خطبة الجمعة

التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز

الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي u بتاريخ 27/9/2109م

في نونسبيت بمناسبة الجلسة السنوية لجماعة هولندا

 

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ]بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين[. آمين.

تبدأ اليوم بفضل الله تعالى الجلسة السنوية للجماعة الإسلامية الأحمدية في هولندا، ووفقني الله تعالى بعد سنوات لأحضر هذه الجلسة، كان أمير الجماعة في هولندا يدعوني منذ سنوات لحضور الجلسة ولكنني لم أستطع الحضور بسبب أعمال الجماعة الأخرى على الرغم من أمنيتي للحضور. وإنه لفضل من الله تعالى أنه يوفقني اليوم لحضور هذه الجلسة.

قد ازداد عدد الجماعة في هولندا في بضع السنوات الأخيرة، على الأقل ثلث المجموع ازداد يقينا، كثير منهم جاؤوا هنا مهاجرين من باكستان وانضم بعض الجدد إلى الجماعة. باختصار تزدهر جماعة هولندا أيضا كباقي الفروع للجماعة في العالم من حيث العدد والوسائل. وتُنشر هنا كتبُ الجماعة ومنشوراتها أيضا على وجه أحسن، واقتنت الجماعة بعض المراكز الجديدة ومسجدا أيضا، لم أر بعد هذا المسجد ولكنني سمعت من الناس أنكم بنيتم مسجدا جميلا في ألميرا، وسوف أدشن هذا المسجد في الأسبوع القادم بفضل الله تعالى، أعني الافتتاح الرسمي وإلا بدأت فيه الصلوات على ما أظن، ولكن يجب أن تذكروا دوما أنه لا يفيد ازدياد العدد أو دُور التبشير أو بناء المراكز أو المساجد ما لم تتحقق غايتها، فثمة حاجة ليفحص الأحمديون المقيمون هنا أنفسهم ويروا ويبحثوا ما هي الأهداف التي يجب أن نحققها بعد بيعتنا للمسيح الموعود u.

وكما قلتُ لقد هاجر إلى هنا كثير من الأحمديين في السنوات الأخيرة وقد ازداد عدد الجماعة أيضا، لماذا هاجروا وأتوا هنا؟ لأن الأحمديين ولا سيما الأحمديين الباكستانيين لا يحظَون بالحرية الدينية في بلدهم ويؤذون باسم الدين، وتُهضم حقوقهم، وذلك لأنهم آمنوا بإمام الزمان u بحسب نبوءة الرسول r وبأمره. ويُمنع الأحمديون من ذكر اسم الله تعالى وعبادته لأنهم بايعوا المحب الصادق للرسول r، ناهيك عن بناء المساجد إنهم يُمنعون من عقد الجلسات والاجتماعات لتربية أبناء الجماعة بل الحق أنهم لا يستطيعون أن يصلُّوا حتى في بيوتهم بحسب القانون كما لا يستطيعون أن يضحوا بالقرابين في مناسبة العيد، والقانون الباكستاني لا يسمح لنا بذلك، وتُرفع القضايا ضدنا على هذا الأساس، لأن ذلك يجرح مشاعر المشايخ المزعومين وأتباعهم! وفي مثل هذه الحالات يهاجر كثير من الأحمديين من باكستان إلى بلاد أخرى تعطي حرية دينية، وقد هاجر الكثيرون، والذين أتوا منكم هنا مهاجرين يتمتعون هنا بالحرية الدينية ويجدون فرص تحسين حالتهم المالية والاقتصادية، فكل أحمدي يعيش هنا متحررا من القيود التي كان يواجهها في باكستان ولهذا يجب أن يشكر الله تعالى بوجه خاص ويسعى كل السعي لأداء حق البيعة للمسيح الموعود u، ويحسن حالته الروحانية والعلمية والأخلاقية، ولا ينبغي أن نفرح بمجرد الحرية وبأننا لا نواجه قيودا تمنعنا من ممارسة مذهبنا. إن لم تكن أعمالنا وفق أحكام الله تعالى وإذا لم نسعَ لإحداث التغيير الطيب في أنفسنا وإذا لم نزدد حبا لله وللرسول r فما فائدة هذه الحرية؟ وما فائدة حضور هذه الجلسات؟ وما فائدة بناء هذه المساجد؟ الفائدة الحقيقية لهذه الحرية في أن نؤدي حق البيعة. لقد أمر المسيح الموعود u بعقد هذه الجلسات بأمر من الله تعالى لكي تحدث التغييرات الطيبة في نفوسنا بسبب هذه الجلسة ولكي نقدم الدين على الدنيا ونفهمَ الدين فهما صحيحا ونخلقَ حب الله وحب الرسول في قلوبنا ونحسّن حالتنا الروحانية والأخلاقية والعلمية ونسعى لذلك كل السعي. قال المسيح الموعود u في موضع مبيِّنًا مقاصد الجلسة وأهدافه ومسديا النصيحة لمبايعيه: “الهدف الحقيقي من البيعة هو أن يفتُر حبُّ الدنيا ويستولي على القلوب حبُّ الله I وحبُّ الرسول الأكرم r وتتيسر لهم حالة من الانقطاع التام عن الدنيا حتى لا يعود السفر إلى الآخرة مكروها لديهم.” (مجموعة الإعلانات ج1)

