المظاهر الإعجازية في لغة المسيح الموعود عليه السلام العربية ..224

نكتة الخلط بين الفعل الماضي والمضارع ..2

الانتقال من الماضي إلى المضارع وبالعكس من أساليب الخروج عن مقتضى الظاهر في البلاغة

نكتة الخطأ في التوابع  ..1

الاعتراض :

يدعي المعارضون الخطأ في كلام المسيح الموعود عليه السلام مما ورد في الفقرات التالية، مدعين الخلط بين الفعل الماضي والمضارع والخطأ في التوابع ( العطف، والبدل والنعت..). حيث قالوا في هذه الفقرات ما يلي:

“التوابع هي النعت والبدل والعطف والتوكيد، وسُمّيت بهذا الاسم المشترك لأنّ الكلمة الثانية منها تتبع الأولى في كل شيء؛ تذكيرا وتأنيثا، وتعريفا وتنكيرا، وإفرادا وتثنية وجمعا ..”

نعرض هذه الفقرات مع التصحيحات التي يدعيها المعارضون وتعليقاتهم عليها:

1: وجزاه في الدارين وبارك في مقاصده ويدخله في المقبولين (نور الحق، ص 13). الصحيح وفق زعم المعارضين: وأدخله في المقبولين.

 

2:  وينزل الأمرُ من السماء إلى الأرض، فتلقَّتْه الأرضُ بالقبول ولا تأبى (التبليغ، ص 44). الصحيح وفق زعم المعارضين: فتتلقاه.

 

3: ثم إن دققتَ النظر في هذه الآية، وتحملها على أحسن وجوهها ومعانيها، فلا يخفى عليك أن مفهومها وسياق عبارتها يدل على وفاة المسيح (حمامة البشرى، ص 125). الصحيح وفق زعمهم: ثم إن دققتَ النظر في هذه الآية، وحملتَها على أحسن وجوهها…

4: وإذا بلغهم خبرٌ من رجل وأثرٌ من عبد بعثه الله لتجديد الدين وتأييده، تراءتْ نضارة الفرح على وجوههم، ويسعى النور في جباههم، وحمدوا الله (لجة النور، ص 1). الصحيح وفق زعمهم: وسعى النور.

 

5: وإذا انفكّت الأرواح الطيبة الكاملة من الأبدان، ويتطهرون على وجه الكمال من الأوساخ والأدران، يُعرَضون على الله تحت العرش بواسطة الملائكة (كرامات الصادقين، ص 76). الصحيح وفق زعمهم: وتطهرت.. عُرِضت.

 

6: فلو كان من عند غير الله لمزقّوه تمزيقا، وليجعلونا كالمعدومين الفانين. (مكتوب أحمد)الصحيح وفق زعمهم: ولجعلونا.

 

وخلاصة كلام المعارضين أن عطف فعل مضارع على ماض، والعكس ماض على مضارع، كما جاء في هذه الفقرات؛ هي أخطاء وخلط بين الفعل الماضي والمضارع.

 

الردّ:

إن عطف فعل مضارع على ماض وماض على مضارع ليس صحيحا فصحيا فحسب، بل هو من الأساليب البلاغية الرفيعة التي يجهلها المعارضون، فهذا العطف يندرج تحت ما يسميه علماء البلاغة بأساليب الخروج عن مقتضى الظاهر، والتي هي أساليب عديدة تهدف إلى معان ولفتات بلاغية عميقة قد تغيب عن نظر القارئ العادي.

وهذا النوع من العطف والانتقال من الماضي إلى المضارع وبالعكس يزخر به القرآن الكريم في آياته المختلفة وفي كلامه البلاغي الرفيع، الذي يعد أعلى مستويات البلاغة الفصاحة كما سيتبين خلال هذا المقال.

فيثبت من هذا الاعتراض أن المعترض لا علم له في البلاغة العربية ولايفقه أبسط هذه الأساليب البلاغية، ولا يدري ما في القرآن الكريم من عطف ولغة وبلاغة.

وفي هذا جاء في كتاب “البلاغة العربية مقدمات وتطبيقات” للدكتور بن عيسى باطاهر ما يلي:

الانتقال من الماضي إلى المضارع وبالعكس:

من الأساليب التي تقضيها البلاغة التعبير عن الماضي بلفظ المستقبل، أو التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي، وفي ذلك نوع من التفنن في الأداء مع الدلالة على معان بلاغية طريفة.

1: التعبير عن الماضي بلفظ المستقبل :

كثيرا ما يعبر البلغاء عن الماضي بلفظ المستقبل من أجل استحضار الصور والمشاهد العجيبة أمام المتلقي، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ } (فاطر 9).

فقد جاءت الآية الكريمة بلفظ الماضي (أرسل)، ثم انتقلت إلى المضارع (فتثير)، فقد عدلت عن الماضي (أثارت)، والغرض من هذا الخروج عن مقتضى الظاهر تقديم صورة السحاب المثار كأنه حادث في الحال، فالفعل المضارع يفيد التجدد والحدوث.

ومن أمثلة ذلك أيضا قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} (الحج 25). فقد جاء بالماضي (كفروا) ثم انتقل إلى المضارع (ويصدون) بدل الماضي (صدوا)؛ لأن التعبير بالمضارع يرشد إلى الاستمرار في الصدّ إلى يوم القيامة.

ومن أمثلة ذلك أيضا قوله تعالى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ } (الحج 63).

فقد عدل عن لفظ الماضي (فأصبحت) إلى المستقبل فقال: (فتصبح)؛ وذلك لإفادة الاستمرارية في الاخضرار زمانا بعد زمان؛ فإنزال الماء يحدث وينتهي، ولكن اخضرار الأرض باق لم يمض.

