَز يستعمل الشاعر كل ما أجيز من الزحافات لتفعيلة (مستفعلن – -,-) ، وهي الزحافات التالية: (متفعلن,-,-/ ومستعلن -,,-/ ومُتَعِلن ,,,- ) بل وتجاوز هذه التفاعيل إلى تفاعيل أخرى غير معهودة في هذا البحر كاستعماله لتفعيلة (مفاعيلن ,- – -)؛ وهذا الأمر شائع جدا في أشعاره على بحر الرجَز، وشائع في الشعر المعاصر وصل إلى حد الظاهرة، التي التفت إليها النقاد وقالوا أن دخول مفاعيلن في سياق تفعيلة الرجز (مستفعلن)، هي ظاهرة إيقاعية طبيعية بل حتمية، نتيجة الاعتماد على بحور وحيدة الصورة.

وفي بحر المتدارَك يضيف أبو سنة على زحاف (فَعِلن  ,,-) و(فَعْلن – -) زحافا جديدا وهو (فاعِلُ – ,,)، وهذه التفعيلة تكثر في قصائده على البحر المتدارَك لدرجة أنها ظاهرة فيه. وكثير من النقاد يقبلون هذه التفعيلة في حشو المتدارك وإن اختلفت رؤاهم في تفسيرها.

كما ويأتي أبو سنة بتفعيلة (فعلت ,,,,) أربع متحركات، وهي من التفعيلات التي يرفضها العروضيون القدماء، وذلك لأنها تمثل عبئا موسيقيا على الأذن، إذ هي مع بداية التفعيلة التالية لها، تصبح خمس متحركات متتالية. (لكل هذا ينظر: د. محمد علوان سالمان، الإيقاع في شعر الحداثة  ص68 إلى 74) . وينوه الكاتب إلى ان حدوث (فاعلُ) في حشو المتدارك أمر كثير الحدوث ( د. محمد علوان سالمان، الإيقاع في شعر الحداثة،  هامش ص 74)

ولعل نازك الملائكة هي أول من أدخل هذه التفعيلة في حشو المتدارَك، وقد أقرت نازك المللائكة أن إدخالها لهذه التفعيلة، كان أمرا غير شعوري، أي دون أن تشعر بأنه قد أحدث خللا في الموسيقى الشعرية لهذا البحر. ( نازك الملائكة، قضايا الشعر المعاصر، ص 112)

وقد يعترض علينا البعض أننا ندافع هنا عن شعر المسيح الموعود عليه السلام، والذي بطبيعته هو شعر عمودي كلاسيكي، بأمثلة من الشعر الحرّ ونقصد به شعر التفعيلة، والذي في طبيعته التحرر من الكثير من القيود في الشعر العامودي الكلاسيكي. وردّنا على هذا الاعتراض يكون على شقين:

الأول:  في الحقيقة لا إشكال في ذلك، لأن هدفنا أن ندلل على أن الخروج عن العروض وابتكار التفاعيل والزحافات المختلفة لا يخل في الوزن الموسيقي، وما يستسيغه الشعراء موسيقيا. والشعر الحر أو شعر التفعيلة رغم خروجه عن الإطار العمودي للشعر، وتحرره منه ومن التقيد بقوافيه وصورتها الكلاسيكية، إلا أنه بقي محافظا على البحور والوزن والتفاعيل المتبعة في عروض الخليل،  وكان جل اعتماد الشعراء فيه على البحور ذات التفعيلة الموحدة كالبحر الكامل والرجز والمتدارك والرمل. لذا فإن كان ابتكار مثل هذه التفاعيل في إطار الشعر الحر لا يخل بموسيقى البيت فهي حتما لا تخل بها إن استعملت هذه التفاعيل في إطار الشعر العمودي لنفس البحر. فمثلا لا اختلاف في موسيقى البحر المتدارك في الشعر الحديث والقديم، سوى بعدد التفعيلات في السطر واختلاف القافية؛ فكلاهما يسيران على نفس التفعيلة (فاعلن) مع زحافاتها المعروفة (فَعِلن) في الحشو، و (فعْلن) في الأضرب؛ فإن كان استعمال فاعلُ لا يخل بموسيقى هذا البحر في الشعر الحديث، فهو إذن لا يخل بها إن استعمل في الشعر العامودي أيضا.

