المظاهر الإعجازية في لغة المسيح الموعود عليه السلام العربية …276

البلاغة في التقديم والتأخير

الاعتراض :

أدلى المعترض بالاعتراض التالي، المتعلق بقضية التقديم والتأخير، في بعض الفقرات من كلام المسيح الموعود عليه السلام، فقال:

“الجملة في اللغة العربية إما فعلية تبدأ بفعل ثم فاعل ثم مفعول به إنْ كان الفعل متعديا، وإما اسمية تبدأ بمبتدأ يليه الخبر. وقد يحدث تقديم للخبر على المبتدأ حيث ” يقدّمون الذي بيانه أهَمّ لهم وهم ببيانه أغنى” (الكتاب لسيبويه ج1 ص 34)، أو يقدّمون المفعول به على الفعل والفاعل لتخصيص الفعل به، ففي عبارة “أكرمت زيدًا… أخبرت أنك أكرمت زيدا ولم تتعرض لغير زيد فقد يكون أنك أكرمت شخصا آخر مع زيد أو لم يكن، أما الجملة الثانية (زيدا أكرمت) فإنها تفيد انك خصصت زيدا بالاكرام ولم تكرم غيره”. (معاني النحو، ج1 ص 38)

والميرزا لم يكن يقدّم ما حقّه التقديم لأهميته، كما في الأمثلة التالية:

1: أأنتم القسوس أم المسلمون؟ (الهدى والتبصرة، ص 51). الصحيح: أمسلمون أنتم أم قسس؟ فهو يخاطبهم، فلا مبرر أن تبدأ الجملة بهم. أما القضية المثيرة فهي أنه يشكّ بإسلامهم، فهذا هو الأمر المهمّ الذي يُراد الإخبار به، فكان لا بدّ أن يبدأ به. وهكذا في الأمثلة التالية.

2: أأنتم تضحكون ولا تبكون، وتنظرون ولا تبصرون (سر الخلافة، ص 60). الصحيح: أتضحكون ولا تبكون؟

3: أأنتم رجال أم مخنّثون أيها الجاهلون؟ (التبليغ، ص 22). الصحيح: أرجال أنتم أم مخنثون؟

4: أَأَنتم نَعَمٌ أو أناس عاقلون؟ (الخطبة الإلهامية، ص 47). الصحيح: أَنَعَمٌ أنتم أم عاقلون؟

5: وما بقي لكم حس ولا حركة ولا أنتم تتنفسون؟ أأنتم نائمون أو ميتون؟ (التبليغ، ص 28). الصحيح: أنائمون أنتم أم ميتون؟

6: ولله دقائق في أسراره، واستعارات في أخباره، أأنتم تحيطونها أو تنكرون كالمستعجبين؟ (مكتوب أحمد، ص 9). الصحيح: أتحيطون بها أم تنكرونها؟

7: وإنْ هم إلا كالصور ليس الروح فيهم (الخطبة الإلهامية). الصحيح: لا روح فيهم، ليس فيهم روح. أما عبارة: “ليس الروح فيهم” فتنفي وجود الروح فيهم، وتثبته في غيرهم. وهذا ليس مقصودا.

 

الرد:

من العجيب أن نرى المعترض يرد على نفسه في اعتراضه الذي يدليه. فمن خلال الاعتراض يفسر لنا الأسباب التي ممكن أن يلجأ إليها الكاتب إلى التقديم والتأخير، وأهم هذه الأسباب هو تقديم ما هو أهم للذكر.

ولكن الأعجب من ذلك أن نرى المعترض يقتصر أسباب التقديم والتأخير في أمرين، رغم كثرة هذه الأسباب، والأعجب من ذلك أن نرى المعترض مقتبسا عن سيبويه ومختصرا قوله دون ذكره كله فسيبويه يقول:

كَأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الَّذِي شَأْنُهُ أَهَمُّ لَهُمْ وَهُمْ بِبَيَانِهِ أَعْنَى وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا يُهِمَّانِهِمْ وَيَعْنِيَانِهِمْ  [البرهان في علوم القرآن (3/ 235)]

وهذا الاقتباس سنعود إليه فيما بعد.

وكما قلنا لماذا اقتصر المعترض أغراض التقديم والتأخير في أمرين، وهي في الحقيقة امور وأغراض كثيرة؟ فقد جاء في البرهان في علوم القرآن ما يلي:

“الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: في أسباب التقديم والتأخير.

الْأَوَّلُ: فِي أَسْبَابِهِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ:.

