المظاهر الإعجازية في لغة المسيح الموعود عليه السلام العربية ..254

نكتة عدم التطابق بين الحال وصاحبها والمبتدأ وخبره والنعت ومنعوته ..2

عَود الضمير مفردا على الجمع 

 ونكات التذكير والتأنيث الإعجازية ..24

في حمل الجمع على معنى الفرد في التذكير والتأنيث

الاعتراض:

يدّعي المعارضون وقوع الخطأ في الفقرات التالية من كلام المسيح الموعود عليه السلام، نعرضها مع تصحيحات المعارضين المزعومة، كما جاءت في اعتراضهم:

1: فعَلَّم الله تعالى عباده أن يفروا إليه بالدعاء عائذا من شرورها ودواهيها. (كرامات، ص 68). الصحيح: عائذين.

2:  وكانوا ينظرون إلى سلسلة الله مغاضبًا، ويؤذون عباد الله بحديث يُفترى (الاستفتاء، ص 24). الصحيح: مغاضبين.

3: والآن نذكر قليلا من الشواهد، متوكّلاً على الله الواحد (سر الخلافة، ص 91). الصحيح: متوكلين. أو أذكر متوكلا.

4: ونعلم مستيقنا أنّ العلماء أخطأوا في فهم تلك الأحاديث (حمامة البشرى، ص 77). الصحيح: مستيقنين.

5: وقوموا متوكلا على الله وقَدِّموا من خير ما استطعتم (نور الحق، ص 15). الصحيح: متوكلين.

6: ويأتونه راغبا في أنواره (التبليغ، ص 85). الصحيح: راغبين

7: وإنّا نكتب قصّتكم متجرّعًا بالغصص (إتمام الحجة، ص 73). الصحيح: متجرّعين. وهي مسروقة من الحريري سرقة فاشلة في قوله: فوَلجْتُ الدّارَ متجرِّعاً الغُصَصَ. (المقامة الصورية)

8: فما لبثوا أن رجعوا متدهدهًا إلى خميلتي (التبليغ، ص 145). الصحيح: متدهدهين. وسبب الخطأ أنه سرقها من دون أن يفهمها من الحريري القائل: فما لبِثَ أنْ رجَعَ مُتَدَهْدِهاً. (المقامة الإسكندرية)

9: وتراهم مسلوبَ الهمّة (الهدى والتبصرة). الصحيح: مسلوبي الهمة.

10: حتى وجدتُهم فاسدَ النيّة والعمل (حجة الله، ص 85). الصحيح: فاسدي.

11: والسر في ذلك أنه ما رآهم حرِيًّا بالأسرار الإلهية (حمامة البشرى، ص 34). الصحيح: حَرِيّين.

12: فسيُضرَب عليهم الذلّة ويُمْسُون أخا عَيلة (حجة الله، ص 105). الصحيح: إخوة عَيلة.

13: فخرجتْ من أفواههم كلماتٌ في مقام الفناء النظري والجذبات السماوي (نور الحق، ص 57). الصحيح: الجذب السماوي، أو الجذبات السماوية.

14: بل من أمور بديهيّ البطلان والمحالات (مكتوب احمد)   الصحيح: بديهية البطلان.

 

فموقع الخطأ وفق زعمهم يكمن في عدم تطابق الحال مع صاحبها والخبر مع مبتدئه والنعت مع المنعوت من حيث الإفراد والجمع، فرغم وجوب هذا التطابق وفق القواعد المعروفة، إلا أنها في هذه الفقرات جاءت الأحوال والخبر والنعت مفردة بينما صاحب الحال والمبتدأ والمنعوت جمع.

الرد:

خرّجنا في مقالات سابقة بعض هذه الجمل على “حمل الفرد على معنى الجماعة” أو حمل الجمع على معنى المفرد” وذلك بحمل ألفاظ الحال والخبر والنعت الواردة فيها مفردة على معنى الجمع ، أو حمل الفاظ المبتدا (اسم الناسخ) والمنعوت والصاحب الحال الواردة بصيغة الجمع على معنى المفرد؛ وهو ما نراه جائز الإنطباق على كل هذه الجمل. (يُنظر : مظاهر الإعجاز 20 على الرابط: https://wp.me/pcWhoQ-3p3 ).

 

كما وخرّجنا هذه الجمل أيضا في مقال آخر على “تنزيل الجمع منزلة المفرد تشبيها ومبالغة” (يُنظر مظاهر الإعجاز 248 على الرابط التالي: https://wp.me/pcWhoQ-5nW ).

