تحقق الجزء الثاني من النبوءة في حق عبد الله آتهم:

الجزء الثاني للنبوءة يقول: إذا عاد ( الفريق الخصم) إلى الحق فسوف يسلم من الذلة والهاوية.

لقد حقق الله تعالى الجزء الأول من النبوءة في حق عبد الله آتهم بإلقائه في الهاوية بقدر ما استحقه من عقاب على تخاذله وتواطئه وكتمانه للحق، فلقي نصيبا من الهاوية على قدر ما استحقه.

إلا أنه قد نجا من الهاوية القصوى وهي الموت، وذلك لتحقق الجزء الثاني من النبوءة فيه، ألا وهو تحقق الشرط في رجوعه إلى الحق، وذلك نظرا لخوفه من النبوءة نفسها حيث استولت عظمة النبوءة وهيبة الإسلام عليه، واستولى عليه الخوف والرعب وهام على وجهه مثلما بيّناه سابقا، وهو ما يعتبر رجوعا نوعيا إلى الحق؛ حيث أكد المسيح الموعود هذا الأمر بقوله: قد أكَّد لي في الوحي أن عبد الله آتهم نال حظا من الرجوع بتسليمه بعظمة الإسلام وهيبته، الأمر الذي أخَّر عنه وعْد الموت والدخول في الهاوية كاملا. فمن المؤكد أنه وقع في الهاوية إلا أنه نجا لأيام من الهاوية العظمى التي تُسمَّى الموتَ. وواضح أن أي كلمة أو شرط في كلمات الوحي وشروطِه لم يكن عديم التأثير أو مما لا يؤدي تحقُّقه إلى أي نتيجة، لهذا كان من الضروري أن يستفيد عبد الله آتهم بقدر ما آمَن بقلبه بعظمة الحق، وهذا ما فعَله الله وأوحى إلي قائلا: [اطلع الله على همه وغمه، ولن تجد لسنة الله تبديلا. ولا تعجبوا ولا تحزنوا، وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين. وبعزتي وجلالي إنك أنت الأعلى، ونمزّق الأعداء كل ممزَّق، ومكر أولئك هو يبور. إنا نكشف السرّ عن ساقه يومئذ يفرح المؤمنون. ثلة من الأولين وثلة من الآخرين. وهذه تذكرة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا] أي لقد اطلع الله على همِّ آتهم وغمِّه وأمهله حتى يميل إلى التجاسر والبذاءة والتكذيب وينسى المِنةَ الإلهية، وهذه المعاني للوحي بتفهيم إلهي. ثم قال: هذه هي سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا وتغييرا، والمعنى الذي فُهِّمتُه من الله لهذه الجملة أن من عادة الله – سبحانه وتعالى – أنه لا يُنزل العذاب على أحد حتى تَظهر أسبابٌ تثير غضب الله، وإذا كان شيء من خشية الله يكمن في أي زاوية من القلب وظهر فزعٌ فلا يَنزل العذاب ويتأجلُ إلى وقت آخر…… لقد شرحتُ الإلهام الإلهي بتفهيم إلهي، وملخصه أن سنة الله منذ القدم أنه ما دام الكافر أو المنكر لا يخلق أسبابَ الهلاك بمنتهى التجاسر والتمادي في التباهي فلا يهلكه الله – سبحانه وتعالى – بعذاب، وحين يحين نزول العذاب على أي منكر تتولد فيه تلك الأسباب فيُكتب له الهلاك بموجبها. هذه هي القاعدة القديمة لنزول العذاب الإلهي، وهذه هي السنة المستمرة، وهذه القاعدة غير المتبدّلة التي ذكرَها الكتابُ الإلهي (أنوار الإسلام، ص: 4-5 / إعلان 5-9-1894)

فلم يمت آتهم في المدة المحددة لأنه عاد إلى الحق بشكل جزئي، فاستحق رحمة من الله تعالى أن ينال النجاة من الموت ولو مؤقتا؛ وفق قوله تعالى: { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (8)} (الزلزلة 8)؛ وذلك لأن النبوءة بحقه كانت مشروطة وانطبق عليه الشرط؛ تمشيا مع سنة الله تعالى في تأخير ورفع العذاب في نبوءات الوعيد مثلما حدث مع قوم يونس عليه السلام.