2: التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي:

وقد يعبر البلغاء عن المستقبل بلفظ الماضي من أجل التنبيه على تحقق وقوعه، وأنه في حكم المنجز الذي قد تمت أحداثه، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: { وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ } (النمل 87)

فقد جاءت الآية الكريمة بلفظ الماضي (ففزع)، مع أن الأمر سيحدث في المستقبل، لأن المراد (فيفزع)، والغرض من هذا الخروج عن الأصل : الإشارة إلى تحقق وقوعه؛ لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل حقيقة.

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: { وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا } (الكهف 47).

فقد عدلت الآية الكريمة عن لفظ المستقبل (نحشرهم)  إلى الماضي (وحشرناهم)؛ وذلك لإفادة تحقق وقوع الحشر، وأنه يحدث بعد تسيير الجبال وبروز الأرض.

وهذا الفن البلاغي يقتضي معرفة دقيقة بفنون القول ومقتضيات الأحوال، وهو يسهم في التعبير عن المعاني بدقة متناهية، وهو ما نبه عليه علماء البلاغة منذ القديم، حينما أدرجوا هذا الفن في علم المعاني.”  [ البلاغة العربية : وقدمات وتطبيقات، ص 202-203]

وكل هذا غني عن الشرح والتفصيل في دحض مزاعم المعارضين.

فالبلغاء يعبرون عن الماضي بلفظ المضارع والمستقبل لعدة أهداف بلاغية، منها: إفادة الاستمرار والتجدد، وهذا ما ينطبق على الفقرات التالية من كلام المسيح الموعود عليه السلام:

_ ثم إن دققتَ النظر في هذه الآية، وتحملها على أحسن وجوهها ومعانيها، فلا يخفى عليك أن مفهومها وسياق عبارتها يدل على وفاة المسيح (حمامة البشرى، ص 125).

وفي هذه عدول عن لفظ الماضي (حملتها)، إلى لفظ المضارع (تحملها)؛ لإفادة التجدد والاستمرار في حمل الآية على أحسن وجوهها مرة بعد أخرى وفي كل تفكّر عميق في كل وجه ووجه ومفهوم ومفهوم من وجوهها ومفاهيمها، وليس مجرد التفكر الواحد والحمل الواحد العابر.

 

_  وإذا بلغهم خبرٌ من رجل وأثرٌ من عبد بعثه الله لتجديد الدين وتأييده، تراءتْ نضارة الفرح على وجوههم، ويسعى النور في جباههم، وحمدوا الله (لجة النور، ص 1).

وفي هذه عدول عن لفظ الماضي (سعى) إلى لفظ المضارع (يسعى) لإفادة الاستمرار في سعي هذا النور في جباههم.

 

_ وإذا انفكّت الأرواح الطيبة الكاملة من الأبدان، ويتطهرون على وجه الكمال من الأوساخ والأدران، يُعرَضون على الله تحت العرش بواسطة الملائكة (كرامات الصادقين، ص 76).

وفي هذه عدول عن لفظ الماضي (تطهرت)، إلى لفظ المستقبل (يتطهرون)؛ لإفادة الاستمرار في التطهر، وأنها عملية مستمرة من مقاومة النفس الأمارة إلى آخر لحظة في حياة الإنسان وبشكل مستمر .

 

6: فلو كان من عند غير الله لمزقّوه تمزيقا، وليجعلونا كالمعدومين الفانين. (مكتوب أحمد)

عدل عن لفظ الماضي (جعلونا) إلى لفظ المضارع (يجعلونا) للدلالة على استمرارية وشدة هذا العمل وهذه المعاداة .

 

وقد يعبر البلغاء عن المستقبل بلفظ الماضي من أجل التنبيه إلى حتمية تحقق ووقوع الفعل، وأنه في حكم المنجز الذي قد تمت أحداثه.  وهذا ما ينطبق على فقرات المسيح الموعود عليه السلام التالية:

 

_  وجزاه في الدارين وبارك في مقاصده ويدخله في المقبولين (نور الحق، ص 13).

وفي هذه تعبير عن المستقبل بلفظ الماضي في سياق الدعاء وهو أمر معروف، وذلك في قوله عليه السلام (وجزاه..وبارك)، حيث أصلها كما في السياق: “وأدعو أن يشيع الله كتابه مع كتبي، ويضع فيه قبوليّةً ويُدخل فيه روحا منه، ويجعل أفئدة من الناس تهوي إليه، وجزاه في الدارين وبارك في مقاصده ويدخله في المقبولين.”

فانتقل حضرته عليه السلام من الفعل المضارع إلى لفظ الماضي (وجزاه) في سياق الدعاء لزيادة التأكيد على هذا الدعاء، والرجاء في تحققه وتقريب أمر تحققه وجعله في عداد المتحقق والمنجز، لأن لفظ الماضي متحقق الوجود. وانتقل بعدها مرة أخرى إلى المضارع (ويدخله) المعطوف على (يشيع).

 

وينزل الأمرُ من السماء إلى الأرض، فتلقَّتْه الأرضُ بالقبول ولا تأبى (التبليغ، ص 44).  وفي هذه الجملة  تعبير عن المستقبل بلفظ الماضي (تلقته)، وانتقال من المضارع (ينزل) إلى الماضي (فتلقته) ليفيد حتمية هذا التلقي وأنه في عداد الأكيد المنجز الذي تم ولا شك في وقوعه.

 

فهذه هي حقيقة هذا العطف الذي لا يعرفه المعارضون، فهو أسلوب في قمة البلاغة والفصاحة العربية، ولكن أنى لسطحيي الفكر والعلم أن يفقهوا كل هذا!؟؟