ثانيا: لا يقتصر الخروج عن العروض ومبادئه على الشعر الحديث، بل إن هذا الخروج وابتكار التفاعيل المختلفة التي يستسيغها الشاعر لنفسه موسيقيا وإيقاعيا وارد في الشعر العمودي أيضا، ومنها ما أحدثه أحمد شوقي في مشطور البسيط في استعماله تفعيلة جديدة في ضربه وهي (فعْلانْ – – .) وأصلها (فعْلن – – ) فيما ذكر من مشطورات البسيط على وزن (مستفعلن فعْلنْ)، وما أحدثه حافظ إبراهيم في مخلّع البسيط من ضرب جديد على وزن (فعولْ ,-.) وضربه وعروضه لا بدّ أن يكونا (فعولن). هذا بالإضافة إلى دخول (مستفعلان) في ضرب  الرجز في الشعر العمودي؛ وفي كل هذا يقول مصطفى جمال الدين في تجويزه الخروج عن العروض وفي نقده لنازك الملائكة في عدم استساغتها ضرب (مستفعلان) في بحر الرجز :

“إن عدم ورودها ( مستفعلان) بين أضرب الرجز – عند العروضيين – لا يشكل ( جرما ) يعاقب عليه المعاصرون ، لأن التقيد الحرفي بقواعد الخليل، شيء لا يقره التطور الشعري المعاصر، ولولا ذلك لما وجد الشعر الحر!! وكم مرت بنا شواهد كان فيها العروض بجانب والذوق بجانب آخر، وأظهر الأدلة على ذلك موت كثير من الأضرب التي ذكرها العروضيون ولم يستسغها الذوق الشعري العام، واستحداث ( أضرب ) وتفعيلات لم تكن موجودة في العروض ولكن الذوق العام أقرها. وأقرب الأمثلة ما أحدثه شوقي من مشطور البسيط، وما جعل له من ضرب جديد يلتقي فيه هذان الساكنان كقوله:

جلاجل في البيدْ     شجية الترديدْ

مفاعلن فعلان        مفاعلن فعلان

وما أحدثه حافظ من ضرب ( المخلع البسيط ) وضربه عند العروضيين ( فعولن ). فقصره حافظ  وجعله ( فعول )، وهو ملتقى ساكنين أيضا:

ووجهك الضاحك العبوس            قد ضاق عن وصفه البيانْ

كم سطرت عنده طروس                بقسمة العز والهوانْ

وأخيرا لو لم يكن الخروج على العروض – اعتمادا على الذوق العام – مستساغاً، لما كتبت السيدة الملائكة فصلا في كتابها عن دخول ( فاعلُ ) في حشو الخبب، وهي تعلم أن العروض يأبى ذلك !! . – صحيح أن الشعر الحر أدخل ( مستفعلان ) في ضرب الرجز، ولكن لم يكن هو أول من فعل ذلك، فقد سبقه الشعر العمودي ، وأدخل هذا الضرب في الرجز، دون أن تغص به الأذن العربية، أو يرفضه الذوق العام .” (الإيقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة ص 220-221)

وها هو الشاعر فاروق شوشة يغيّر في تفاعيل شعره العمودي، ويجعل من ضرب المتدارَك على تفعيلة فَعْلْ، وهو ما لم يَرِد في علم العروض الذي يقصر الأضاريب في المتدارك على ثلاث : فاعلن فاعِلانْ فَعِلاتن، فيقول فاروق شوشة في قصيدته العمودية:

شفتايِ وعينايَ نِداء    يا أعذب لحنٍ وَغِناء

(,,- ,, – – ,, -.    – – ,, – – ,, -.) (فَعِلن فَعِلن فاعِلُ فعْلْ      فَعْلن  فَعِلن فاعِلُ فعْلْ )

أدعوك فتشرق في قلبي    صفحة أيامي البيضاء

( – – ,, – ,, – – –   – ,, – – – – -.) (فَعْلن فَعِلن فَعِلُن فَعْلن      فاعِلُ فَعْلن فَعْلن فعْلْ)

كما يلاحظ تجديد الشاعر في تفاعيل الحشو ايضا حيث يستعمل تفعيلة (فاعِلُ) وهو ما لم يسوغه علم العروض أيضا. (الإيقاع في شعر الحداثة ص 149). و ها هو الشاعر حسن طلب يدخل ابتكارات جديدة في بحر الرجز مثل استعمال (فاعلن) و (فعولن) في هذا البحر في إطار الشعر الحر او شعر التفعيلة. ( الإيقاع في شعر الحداثة، ص237)