وبذلك يكون آتهم قد لقي من الله الرحمة بقدر ما عاد إلى الحق وفق الجزء الثاني من النبوءة وانطباق الشرط عليه، ولقي الهاوية والعذاب بقدر ما بقي مجرما متخاذلا عن الرجوع الكامل إلى الحق وفق الجزء الأول من النبوءة عليه. وهذا يؤكده المسيح الموعود عليه السلام بقوله: والآن قد كشف الله عليّ في إلهامه الخاص أنه عاد إلى الحق نوعا ما نتيجة خوفه هيبة الإسلام وبإيراد الهم والغم على قلبه وهذا ما أدّى إلى تأجيل ميعاد الموت لأنه كان من الضروري أن يراعي الله ذلك في نفسه، وهو الله الرحيم الكريم الذي قال في كتابه المقدس: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} … أي ينال أجره حتما. فقد نال عبد الله آتهم أجر عودته إلى عظمة الإسلام نوعا ما بحسب الشرط في الإلهام، غير أنه من المؤكد أيضا أنه إذا عاد إلى التجاسر وسلاطة اللسان والإساءة فسوف يتحقق فيه ذلك الوعيد. ( إعلام 9-9-1894، مجموعة إعلانات، جلد 1)

وبناء على كل هذا نرى أن النبوءة قد تحققت في آتهم وفريقه من القساوسة بحذافيرهاحتى قبل موته، وإن كان موته فعلا بعد انقضاء المدة هو بمثابة إغلاق باب هذه النبوءة وتحققها المطلق كما سنبينه لاحقا.


صدق الإلهام: اطّلع الله على همّه وغمّه

يشكك المعارضون منذ زمن المسيح الموعود في هذا الإلهام الوارد في النصّ الذي سقناه أعلاه من كتاب أنوار الإسلام، بقولهم إن المسيح الموعود فبركه بعد انقضاء مدة النبوءة ليبرر تحقق شرط النبوءة في عبد الله آتهم؛ هذا رغم تصريح المسيح الموعود أن الله أخبره بهذا الإلهام قبل انقضاء المدة.
وردًّا على هذا الاتهام نقول:إن صدق هذا الإلهام يثبت من الشواهد التالية:

– أكبر هذه الشواهد وأهمها هو القسم المشفوع بعذاب الموت، الذي أدلى به المسيح الموعود عليه السلام على صدق هذا الإلهام، وأن الله أخبره به؛ وذلك في رسالة أرسلها المسيح الموعود إلى عبد الله آتهم يقول له فيها:

“من عبد الله الأحد أحمد عافاه الله وأيد. فلتعلم يا سيد آتهم أني قد قرأت رسالتك التي نشرتَها في الصفحة 10 من نور أفشان الصادرة في 21/ 9/1894 لكن من المؤسف أنك في هذه الرسالة بذلتَ قصارى جهدك أن لا يظهر الحق، أما أنا فقد عرفت بتلقي الإلهام الصادق المقدس من الله – سبحانه وتعالى – قطعا ويقينا كما تطلع الشمس أن هيبة الإسلام وعظمته في ميعاد النبوءة قد أثرت في قلبك تأثيرا قويا، فاستولى على قلبك الهمُّ والغم الكاملان من تحقق النبوءة. إنني أقول مقسما بالله جل شأنه بأن هذا صواب تماما، وقد علمت بذلك من خلال كلام الله، فقد أنبأني ذلك القدوس الخبير بأفكار قلوب الإنسان والمطلع على أفكاره الخفية (1). وإن لم أكن على حق في هذا التصريح فأدعو الله تعالى أن يميتني قبلك. ” ( أنوار الإسلام إعلان 5-10-1894)

وقد تحقق صدق المسيح الموعود عليه السلام في قسمه هذا حيث لم يُمته الله تعالى قبل آتهم بل مات آتهم في حياته، وبذلك شهد الله تعالى على صدق هذا الإلهام وصدق المسيح الموعود في كل ما قاله في هذا الشأن، وصدق هذه النبوءة كلها؛ وكفى بالله شهيدا!!!

