المظاهر الإعجازية في لغة المسيح الموعود العربية .. 228

نكتة الخلط بين الفعل الماضي والمضارع ..4

نكتة الخطأ في التوابع ..4

عطف الفعل المضارع على الماضي وبالعكس، عطف مفردات عند اتحادهما في الزمن

 

الاعتراض :

يدعي المعارضون الخطأ في كلام المسيح الموعود عليه السلام مما ورد في الفقرات التالية، نعرضها مع التصحيحات التي يدعيها المعارضون وتعليقاتهم عليها:

1: وجزاه في الدارين وبارك في مقاصده ويدخلُه في المقبولين (نور الحق، ص 13). الصحيح وفق زعمهم : وأدخله في المقبولين.

2:  وينزل الأمرُ من السماء إلى الأرض، فتلقَّتْه الأرضُ بالقبول ولا تأبى (التبليغ، ص 44). الصحيح وفق زعمهم : فتتلقاه.

3: ثم إن دققتَ النظر في هذه الآية، وتحملْها على أحسن وجوهها ومعانيها، فلا يخفى عليك أن مفهومها وسياق عبارتها يدل على وفاة المسيح (حمامة البشرى، ص 125). الصحيح وفق زعمهم : ثم إن دققتَ النظر في هذه الآية، وحملتَها على أحسن وجوهها…

4: وإذا بلغهم خبرٌ من رجل وأثرٌ من عبد بعثه الله لتجديد الدين وتأييده، تراءتْ نضارة الفرح على وجوههم، ويسعى النور في جباههم، وحمدوا الله (لجة النور، ص 1). الصحيح وفق زعمهم: وسعى النور.

5: وإذا انفكّت الأرواح الطيبة الكاملة من الأبدان، ويتطهرون على وجه الكمال من الأوساخ والأدران، يُعرَضون على الله تحت العرش بواسطة الملائكة (كرامات الصادقين، ص 76). الصحيح وفق زعمهم: وتطهرت.. عُرِضت.

6: فكان حقه أن يُمهَل إلى زمان الاجتراء، وتُرك إلى ساعة المراء والإباء (مكتوب أحمد) الصحيح وفق زعمهم : ويترك

فبناء على تصحيحات المعترضين نرى بأن موضع الخطأ في هذه الجمل – حسب رأيهم-  هو الخلط بين الفعل الماضي والمضارع، وعطف الفعل الماضي على المضارع وبالعكس .

الردّ:

لا خطأ وارد قط في مثل هذه الجمل، إذ إن ادعاء المعترضين بعدم جواز عطف الماضي على المضارع وبالعكس هو ادعاء باطل لا أساس له.

فوفق القواعد العربية المعروفة يصح عطف الفعل الماضي على المضارع وبالعكس إذا اتحدا بالزمن، فمثلا قد يستعمل الفعل الماضي للدعاء فنقول (حفظك الله)، والقصد منه هو الزمن المستقبل، كذلك قد يستعمل المضارع للدلالة على الماضي عندما يدخل عليه حرف النفي (لم) فنقول (لم يأت الولد ) فزمن تحقق الفعل هو الماضي رغم أن الصيغة هي صيغة المضارع. فإن حدث واتفق الفعل الماضي والمضارع في زمن تحققهما جاز عطف أحدهما على الآخر وبالعكس.

كذلك يصح عطف الماضي على المضارع وإن لم يتحدا بالزمن ، فيدخل هذا في باب عطف الجملة على الجملة، وليس عطف فعل على فعل مثله، والفرق بينها فرق دقيق.

فعلى أية حال سواء اتّحد الفعلان في الزمن أم لم يتحدا، فيصح العطف إما من باب عطف الفعل على الفعل عطف مفردات، أو من باب عطف الجملة على الجملة. وكل هذا لا يعيه ولا يعرفه المعارضون.