ويقول كريم مرزة الأسدي :

“والعروض علم يعتمد على عقول علمائه وتقنيناتها، فعندما يتمرد عباقرة الشعر على أوزانه، يجب أن يسايرهم جهابذة العروض على جديدهم الجميل الرائع، لأن دائرة الخيال الفني، وموهبته الإيقاعية أوسع من دائرة الأدراك الحسي العقلي وتفعيلاته العروضية العربية، ومقاطعه الأفرنجية، وهذا ليس تنازلاً لأصحاب النص النثري، فأنا قد رضيت بالتمرد العبقري لأنه ولود، ونوهت بأبي العتاهية رائدهم الأول، ورفضت الرفض لأنه عقيم، والحقيقة أن الفراهيدي نفسه… لم يستوعب حالات التمرد أو الشذوذ في شعر من سبقه ومن لحقه. ويشير الدكتور جواد علي في (مفصله ) إلى خروج بعض الشعراء الجاهليين عن قواعد العروض والنحو، ويستشهد بروايات تاريخية عن امرىء القيس , وقصيدة ” عبيد الله بن الأبرص” :
أقفرمن أهله ملحوب *** فالقطيبات فالذنوبُ
فهي من مخلع البسيط، قلما يخلو بيت منها من حذف في بعض تفاعيله أو زيادة. وفي قصيدة المرقش الأكبر :
هل بالديار أن تصيب*** لو كان رسمٌ ناطقا كلـّم
فهي من السريع، وقد خرجت شطور أبياتها على هذا الوزن، كالشطر الثاني من هذا البيت:
ما ذنبنا في أن غزا ملكٌ ***من آل جفنة حازم ٌ مرغم
فأنه من الكامل، ورووا اضطرابا وقع في شعر عدي بن زيد العبادي على النحو المذكور، خرج فيه من السريع إلى وزن المديد، وفي شعر غيره كذلك مثل نونية ” سلمى بن ربيعة “: إنّ شواء و نشوة وخبب البازل الأمون، فهي خارجة عن عروض الخليل، ويواصل الدكتور استشهاده، ويتوصل إلى قوله : ” وتستحق هذه الأمور وأمثالها أن تكون موضع دراسة خاصة، لما لها من أهمية في تكوين رأي علمي دقيق عن تطور العروض في الجاهلية.

ربما يعود تغافل الفراهيدي لصرامة عصره، وميول مسامع أهله للبحور السائدة والشائعة والسالفة، فلكل زمان دولة وشوؤن، وذوق وفنون، ولكل جيل من الأجيال نغماته المحببة، وموسيقاه المطربة، و ألحانه الشجية . ”

وبناء على كل هذا، نرى أن التحديث في الشعر وتجاوز عروض الخليل لم يقتصر فقط على الشعر الحديث، بل وموجود في الشعر العمودي القديم والحديث أيضا، وهو ما يفسر التحديث والتجديد الذي يبتكره المسيح الموعود عليه السلام، في تفاعيل وزحافات الشعر العمودي لا سيما البحر الطويل. وبناء على كل هذا أسمح لنفسي أن استطرد في هذا الأمر لأقول أن المسيح الموعود عليه السلام، كان سبّاقا في إدخال مظاهر التغيير أو التجديد أو قل الحداثة في الشعر العربي المعاصر، سابقا بذلك رواد الشعر الحر وشعراء المهجر وجماعة أبولو وغيرهم. كل هذا رغم محافظته على هيكل الشعر العمودي.

ومن هذه المظاهر التي نراها في شعر حضرته متجاوزا عروض الخليل ما يلي:

 

 

1: يستحدث المسيح الموعود عليه السلام في أضرب وأعاريض البحر الطويل التفعيلة (فاعلن _,_)  بدلا من مفاعِلن، متعمّدا استعمالها بعد فعولن التامة، وتجري مجرى الزحاف غير اللازم.

2: يستحدث المسيح الموعود عليه السلام في حشو البحر الطويل التفاعيل أو الزحافات التالية: فَعِلنْ بدلا من فعولن، وكذا مفاعَلَتن زحافا لـ: مَفاعِيلنْ.