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ أَصْلَهُ التَّقْدِيمُ وَلَا مُقْتَضًى لِلْعُدُولِ عَنْهُ …

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي التَّأْخِيرِ إِخْلَالٌ بِبَيَانِ الْمَعْنَى …

الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ فِي التَّأْخِيرِ إِخْلَالٌ بِالتَّنَاسُبِ فَيُقَدَّمَ لِمُشَاكَلَةِ الْكَلَامِ وَلِرِعَايَةِ الْفَاصِلَةِ كَقَوْلِهِ: {وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} ، بِتَقْدِيمِ “إِيَّاهُ” عَلَى “تَعْبُدُونَ” لِمُشَاكَلَةِ رُءُوسِ الْآيِ وكقوله: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} فإنه لو أخر {في نفسه} عن {موسى} فَاتَ تَنَاسُبُ الْفَوَاصِلِ لِأَنَّ قَبْلَهُ: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ من سحرهم أنها تسعى} وبعده،: {إنك أنت الأعلى} .

وكقوله: {وتغشى وجوههم النار} فَإِنَّ تَأْخِيرَ الْفَاعِلِ عَنِ الْمَفْعُولِ لِمُنَاسَبَتِهِ لِمَا بعده….)

وَجَعَلَ مِنْهُ السَّكَّاكِيُّ: {آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى} بتقديم “هارون” مع أن “موسى” أَحَقُّ بِالتَّقْدِيمِ.

الرَّابِعُ: لِعِظَمِهِ وَالِاهْتِمَامِ بِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ الْفُصَحَاءِ إِذَا أَخْبَرَتْ عَنْ مُخْبَرٍ مَا – وَأَنَاطَتْ بِهِ حُكْمًا – وَقَدْ يُشْرِكُهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ أَوْ فِيمَا أُخْبِرَ بِهِ عَنْهُ وَقَدْ عَطَفَتْ أَحَدَهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْوَاوِ الْمُقْتَضِيَةِ عَدَمَ التَّرْتِيبِ – فَإِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ إِنَّمَا يَبْدَءُونَ بِالْأَهَمِّ وَالْأَوْلَى. قَالَ سِيبَوَيْهِ: كَأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الَّذِي شَأْنُهُ أَهَمُّ لَهُمْ وَهُمْ بِبَيَانِهِ أَعْنَى وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا يُهِمَّانِهِمْ وَيَعْنِيَانِهِمْ. انْتَهَى.

قَالَ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ لِأَنَّهَا أَهَمُّ…..

الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْخَاطِرُ مُلْتَفَتًا إِلَيْهِ وَالْهِمَّةُ مَعْقُودَةٌ بِهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تعالى:.

{وجعلوا لله شركاء} ، بِتَقْدِيمِ الْمَجْرُورِ عَلَى الْمَفْعُولِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْإِنْكَارَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْجَعْلِ لِلَّهِ لَا إِلَى مُطْلَقِ الْجَعْلِ.

السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ التَّقْدِيمُ لِإِرَادَةِ التَّبْكِيتِ وَالتَّعْجِيبِ مِنْ حَالِ الْمَذْكُورِ كَتَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شركاء الجن} ، وَالْأَصْلُ” الْجِنَّ شُرَكَاءَ “، وَقُدِّمَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ التَّوْبِيخُ وَتَقْدِيمُ الشُّرَكَاءِ أَبْلَغُ فِي حُصُولِهِ.

وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ يس: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} وَسَنَذْكُرُهُ.

السَّابِعُ: الِاخْتِصَاصُ، وَذَلِكَ بِتَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ وَالْخَبَرِ والظرف والجار والمجرور ونحوها على الفعل كقوله تعالى: {إياك نعبد} ، أَيْ نَخُصُّكَ بِالْعِبَادَةِ فَلَا نَعْبُدُ غَيْرَكَ.

وَقَوْلِهِ: {إن كنتم إياه تعبدون} أَيْ إِنْ كُنْتُمْ تَخُصُّونَهُ بِالْعِبَادَةِ.

وَالْخَبَرُ كَقَوْلِهِ: {قال أراغب أنت عن آلهتي} ، وَقَوْلِهِ: {وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ} …..” البرهان في علوم القرآن (3/ 233-237)

وجاء في تعريف التقديم والتأخير، ما يلي:

” هو جعل اللفظ في رتبة قبل رتبته الاصلية أو بعدها، لعارض اختصاص، أو أهمية ، أو ضرورة” [ الإكسير في علم التفسير ، نجم الدين الطوفي ، ص154]

وجاء ايضا:

“كما ذكر ابن الأثير أن الهدف من التقديم والتأخير في بعض آي القرآن الكريم هو التفنن في القول، ومراعاة نظم الكلام، وفواصل الآيات، كما في قوله تعالى: [إياك نعبد وإياك نستعين] (الفاتحة 5) فالتقديم والتاخير عنده ليس للاختصاص فحسب، وإنما لتأليف الكلام…” [ البلاغة العربية مقدمات وتطبيقات ، د. بن عيسى باطاهر ؛ نقلا عن المثل السائر ج2 ص 219]

إذن، فقد تتعدد الأسباب لهذا التقديم والتأخير، فقد يكون للاختصاص أو الأهمية أو الضرورة، أو التفنن في القول، أو مراعاة النظم والفواصل، أو التبكيت والتوبيخ، والتعجيب، أو أن يكون الخاطر والهمة ملتفتة ومعقودة على الأمر المقدم، وغيره”.

فنرى أن العديد من هذه الأسباب متعلقة بنية الكاتب، فيما يراه الأهم عنده، وفيما انعقدت عليه همته والتفت إليه خاطره، وكذا توبيخه المخاطب؛ هذا ناهيك عن نيّته في التفنن في الكلام والنظم ومراعات الفواصل، لا سيما إن كان كلامه مسجوعا. وكل هذه الأمور تخص الكاتب نفسه ولا يستطيع الناقد -أيّا كان هذا الناقد – أن يقطع فيها. والنقد البلاغي لا بدّ أن يكون معتمدا على الذوق الأدبي الذي يأخذ بالحسبان مقصود الكاتب وسياق كلامه ونظمه، لا على جمود القاعدة التي تجعل من البلاغة واللغة ضربا من المعادلات الرياضية والهندسية الجامدة.

ولذا فإن التقديم الحاصل في الفقرات أعلاه من كلام المسيح الموعود عليه السلام، تحدده نيّته عليه السلام وحدها؛ والناظر في سياق هذه الجمل لا يخفى عليه نيّة الاهتمام بالمخاطب، وانعقاد هذه النية والتفات خاطره عليه السلام إلى هذا المخاطب بالذات، وذلك بنية تبكيته وتوبيخه وجعله مخصوصا في الكلام دون غيره، وكلها من النوايا التي تجيز هذا التقديم والتأخير.

والتقديم والتأخير الحاصل في الفقرات أعلاه، ليس مما يُخل بالمعنى وليس هو ممنوعا وفق القواعد النحوية. فلو نظرنا في تلك الجمل لرأينا أن بعضها مما يحوي أم العاطفة المتصلة، والتي تسبقها ألف الاستفهام، والتي جاءت بهدف التعيينن؛ وهذه عند استعمالها يجوز في تركيب الجملة، أن يلي هذه الألف الأمر الذي لا يتوجب تعيينه، كما يصرح بذلك النحو الوافي حيث يقول:

“ولهذا القسم من قسمي “أم” المتصلة صور مختلفة؛ منها:

أن تقع بين مفردين متعاطفين بها، وبينهما فاصل لا يسأل عنه المتكلم -وهذه الصورة هي الغالبة- كأن يقول قائل لآخر: شاهدت اليوم سباق السباحين؛ أمحمد هو الذي فاز أم محمود؟ فالمراد من السؤال تعيين واحد من الاثنين، وقد توسط بينهما أمر ليس موضوع الاستفهام، لأنه أمر معروف

للمتكلم، وهو الفوز، أما المجهول الذي يريد أن يعرفه فهو الفائز.

وقد تقع بين مفردين تعطفهما، مع تأخر شيء عنهما لا يسأل عنه المتكلم؛ تقول في المثال السالف: أمحمد أم محمود هو الذي فاز؟ وكأن يقول قائل: كتاب “العقد الفريد” كتاب أدبي نفيس، فتقول: نعم سمعت اسمه يتردد كثيرًا. ولكن أغال أم رخيص كتاب “العقد الفريد”؟ فأنت تسأل عن غلوه ورخصه، وتطلب بسؤال تعيين أحدهما، وليست تسأل عن الكتاب ذاته، فإنك تعرفه …

ومن الأمثلة السالفة يتبين أن الذي يلي الهمزة مباشرة هو واحد مما يتجه إليه الاستفهام، يراد معرفته وتعيينه، أما الذي لا يتجه إليه الاستفهام فيتوسط أو يتأخر. وهذا الحكم هو الأكبر والأول، ولكنه ليس بالواجب؛ فليس من المحتم أن يلي الهمزة أحد الأمرين اللذين يتجه إليهما الاستفهام لطلب التعيين. بل يصح -عند أمن اللبس- أن يقال: أكتاب “العقد الفريد” غالٍ أم رخيص؟ وهذا -بالرغم من صحته- قليل، ودرجته البلاغية ضئيلة ومراعاة الأكثر هي الأحسن. [النحو الوافي (3/ 592-591) ]

أما تصنيف النحو الوافي هذا الأسلوب في الأقل بلاغة، يردّ عليه ما اتجهت إليه نية الكاتب من الأهمية والتوبيخ والتبكيت للمخاطب، فهذا هو الذي يقرر في نهاية الأمر البلاغة في المسألة، وليس جمود القاعدة.