فمن حيث عطف الفعل على الفعل عطف مفردات يقول النحو الوافي ما يلي:

 

” ويشترط لعطف الفعل على الفعل أمران:

أولهما: اتحادهما في الزمن؛ بأن يكون زمنهما معا ماضيا، أو حالا، أو مستقبلا؛

سواء أكانا متحدين في النوع “أي: ماضيين، أو: مضارعين” أم مختلفين: فلا يمنع من عطف أحدهما على الآخر تخالفهما في النوع. إذا اتحدا زمانا. فمثال اتحادها زمانا ونوعا، قوله تعالى: {وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ} ، وقول الشاعر في مدح عالم:

سعى وجرى للعلم شوطا يروقه … فأدرك حظا لم ينله أوائله

ومثال اتحادهما زمانا مع اختلافهما نوعا: عطف الماضي على المضارع في قوله تعالى بشأن فرعون: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} ، فالفعل: “أورد” ماض، معطوف بالفاء على الفعل المضارع: “يقدم” وهما مختلفان نوعا، لكنهما متحدان زمانا؛ لأن مدلولهما لا يتحقق إلا في المستقبل “يوم القيامة” …

ومثال عطف المضارع على الماضي قوله تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا} فالفعل: “يجعل” مضارع مجزوم؛ لأنه معطوف على الفعل الماضي: “جعل” المبني في محل جزم؛ لأنه جواب الشرط. وصح العطف لاتحاد زمانيهما الذي يتحقق فيه المعنى، وهو الزمن المستقبل …”  [النحو الوافي (3/ 641- 643)]

وفي الهامش من هذه الصفحات يعطي النحو الوافي مثالا آخر على اختلاف الفعلين مع اتحاد زمنهما ويقول:

ومثل هذا قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} … النحو الوافي (3/ 642)

ثم يفسر السبب في اتحاد زمن الفعل الماضي والمضارع في بعض الأمثلة التي أوردها ويقول:

“كان الزمن مستقبلا مع أن المعطوف عليه فعل ماض -وهو فعل الشرط. لأن أداة الشرط الجازمة تقتضي حتما أن يكون زمن فعل الشرط والجواب مسقبلا. “ [النحو الوافي (3/ 643)]

ومن هنا فإن إحدى الحالات التي يتحد بها زمن الماضي والمضارع هي إذا وقعا في جملة فعل الشرط أو جواب الشرط، وذلك لأن أداة الشرط الجازمة تخلص زمانهما معا إلى الاستقبال المحض .

ملحوظة: ما ينطبق على أدوات الشرط الجازمة في تخليص زمن فعل الشرط وجوابه إلى المستقبل المحض، ينطبق أيضا على أداة الشرط (إذا) سواء كانت جازمة او غير جازمة ، وهذا ما يؤكده النحو الوافي في سيلق عرضه لأحكام أدوات الشرط فيقول:

“تسري الأحكام الآتية على الأداتين “إذا” الشرطة، و”كيف” الشرطية، في حالتي اعتبارها جازمتين عند فريق، أو غير جازمتين عند آخر. فعلى كلا الاعتبارين لا بد من خضوع هاتين الأداتين للأحكام التي ستذكر.” [النحو الوافي (4/ 444)]

ويقول أيضا:

و”إذا” الشرطية كغيرها من أدوات الشرط؛ تحتاج إلى جملة شرطية، وأخرى جوابية، ولا بد أن ينطبق عليهما كل الشروط والأحكام الخاصة بجملتي الشرط والجواب -ولا سيما دلالتهما الزمنية؛ سواء أكانت “إذا” جازمة أم غير جازمة.” [النحو الوافي (4/ 442)]

 

وكل هذا نراه متحققا في الفقرات المذكورة أعلاه من كلام المسيح الموعود عليه السلام

1: وجزاه في الدارين وبارك في مقاصده ويدخلُه في المقبولين (نور الحق، ص 13).