وما ذهبنا إليه في المقال الأخير من تنزيل الجمع منزلة المفرد ما هو إلا ضرب من “حمل الجمع على معنى الفرد ” الذي مثّلنا له بأقوال ابن جني في المقال الأول؛ ولنا أن نضيف عليه بعض ما جاء في كتاب الحمل على المعنى في العربية من أمثلة واردة عن العرب، في حمل لفظ الجمع على معنى الفرد، وهي كما يلي منقولة باختصار وتصرف:

” جمع الشيء بما حوله في الأماكن:

يأتي جمع الشيء الواحد على تعدد أجزائه بأن يُتصور أن له أجزاء تجمع هذه الأجزاء المتعددة للشيء الواحد. …والجمع هنا يدل على مسمى واحد، ولذلك كان بمعنى الواحد. ..

ومما جاء منه:

1: {وألقوه في غيابة الجب} (يوسف 10) قرأ  نافع (غيابات الجب) على معنى غيابة.

2: { مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17)} (التوبة 17)  (عند البعض كلمة مساجد جاءت بمعنى المسجد الحرام فقط)؛ ذكر الثعالبي أن من سنن العرب أن تاأتي بالجمع ويُراد به الواحد، ومن ذلك هذه الآية.

3: أقفر من أهله ملحوب      فالقطبيات فالذنوب . القطبيات على معنى القطبية وهي ماء واحد معروف.

جمع الشيء بما حوله في غير الأماكن :

ورد جمع الشيء بما حوله أو على تعدد أجزائه في غير الأماكن… ومنه:

1: قال العواذل ما لجهلك بعد ما       شاب المفارق واكتسين قتيرا.

فالمفارق على معنى المفرق، جعلوا كل موضع فيه مفرقا.

2: يزل الغلام الخف عن صهواته          ويلوي بأثواب العنيف المثقل

وصهوة كل شيء ظهره، جمع الصهوة بما حولها.

3: ذباب طار في لهوات ليث     كذاك الليث يلتهم الذبابا

جمع اللهاة، والليث إنما له لهاة واحدة.

4: بأحسن منها مقلة ومقلدا       إذا ما بدت لبّاتها ونظيمها ” [ إلى هنا النقل من كتاب الحمل على المعنى في العربية ص 259-264]

 

فهذه بعض الأمثلة من حمل لفظ الجمع على المفرد، والتي تسوّغ حمل ألفاظ الجمع أعلاه في كلام المسيح الموعود عليه السلام على المفرد ووصفها بالمفرد.

ومما يؤيد كل هذا ما أفرد له كتاب الحمل على المعنى تحت عنوان ” إفراد الضمير على معنى الجمع أو الجنس” وقال فيه:

“يعود الضمير في هذه الحالة على الجمع مفردا: إما لأن الجمع بمعنى المفرد، وإما لأن الضمير يعود على الجنس. ومثال ذلك ما أورده سيبويه من قولهم: هو أحسنُ الفتيان وأجملُه، وأكرمُ بنيه وأنبلُه. كان القياس جمع الضمير، ولكنه أفرد، لأن الجمع الذي سبقه بمعنى المفرد. قال ابن جني: ((أفرد الضمير؛ لأن هذا موضع يكثر فيه الواحد كقولك: هو أحسن فتى في الناس)).

ومن الشواهد الشعرية قول ذي الرمة:

ومية أحسنُ الثقلين وجها      وسالفة وأحسنُه قذالا

قال ابن جني: ((فأفرد الضمير مع قدرته على جمعه. وهذا يدلّك على قوة اعتقادهم أحوال المواضع وكيف ما يقع فيها؛ ألا ترى أن الموضع موضع جمع، وقد تقدم في الأول لفظ الجمع، فترك اللفظ وموجب الموضع إلى الإفراد؛ لأنه مما يؤلف في هذا المكان. وقال جرير:

ألسنا أكرم الثقلينِ رجْلا      وأعظمَهُ ببطن حِراء نارا

أفرد الضمير في ( أعظمه) ولم يقل: وأعظمهم.

وقال رافع هُريم وهو شاعر إسلامي :

ألستم أقل الحي عند لوائهم        وأكثرهم عند الغنيمة والقدر

وأمشاه باشيء المحقر بينهم         وألامهم عند الجسيم من الأمر

 

أفرد الضمير في ( أمشاه) ولم يقل: (أمشاهم) وأورد أبو زيد تعليلا لإفراد الضمير هو أنه أراد أمشى مَن)، ولكنه أضمر (مَن) ثم حمله على لفظها.