– أكّد المسيح الموعود نزول الإلهام في مدة ال15 شهرا للنبوءة حيث قال: “ملحوظة: يقول بعض السفهاء: لماذا لم أنشر هذا الإعلان خلال خمسة عشر شهرا؟ فليتضح أن هذا الإلهام كان قد نزل خلال خمسة عشر شهرا، ثم لما أثبت الإلهام صدقه، فإنكار الأمر الثابت المتحقق إلحاد. منه” ( حاشية أنوار الإسلام/ إعلان 5-10- 1894)

– ما يستنتج من الاقتباس السابق أيضا، أن تحقق الإلهام نفسه دليل على صدقه، إذ إن الدلائل على خوف آتهم من النبوءة عديدة كما بيّناه وسنفصله لاحقا أيضا.

– ردّ المسيح الموعود عليه السلام على هذا الاعتراض بقوله لأحد المعترضين: “فقل لي صدقا هل قد اختلقتُ العذر الآن أم كان الشرط موجودا في الإلهام سابقا؟”؛ ويقصد حضرته أن وجود الشرط في أصل النبوءة دليل على صدق هذا الإلهام الذي هو بمثابة تذكير بتحقق شرط النبوءة.

– تدوين المسيح الموعود عليه السلام هذا الإلهام في دفتر إلهاماته تحت تاريخ 31-8-1894 أي أن حضرته تلقاه قبل أربعة أيام من انقضاء موعد النبوءة. ( التذكرة)

كل هذه شهادات على صدق هذا الإلهام، ولكن أهمها وهو ما يقطع الشك باليقين، هو الدليل الأول، وهو القسم المشفوع بعذاب الموت الذي أدلى به المسيح الموعود عليه السلام.


لماذا رغم هذا الإلهام بقي الأحمديون ينتظرون تحقق النبوءة حتى آخر لحظات انتهاء مدتها أي الخمسة عشر شهرا؟

جاء في التفسير الكبير على لسان الخليفة الثاني رضي الله عنه: “لن أنسى المشهد الذي رأيته عند حلول آخر يوم من المدة المضروبة لموت القسيس “آتهم” في نبوءة المسيح الموعود. أتذكر أن الأحمديين اجتمعوا … وبدءوا يدْعون الله تعالى ببكاء وصراخ قائلين: ربِّ، حَقِّقْ هذه النبوءة. وكان بينهم أفغاني اسمه عبد العزيز، فكان يضرب رأسه بالجدار بشدة ويقول: رب لا تجعلْ شمسَ اليوم تغرب حتى تُهلِك “آتهم”. (التفسير الكبير سورة الزلزلة)

وتفسير هذه القصة والتساؤل الذي يثار حولها، لماذا بقي الأحمديون ينتظرون تحقق النبوءة بحق عبد الله آتهم أي موته حتى آخر لحظة؟ فجوابه بسيط جدا، وهو أن بعض النبوءات ليس بالضرورة أن يعرف معناها وكيفية تحققها بدقة، إلا عند تحققها، والمؤمن الصادق لا بد له أن يأخذ الحيطة والحذر وأن لا يستهين بأي نبوءة، وأن ينتظر ما يكشفه الله تعالى عليه من أحداث ليعرف المعنى الحقيقي للنبوءة؛ فعند نزول الإلهام ” اطلع الله على همه وغمه”، ليس من الغريب أن يكون معناه الدقيق والهدف منه ليس مفهوما بشكل واضح، فهذه الأمور تبقى في علم الله، وأما المؤمنين فلا بدّ لهم من مواصلة الدعاء لتحقق النبوءة الأصلية، حتى يتضح الأمر جليا.

فعند انقضاء المدة، وعدم موت آتهم فيها، اتضح جليا معنى الإلهام وتتابعت الأخبار والشواهد بعدها التي تؤكد على صدقه، كمثل أن يشهد عبد الله آتهم على نفسه بعد انقضاء المدة في جريدة ” نور أفشان” بتاريخ 14-9-1894 أنه كان يستولي عليه الخوف، فمرور الوقت وورود الأخبار والأحداث المؤيدة للإلهام ساعدت في فهمه وتفسيره وتأكيد مصداقيته