3:  استعمال تفعيلة (فعلت ,,,,) المكونة من أربع متحركات وهي مع حركة التفعيلة التالية لها تؤدي إلى اجتماع خمسة متحركات. وهو ما بيّناه أعلاه في شعر محمد ابراهيم أبو سنة. وهو ما ظهر في شعر المسيح الموعود في مواضع متعددة منها المواضع التالية في القصائد الثلاث، التي بحثنا فيها في المقالات السابقة وهي 1: قصيدة “بك الحول يا قيوم”

2: قصيدة “رويدَك لا تهجُ الصحابة واحذر”

3: قصيدة “أيا محسني أثني عليك وأشكر”

وهذه المواضع في الأبيات التالية:

 

فسبحان مَن خلَق الخلائق كلها   …        وَجَعَلَ كشيء واحد متبددا

,_ _ /, _,, _/ , _ ,/, _ ,_….     ,(,,), /, _ _ _/ , _ _/, _ ,_

وإذا مُرَبِّينا أهابَ بغنَمِه …              فراعُوا إلى صوت المُهيب تودُّدا

(,,)_/,_ _ _/,_ _/,(,,),_           ,_ _/,_ _ _/,_ ,/,_,_

سَلُوه يمينًا هل أتاني مباهِلا …         وقد وعَد جزمًا ثم نكَث تعمُّدا

,_,/,_ _ _/,_ _/,_,_          ,_ (,,)/,_ _ _/,(,,),/,_,_

أنحنُ نخالف سبُلَ دينِ نبينا؟ …       وقد ضل سعيًا مَن قَلَى دينَ أحمدا

,_,/,_ (,,) (,,)/,_ ,/,_,_           ,_ _/,_ _ _/,_ _/,_,_

ونؤثِر في الدارَينِ سُنَنَ رسولنا                وسنّةُ خيرِ الرسْل خيرٌ وأزهَرُ

, _ ,/, _ _ _/, (, ,) , /, _ , _              ,_ ,/, _ _ _/, _ _/ , _ , _

فإن كان للرحمن ولَدٌ كقولكم              فشَجَرة نسل الله تنمو وتكثرُ

, _ _/, _ _ _/, (, ,) _ /, _ , _        , (, ,) ,/, _ _ _/, _ _/ , _ , _

أنترك قرآنا كريما ودُرَرَه              فما لك لا تدري صلاحا وتَفجُرُ

, _ , /, _ _ _/, _ _ /, (,,) , _            , _ ,/ , _ _ _/, _ _ / , _ , _ 

 

4: وبما أن اجتماع خمسة متحرمات هو مما جاز عند المسيح الموعود عليه السلام كغيره من الشعراء، فلا إشكال إذن في جواز اجتماع أربعة وثلاثة متحركات، كما في المواضع التالية من القصائد المذكورة أعلاه:

 

من القصيدة الأولى:

وتورَّمَتْ قدماك لله قائما …       ومثلُكَ رَجُلًا ما سمعنا تعبُّدا

(,,) _ /, _(,,) _/ , _ _/, _ ,_  ….   ,_,/,(,,)_ _/,_ _/,_,_

هدى العالمين وأنزل الكُتُب رحمةً …     وأرسل رُسُلا بعد رُسُل وأكّدا

,_ _/,_ , , _/,_ (,,)/,_,_            ,_,/,(,,) _ _/,(,,)_/,_,_

وأتى بصُحُف الله لا شك أنها …        كتاب كريم يرفِد المسترفِدا

(,,)_/,(,,)_ _/,_ _/,_,_            ,_ _/,_ _ _/,_ _/_,_

تخيَّرَه الرحمن مِن بين خلقه …          وأعطاه ما لم يُعْطَ أحَدٌ من الندى

,_,/,_ _ _/,_ _/,_,_             ,_ _/,_ _ _/,(,,)_/,_,_

وإذا مُرَبِّينا أهابَ بغنَمِه                  فراعُوا إلى صوت المُهيب تودُّدا

,,_/,_ _ _/,_ ,/,(,,),_           ,_ _/,_ _ _/,_ ,/,_,_

 

ولو كُشِف باطنهم نرى في قلوبهم …   يقينًا كطبَقات السماء مُنضَّدا

,_ (,,)/,_ (,,) _/,_ _/,_,_           ,_ _/,(,,) _ _/,_ ,/,_,_

 

 