ومن ذلك جاء في صفة عبد المطلب بأنه (( أوسم الناس وأجمله)). قال السهيلي(( ذكر سيبويه هذا محكيا عن العرب، ووجهه عندهم: أنه محمول على المعنى فكأنك قلت: أحسن رجل وأجملُهُ، فأفرد الاسم المضمر التفاتا إلى هذا المعنى)). هذا هو التوجيه الأول لإفراد الضمير وهو أن الجمع بمعنى المفرد.

أما التوجيه الآخر لإفراد الضمير، فهو أنه يراد به الجنس أو الشيء. وليس لأن الجمع بمعنى المفرد؛ لأن الضمير قد عاد مذكرا إلى المؤنث، ولو عاد على الجمع لكان مفردا مؤنثا. قال الفراء: (( وكذلك قولك: هي أحسنُ النساء وأجملُهُ، من قال: وأجملُه، قال أجمل شيء في النساء، ومن قال وأجملهن حمله على اللفظ)).

وقال أبو بكر الأنباري في بيت ذي الرمة ((أراد أحسنُ شيء خدّا))، أما السهيلي فحمل البيت على معنى الجنس فقال: (( وهو عندي محمول على الجنس كأنه حين ذكر الناس قال: هو أجمل هذا الجنس من الخلق)). والذي حمله على العدول عن التفسير الأول ما جاء في الحديث الصحيح: ((خير نساء ركبن الإبل نساء قريش: أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على زوج في ذات يده)). ولا يستقيم هنا حمله على الإفراد، فلو حمله على الإفراد لقال: أحناها وأرعاها، فالتقدير-إذن- أحنى هذا الجنس أو الصنف الذي هو النساء ونحو ذلك.

وفي حديث حارثة بن وهب قال: ((صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر ما كنا وآمنه بمنى ركعتين)). ذكر العكبري أن الهاء في (آمنه) تعود على جنس الناس وهو مفرد، وأجاز أيضا أن تعود على الكون الذي أضيف (اكثر) إليه. ” إهـ [ الحمل على المعنى في العربية 272-275]

 

يؤكد هذا النص أن الضمير المفرد قد يعود على الجمع حملا للفظ الجمع هذا على معنى المفرد، وهو ما أثبتناه في هذه الجمل من كلام المسيح الموعود عليه السلام، أن الفاظ الجمع فيها من المبتدأ أو المنعوت أو صاحب الحال قد حُملت على معنى المفرد، أو نُزِّلت منزلة المفرد مبالغة وتشبيها؛ ولذا عاد الضمير فيما بعدها من الأخبار والنعوت والأحوال مفردا على هذا المعنى. وهذا ما نراها منطبقا على كل الفقرات المذكورة أعلاه.

كما يؤكد هذا النص أن ضمير المفرد قد يعود على الجمع حملا لهذا الجمع على معنى الجنس، وهو ما نراها متوافقا بالذات مع الفقرة الأخيرة والتي قبلها، حيث جاء فيها:(الجذبات السماوي)، فحمل فيها الجذبات على جنس الجذب السماوي أو نوعه او صنفه. وجاء فيها: (أمور بديهيّ البطلان) حيث حمل (الأمور) على جنس أو نوع او صنف الأمور فقال: بديهي البطلان. وفي هاتين الجملتين الأخيرتين نرى بالذات نكات التذكير والتأنيث في حمل معنى الجمع على معنى الفرد، كما رأينا في مقال سابق هذه النكات في التذكير والتأنيث في حمل المفرد على معنى الجمع.

وجدير بالذكر بعض الأمثلة المشابهة لفقرات المسيح الموعود عليه السلام المذكورة أعلاه، ذكرها ابن جني في كتابه الخصائص، وإن كانت تحت باب حمل المفرد على معنى الجماعة وليس العكس؛ حيث جاء:

فقلنا أسلموا إنّا أخوكم … فقد برئت من الإحن الصدور”. وقال في شرحه: “… ويجوز (أخوكم) أن يكون واحدًا وقع موقع الجماعة كقوله:ترى جوانبها بالشحم مفتوقا”؛(إ.ه) { كتاب الخصائص}.

فكم هي شبيهة ومطابقة هذه الأمثلة لما قاله المسيح الموعود عليه السلام في الفقرات المعترَض عليها!؟

وعليه، فإنه يثبت من جديد صحة الفقرات المعترض عليها في كلام المسيح الموعود عليه السلام، حيث جاء عدم التطابق فيها بين المفرد والجمع، حملا لهذه الالفاظ على المعنى، وهذه من الأساليب اللغوية العالية والبليغة، وإن كانت قد اختفت من الكتابات المعاصرة.