فالسياق فيها هو سياق دعاء وتحققه في المستقبل، فزمن الأفعال (جزاه) و(يدخله) هو الزمن المستقبل، ولذا صح عطف (يدخله) على ( جزاه) عطف مفردات أي فعل على فعل.

 

2:  وينزل الأمرُ من السماء إلى الأرض، فتلقَّتْه الأرضُ بالقبول ولا تأبى (التبليغ، ص 44). فصّلنا الحديث عن هذه الفقرة في مقال سابق ، وقلنا إن الفعل (تلقته) رغم كونه ماضيا إلا أنه مستقبل المعنى، حيث يعبر البلغاء أحيانا عن المستقبل بلفظ الماضي للدلالة على حتمية وقوع الفعل، وأنه في عداد المتحقق. فزمن الفعلين هو المستقبل وصحّ عطف (تلقته) على (ينزل) عطف مفردات.

 

وأما في الجمل الثلاث الأتية فقد عُطفت الأفعال المضارعة (تحملها) و (يسعى) و (يتطهرون) على الأفعال الماضية (دققت) و (تراءت) و (انفكت)، بسبب اتحادها في الزمن، فكلها إما واقعة سويا في جملة الشرط أو في جملة جواب الشرط، والتي كلها زمنها الزمن المستقبل لأن اداة الشرط تخلص زمن هذه الاأفعال إلى المستقبل المحض كما فصّلناه أعلاه، وكما ذكرناه في مقال سابق (مظاهر الإعجاز 223 على الرابط التالي: https://wp.me/pcWhoQ-5lx )

3: ثم إن دققتَ النظر في هذه الآية، وتحملْها على أحسن وجوهها ومعانيها، فلا يخفى عليك أن مفهومها وسياق عبارتها يدل على وفاة المسيح (حمامة البشرى، ص 125).

وهذه الجملة تدخل في عداد عطف المفردات (فعل على فعل) لذا  فالفعل (تحملْها) مجزوما ، وذلك لسريان الجزم عليه دون إعادة أداة الجزم.

(ملحوظة: من الممكن أن تدخل هذه الفقرة في عداد عطف الجمل إذا رفعنا الفعل (تحملُها) ولكن الأرجح جزمه)

 

4: وإذا بلغهم خبرٌ من رجل وأثرٌ من عبد بعثه الله لتجديد الدين وتأييده، تراءتْ نضارة الفرح على وجوههم، ويسعى النور في جباههم، وحمدوا الله (لجة النور، ص 1).

 

5: وإذا انفكّت الأرواح الطيبة الكاملة من الأبدان، ويتطهرون على وجه الكمال من الأوساخ والأدران، يُعرَضون على الله تحت العرش بواسطة الملائكة (كرامات الصادقين، ص 76).

(ملحوظة: في الفقرات 4 و5 نحن على اعتبار (إذا) غير جازمة وهو الأرجح، أما اذا اعتبرناها جازمة فتدخل الفقرات في عداد عطف الجمل بسبب رفع الأفعال (يسعى) و(يتطهرون) وعدم سريان الجزم إليها)

 

وأما في الجملة التالية فقد عطف الفعل (تُرك) على الفعل (يُهمل) لاتحادهما في الزمن، فزمن تحققهما هو الزمن الماضي كما تشير إليه القرينة اللفظية (كان) التي سبقت الفعل (أن يمهل).

 

7: فكان حقه أن يُمهَل إلى زمان الاجتراء، وتُرك إلى ساعة المراء والإباء (مكتوب أحمد)

كل هذا ناهيك، عن أننا قد أسلفنا في مقال سابق أن الانتقال من الماضي إلى المضارع وبالعكس، هو أحد الأساليب البلاغية في اللغة العربية والتي تسمى بأساليب الخروج عن مقتضى الظاهر.

وعليه، فلا خطأ في كل هذا العطف ولا خلط بين الفعل الماضي والمضارع كما ظن المعارضون.