سَلُوه يمينًا هل أتاني مباهِلا …         وقد وَعَد جزمًا ثم نكَث تعمُّدا

,_,/,_ _ _/,_ _/,_,_          ,_ (,,)/,_ _ _/,(,,),/,_,_

أنحنُ نخالِفُ سُبُلَ دينِ نبينا؟ …       وقد ضل سعيًا مَن قَلَى دينَ أحمدا

,_,/,_ (, ,) (,,)/,_ ,/,_,_           ,_ _/,_ _ _/,_ _/,_,_

 

وفي الدين أسرار و سُبُلٌ خفيّة …        يلاحظها من زاده الله في الهدى

,_ _/,_ _ _/,(,,) _/,_,_            ,_,/,_ _ _/,_ _/,_,_

أتُكفِرُ رَجُلا قد أنار صلاحه؟ …      ومثلك جهلاً ما رأيتُ ضَفَنْدَدا

,_,/,(,,) _ _/,_ ,/,_,_              ,_,/,_ _ _/,_ ,/,_,_

أتُكْفِر رَجُلا أيّد الدينَ حجّةً …        ودافَى رؤوس الصائلين وأرجَدا

,_,/,(,,) _ _/,_ _/,_,_            ,_ _/,_ _ _/,_ ,/,_,_

فأسأمُ تلك المحَنَ مِن ذوق مُهْجتي …    وأسأل ربي أن يزيد تشدُّدا

,_,/,_ _ (,,)/,_ _/,_,_               ,_,/,_ _ _/,_ ,/,_,_

وموتي بسبُل المصطفى خيرُ مِيتةٍ …     فإنْ فزتُها فسأُحْشَرَنْ بالمقتدى

,_ _/,(,,) _ _/,_ _/,_,_            ,_ _/,_ ,,_/,_ _/_,_

له صُحْبةٌ كانوا مجانينَ حُبِّه …          وَجَعَلُوا ثرى قدميه للعين إثْمَدا

,_ _/,_ _ _/,_ _/,_,_          ,(,,) _/,_ ,, _/,_ _/,_,_

 

القصيدة الثانية:

 

وَتَرَكوا هوى الأوطان لله خالصًا               وجاءوا الرسولَ كَعاشق متخَيِّر

,(,,)_/, _ _ _/, _ _/ , _ , _        ,_ _/, _ (, ,) _/, _ ,/ , _ , _   

فبإذنه قد وَقَعَ ما كان وَاقعًا                فلا تَبْكِ بعد ظهور قَدَرٍ مقدَّر

,,_/, _ _ (,,)/, _ _/ , _ , _    , _ _/, _ , , _/,(,,)_/ , _ , _ 

كلمة وقع محركة في الأصل

وقُضِيتْ أمورُ خلافةٍ موعودةٍ               وفي ذاك آياتٌ لقلبٍ مفكِّر

,(,,)_/, _ , , _/, _ _/ _ , _       ,_ _/, _ _ _/, _ _/ , _ , _ 

كلمة قُضِيت محركة بالاصل  

فلما أجازت حُلَلُ قولي لُدونةً             وغارت دقائقُه كبئرٍ مقعَّر

,_ _/, _ _ (,,)/ , _ _/ ,_ , _      ,_ _/, _ ,, _/, _ _/ , _ , _

 

بوجه المهيمن لستُ رَجُلا كافرا          وإن المهيمن يعلَمَنْ كلّ مُضْمَري

,_ _/, _ , , _/,(,,) _/  _ , _       ,_ _/, _ , , _/, _ _/ , _ , _

 

القصيدة الثالثة:

فتحتَ لنا فتحا مبينا تفضُّلا                  بفوجٍ إذا جاؤوا فزَهَقَ التنصُّرُ

,_,/, _ _ _/, _ _/ , _ , _           ,_ _/, _ _ _/,(,,)_ / , _ , _

وللخَلق خلّاقٌ فتَدَعُون ذكرَه                 وتَدْعون مخلوقا ولم تتفكروا

,_ _/, _ _ _/, (, ,) _/ , _ , _         ,_ _/,  _ _ _/, _ ,/ , _ , _

ومَن تبِعَهْ ما وجَد ريح تيقُّنٍ        ولكن إلى الإلحاد والشكِّ يُدحَرُ

, _ ,/,  _ _ (, ,) /, _ ,/ , _ , _              ,_ _/,  _ _ _/, _ _/ , _ , _

وفي هذا لجوء إلى ضرورة حذف صلة الضمير وتسكينه في (تبعهْ)، أو هي لغة أزد شنوءة.