وإن قال المعترض بأن في مثل هذه التراكيب المخاطب ليس هو المهم في الكلام، بل تعيين أحد الأمرين الذي يُسأل عنهما؛ نعود مرة أخرى إلى ما نقله المعترض عن سيبويه مجتزَأً ، حيث قال: “كَأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَ الَّذِي شَأْنُهُ أَهَمُّ لَهُمْ وَهُمْ بِبَيَانِهِ أَعْنَى وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا يُهِمَّانِهِمْ وَيَعْنِيَانِهِمْ  ” ومفاده أن التقديم يحدث فيما يراه الكاتب بنفسه هو الأهم، وإن كان غيره المذكور أيضا مهما.

 

وأما الفقرات الأخرى فهي فقرات استفهامية، إما بألف الاستفهام فقط، أو بألف الاستفهام متبوعة بالعطف بأو، والتي فيها لا يُطلب التعيين بل الإجابة بنعم أو لا؛ وفي مثل هذه التراكيب لا مانع قطّ، أن يحدث التقديم والتأخير بناء على نية الكاتب واعتباراته الشخصية، لما هو الأهم والأخص، وفيما يلتفت إليه خاطره وفيما يبغي التوبيخ والتبكيت فيه.

وقد وردت أمثلة كهذه في القرآن الكريم حيث جاء:

{أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ } (المائدة 117)

{أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (63} (الأنبياء 63)

فإن كانت هذه الصيغة في القرآن الكريم فكيف يمكن القدح ببلاغتها !؟ وكيف يمكن الاعتراض على جملة كـ: أأنتم تضحكون ولا تبكون، وتنظرون ولا تبصرون!؟ فالاعتراض على بلاغة هذا التركيب هو في الحقيقة اعتراض على بلاغة القرآن الكريم.

وعلى ما يبدو من تصحيحات المعترض، أنه لا يجوز العطف بأو بعد ألف الاستفهام في بعض الجمل، وإنما يريد أن يكون العطف فقط بأم، على اعتبار أن الاستفهام للتعيين، وفي هذا الأمر أوردنا سلسلة مقالات (مظاهر الإعجاز 77، 78، 79 ) يمكن الرجوع إليها ، للوقوف على صحة وجواز هذا العطف.

وملخص القول هناك أن المسيح الموعود عليه السلام، لا يطلب التعيين في مثل هذه الجمل التي جاء العطف فيها بأو بعد الف الاستفهام، وإنما يطلب الإجابة بنعم أو لا؛ حيث إنه لا يدّعي وقوع أحد الأمرين على المخاطب؛ وهذه بحد ذاتها اللفتة البلاغية التي غابت عن أنظار المعترض؛ إذ ظن الاستفهام للتعيين وهو في الحقيقة ليس كذلك؛ بل هو عبارة عن دمج سؤالين في الاستفهام مع بعضهما البعض، طلبا للإخبار عن شِقّي الاستفهام بنعم أو لا . ففي قوله  عليه السلام : أأنتم نائمون أو ميتون؟ كأنه يقول: أأنتم نائمون؟ أأنتم ميتون؟. ولو أراد التعيين لعطف بأم. فالمسألة في المحصلة متعلقة بنية الكاتب، الذي يقرر بنفسه كيف يكون العطف بناء على قصده من هذا الاستفهام. فهذه هي الدقائق البلاغية التي غابت عن هذا المعترض.

 

 

 

وهنا أقول، إن مسألة البلاغة العربية ولا سيما التقديم والتأخير فيها، ليست ذات قوانين ومعالم واضحة وقطعية، بل الكثير منها ذوقي، وهي متعلقة بنية الكاتب نفسه؛ فهل دخل المعترض إلى نفس المسيح الموعود عليه السلام ليعلم نيته في هذا التقديم، وليعلم نيته فيما يراه الأهم في هذه الجمل !؟ أقول: هذه المسائل متعلقة بنية الكاتب، وهو الذي يحدد ما هو مهم عنده وما هو أقل أهمية؛ وبناء عليه يتقرر التقديم والتأخير في نظمه الكلام، وتتحدد بناء على ذلك البلاغة في أقواله.