ودون هذه الضرورة يكون البيت والتقطيع كما يلي:

ومن تبِعَهُ ما وَجَدَ ريح تيقّن،

, _ (,,)/,_ _ (, , )/, _ ,/ , _ , _

وقانون سُنَنِ الله في بعث رسْله          مبين فهل أبصرتَ أو لا تُبصرُ؟

, _ _/, (, ,) _ _/, _  _ /, _ , _           , _ _/, _ _ _/, _  _ / _ , _  

وتحت رداء الله روحي ومُهْجتي         وما يعرفُنِي أحَد وربّي يُبصِرُ

, _ ,/, _ _ _/, _  _ /, _ , _           , _ _/, (, ,) (,,) _/, _  _ / _ , _

صورة الأصل هي كالتالي:

وبضرورة اجتزاء ياء الضمير بالكسرة فإن كلمة (يعرفني) تصبح (يعرفنِ) والتقطيع العروضي يكون كما هو مبين تحت البيت.

رؤوفٌ رحيمٌ كهفُ أممٍ جميعها            شفيعُ الورى سَلَّى إذا ما أُضْجِروا   

 , _ _/, _ _ _/, (, ,) _ /, _ , _             , _ _/, _ _ _/, _  _ / _ , _ 

هو السيف في أيدي رجالِ مَواطنٍ             فلن يَعصِمَ دِرعٌ منه فوجا ومِغفَرُ

, _ _/, _ _ _/, _ , /, _ , _            , _ _/, , _ _ _/, _  _ / , _ , _ 

صورة الأصل: 

 

 

وتعلم أني حِذْرَيانٌ ومتَّقي                  وتعلَم زَأْرِيَ وبعدهُ  تَتنمَّرُ

, _ , /, _ _ _/, _ _ /, _ , _          , _ , /, _ (, ,) , _/, _ , /, _ , _   

صورة الأصل هي:

 

وواضح من صورة الأصل أن كلمة (زأري) محذوفة الضمير الياء، وهو دليل على ضرورة اجتزاء ياء الضمير بالكسرة، لتكون الكلمة (زأرِ) ، وعلى هذه الضرورة يستقيم الوزن ليصبح:

وتعلم أني حِذْرَيانٌ ومتَّقي                  وتعلَم زَأْرِ وبعدهُ  تَتنمَّرُ

, _ , /, _ _ _/, _ _ /, _ , _          , _ , /, _ (, ,)  _/, _ , /, _ , _   

 

وبإمعان النظر في هذه المواضع التي اجتمعت فيها ثلاثة وأربعة متحركات وغيرها مما ادُّعي فيه الكسور، أجدُني مائلا كل الميل إلى القول بأن القاسم المشترك بين التفاعيل المستحدثة في تصرف المسيح الموعود عليه السلام الواعي في البحر الطويل بالذات، هو مساواته بين المقطع الطويل المؤلف من حركة وسكون وهو ما أشرنا إليه بالعلامة (_)، مع مقطعين قصيرين المؤلف كل واحد منهما من حركة واحدة أشرنا إليها بـالعلامة (,). أي بكلمات أخرى نرى أنه اجتماع الحركة والسكون عنده يستويان مع متحركين ليكون المقطع الطويل (_) متساويا مع المقطع (,,)، فيبدل المقطع الطويل بمتحركين. وقد أشرنا إلى هذه المقاطع القصيرة ووضعناها بين قوسين في الأبيات أعلاه. والدليل على ذلك أنه في كل هذه المواضع، إذا حولنا المقطعين القصيرين أو المتحركين إلى مقطع طويل يستقيم الوزن كليا وفق قوانين العروض، على البحر الطويل بتفاعيله المعروفة عروضيا.

وهذا على النحو التالي:

في تفعيلة فعولن في الحشو :

التفعيلة المستحدثة                             باستبدال متحركين منها  بمقطع طويل تصبح

فَعِلن     (,,)_                               فعْلن _ _   (من زحافات الطويل المعروفة)

مفاعِلُ , _ (,,)                             فعولن , _  _

فَعِلَتن  ,(,,) _                              فعولن , _ _

فعلت ,(,,),                                فعول ,_,

تفعيلة مفاعيلن في الحشو:

التفعيلة المستحدثة                             باستبدال متحركين منها  بمقطع طويل تصبح

مفاعلتن , _(,,)_                           مفاعيلن ,_ _ _

مُفَعِلاتن  ,(,,)_  _                         مفاعيلن , _ _ _

مفاعيلَنُ ,_ _ (,,)                          مفاعيلن ,_ _ _

مفاعلتن , _ (,,)(,,)                        مفاعيلن , _ _ _

وكذا الأمر في تفعيلة (فاعلن) المستحدثة في الأضرب والأعاريض، والتي يتعمد المسيح الموعود عليه السلام الإتيان بها فقط بعد فعولن التامة . هكذا:

[فعولن فاعلن   , _ (_)/ _ , _ ] وكأنه يعتبر المقطع الطويل الأخير أي السبب الخفيف في فعولن يعتبره متحركين، وكان هذا الطول فيه تعويض عن الثلم الحاصل في مفاعلن، وإذا ما استبدلنا السبب الخفيف في فعولن بمتحركين يصبح التقطيع على النحو التالي: [فعولُنُ  فاعِلن , _ (,,)/ _ , _]   وهذا بحد ذاته كانه [فعولُ مفاعلن , _ , /, _ , _].

وبهذه المساواة بين المقطع الطويل مع متحركين والتبادل الحاصل بينهما يكون المسيح الموعود عليه السلام باتباعه هذه الظاهرة اتباعا متعمدا وبتصرف واع ، يكون حضرته سائرا على الوزن المعروف للبحر الطويل وهو :

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعلن     أو مع الثلم الجائز في فعولن: فعْلن مفاعيلن فعولن مفاعلن

مع اتباعه ظاهرة المساواة التي قلنا بها.

وهذا ما وجدنا المسيح الموعود عليه السلام يسير عليه في كل أشعاره على البحر الطويل. فهو يسير على هذا النسق لا يحيد عنه متبعا هذه التغييرات والظواهر لا يحيد عنها، وهو أمر يؤكد أن هذا التصرف تصرف واع لا يمكن أن يعزى إلى الكسر أو الخطأ أو حتى السهو وأخطاء النساخ والناقلين؛ بل هو أمر متعمّدٌ وظاهرة مطّردة في أشعاره عليه السلام المنظومة على هذا البحر بالذات.

والدليل على ما نقول أنه في هذه المواضع التي قد تبدو لأول وهلة كسرا في الوزن، لم يأت التغيير فيها بصورة لا يمكن تحويلها إلى التفعيلات الأصلية للبحر عند استبدال متحركين بمقطع طويل أو العكس. فمثلا لم يأت التغيير في فعولن على نحو : (فاعِلن _ , _ ) أو (فَعلِاتن ,,_ _) فهذه لا يمكن تحويلها إلى تفعيلة الطويل الأصلية (فعولن) بتحويل متحركين فيها إلى مقطع طويل.

كذلك لم يأت التغيير في مفاعيلن  الحشو على نحو : (فعِلاتن ,, _ _) او (مفعولاتن  _ _ _ _ )  فهذه  كلها لا يمكن تغيير متحركين فيها ( أي مقطعين قصيرين) إلى مقطع طويل لتعود إلى مفاعيلن الأصلية أو زحافاتها المعروفة. فهذا الأمر لم يقع إلا في مواضع قليلة جدا لا تقارن باطراد ظاهرة المساواة التي نتحدث عنها، كما أنها لم تقع إلا في مواضع تندرج تحت بعض الضرائر الشعرية المعروفة ، مثلا كاجتزاء ياء الضمير بالكسرة كما في : فوفق لي أن اثني عليك وأشكر ، فكلمة لي لا بدّ أن تقرأ هكذا (لِ) على هذه الضرورة.

أو كما في قوله حضرته عليه السلام : وكم من دهيٍّ أهلكتهم من شرورهم (, _ _/ , _ _ _ _/ , _ _/ , _ , _) فكلمة (دهيٍّ) لا بد فيها من تخفيف الياء على ضرورة تخفيف المشدد مع حذف حركة الإعراب كضرورة أيضا لتصبح (دهِيْ) . ويكون البيت مع التقطيع :

وكم من دهِيْ أهلكتهم من شرورهم (, _ _/ , _ _ _/ , _ _/ , _ , _) .

فهذا يثبت أن المسيح الموعود عليه السلام يتعمد تغيير مقطع طويل (متحرك فساكن) إلى متحركين، في هذا البحر ويسير على هذا النسق باطّراد في تفاعيل هذا البحر.

والقول بوجود هذه الظاهرة عند المسيح الموعود عليه السلام، يريحنا حقيقة من اللجوء  إلى الضرائر الشعرية أو للقول بوجود الخزم في الكثير من هذه المواضع كما ذهبنا إليه في المقالات السابقة. فهذه الظاهرة التي يتبعها المسيح الموعود عليه السلام توحّد لنا تفسير معظم -إن لم يكن كل- التغييرات في التفاعيل الواردة عند حضرته في البحر الطويل. إذ نحن أمام إمكانيتين:

1: إما أن يكون المسيح الموعود عليه السلام يبتكر تفعيلات جديدة بحد ذاتها كـ: مفاعلتن أو فَعِلن في الحشو، أو بالذات فاعلن في أعاريض وأضرب البحر الطويل. هذا مع اللجوء للقول بالخزم أو الضرائر الشعرية في العديد من المواضع الأخرى.

2: وإما أن يكون المسيح الموعود عليه السلام يتبع ظاهرة واحدة مفسرة لكل هذه المواضع، وهي ظاهرة تحويل المقطع الطويل ( متحرك فساكن) إلى متحركين، في التفاعيل المختلفة للبحر الطويل، وهذا التحويل مُجاز عنده لكل مقطع طويل بغض النظر عن مكان وقوعه في داخل التفعيلة نفسها. هذا دون اللجوء إلى الضرائر الشعرية والخزم ، اللهم إلا في مواضع قليلة جدا.

وعلى ما يبدو أن الإمكانية الثانية هي الأرجح، نظرا لاطّرادها وتفسيرها لكافة هذه التغييرات، بحيث تندرج كلها أو معظمها بشكل مطرد تحتها. فمن بين ما يقارب 700 بيت على البحر الطويل قمت بتقطيعها عروضيا لم يشذ عن هذه الظاهرة إلا بيت واحد لم يندرج تحتها ولا تحت إحدى الضرائر الشعرية ، وهو البيت التالي:

هو السيف في أيدي رجالِ مَواطنٍ             فلن يَعصِمَ دِرعٌ منه فوجا ومِغفَرُ

, _ _/, _ _ _/, _ , /, _ , _            , _ _/, , _ _ _/, _  _ / , _ , _ 

الخلاصة:

توحيدا لكل هذا نقول:

بأن المسيح الموعود عليه السلام يتعمد ويتصرف بشكل واع في ابتكار تفاعيل مختلفة في هذا البحر، وهي التفاعيل التالية:

في فعولن الحشو: فَعِلن (,,)_ /مفاعِلُ, _(,,)/فَعِلَتن ,(,,) _/ فعلت ,(,,),

في مفاعيلن الحشو: مفاعَلَتن , _(,,)_ /مُفَعِلاتن  ,(,,)_  _/ مفاعيلَنُ ,_ _ (,,)

في مفاعِلن الأضرب والأعاريض: فاعلن _ , _

2: وهذه التفاعيل كلها مندرجة تحت اعتبار واحد وظاهرة واحدة ألا وهي المساواة بين المقطع الطويل (المبني من متحرك فساكن) مع متحركين، والإبدال بينهما. وهذه ظاهرة مطردة في أشعاره على هذا البحر الطويل ، وتفسر كل التغييرات الواردة في تفاعيل هذا البحر.

3: وهذا التصرف الواعي جائز حيث أثبتنا من جديد أن إمكانية التصرف في البحور والتفاعيل، وابتكار تفاعيل جديدة هي ظاهرة معروفة عند الشعراء ومتبعة قديما وحديثا، في الشعر القديم والشعر الحديث.

4: يثبت من كل هذا، نظرا لاطّراد التغييرات الواردة في تفاعيل البجر الطويل عند المسيح الموعود عليه السلام، ونظرا لكونها تسير على نسق مطّرد واحد، يثبت أن هذه التجاوزات على العروض لا يمكن إلا أن تكون بتصرف مقصود واعٍ، لا يمكن أن يُعزى للخطأ أو للسهو بأي حال من الأحوال، ولا يمكن أن يقال بأنها كسور في الوزن. فلا كسر في هذه التفاعيل كلها!!!