فهذا قول واضح أنه بعد البيعة لا ينبغي أن تقتصروا على الدعوى باللسان فقط بل يجب أن تصبحوا مخلصين، ولا تستطيعون أن تزدادوا إخلاصا ووفاء ما لم تؤثروا حب الله وحب الرسول على جميع أنواع الحب، لذلك وضع في شروط البيعة أن المبايع يجب أن يتخذَ قولَ الله وقولَ الرسول دستورًا لعمله في جميع مناهج حياته. ولا يستطيع المرء أن يجعل قول الله وقول الرسول منهجا له في كل أمر ما لم يكن لديه حب حقيقي. فهذه الجلسات إنما تُعقد للتذكير المتكرر بأنه ما هو الهدف من بيعتنا. وهذا ليس هينا أن تفتر حب الدنيا نهائيا ويسيطر على القلب حب الله وحب الرسول r بل هو يحتاج إلى جهد جهيد، وما دمنا قطعنا عهد البيعة فلا بد أن نجتهد لذلك، ولا بد أن نضحي بتجارتنا الدنيوية من أجل العبادات، ولا بد أن نضحي بأعمالنا الدنيوية من أجل أداء حقوق الله تعالى، ولا بد أن نتجنب كل ما يمنعنا من التقرب إلى الله تعالى، إذا كانت وظائفنا وتجاراتنا عائقا في طريق أدائنا حقوق الله تعالى فلا بد أن نتخلى عنها لكي نبقى في جماعة المسيح الموعود u ولا بد أن نزيل تلك العوائق. وكذلك إذا كانت أنانيتنا وعزّنا الدنيوي المزعوم وصيتنا وأفكارنا النفعية وأعمالنا تمنعنا من أداء حقوق العباد فهذا أيضا عصيان لأوامر الله تعالى لأن الله تعالى أمر بأداء حقوق العباد أيضا، وإذا عصينا الله فيما يتعلق بحقوق العباد فهذا يعني أننا لا نؤدي حق انضمامنا لجماعة المسيح الموعود u. ثم وجّهنا المسيح الموعود u إلى حب الرسول r وصرّح بأنه يجب أن يكون حب الرسول r أكثر من حب الناس جميعا وغالبا على حب الجميع، لأنه لا يمكن الوصول إلى الله تعالى إلا بواسطة الرسول الكريم r، وبواسطة العمل بأوامره وسنته. إن وسيلة استجابة الأدعية والعاقبة الحسنة الآن هي الرسول r، قال المسيح الموعود u: انظروا، يقول الله تعالى في القرآن الكريم ]قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ[ (آل عمران: 32) أي إن الله تعالى يحبكم حين تتبعون الرسول المقبول r وتعملون بسنته وتمتثلون لأوامره، قال المسيح الموعود u: الطريق الوحيد لكون المرء حبيبَ الله هو اتباع النبي r وليس هناك طريق آخر يوصله إلى الله، يجب أن تكون غاية الناس البحث عن إله واحد لا شريك له، أي يجب أن نبحث عن الله الذي هو واحد لا شريك له ولا نجعل له ندا، قال u: يجب اجتناب الشرك والبدعة وألا يكون تابعا للتقاليد ولا مطيعا للأهواء، ألا إنني أكرر القول إن الإنسان لا يمكن أن يُفلح بأية طريقة ممكنة دون الطريق الحق للنبي r بأي طريقة ممكنة. قال u: إنما رسولنا واحد فقط، وإنما القرآن الكريم وحده نزل على هذا الرسول، وباتباعه فقط نفوز بقرب الله… قال u: تذكروا أن اتّباع القرآن الكريم وكلام النبي r والصلاة والصوم وغيرها من الطرق المسنونة ليس سواها أي مفتاح لفتح أبواب أفضال الله وبركاته. هذ هو الطريق الوحيد وليس هناك طريق آخر.

فللحصول على هذه البركات لا بد من حب رسول الله r، ومن منطلق هذا الحب يجب العمل بأوامره r، وإلا فقد وضّح سيدنا المسيح الموعود u أنه لا جدوى من بيعتكم له u. وكذلك إن حضوركم مثل هذه الجلسات يصبح عبثا محضا. يقول المسيح الموعود u إنني أحب حبيب الله هذا، فإذا كنتم تريدون أن تبقوا في بيعتي فلا بد لكم أيضا من أن تحبوا حبيبي.

ثم يقول u: اخلقوا في أنفسكم حالة من التبتل والانقطاع إلى الله تعالى، أي حالةً تُبعدكم عن اللهو واللعب الدنيوي، حتى يصبح كل عمل من أعمالكم تابعا لأحكام الله تعالى وأحكام رسوله r. مما لا شك فيه أن كسب الدنيا والانشغال بأمورها وتجاراتها ليس ممنوعا، بل الله تعالى قد أمر بذلك. كان الصحابة y أيضا يقومون بهذه الأعمال، وكانوا ينشغلون في المشاغل الدنيوية وتجارتها على نطاق واسع لدرجة كانت تجارة بعضهم تقدَّر بالملايين والبلايين، وكانوا يقومون بالمعاملات التجارية وغيرها، وكانت لدى بعضهم عقارات يقدّر ثمنها بالملايين والبلايين. ومع ذلك كان حب الله تعالى وحب رسوله غالبا عليهم، وكانوا منتبهين دائما إلى أداء حقوق عبادة الله والعمل بأوامر رسول الله r. وكانوا منتبهين أيضا إلى ألا يصدر منهم فعلٌ يَسخط بسببه عليهم حبيببُهم.

في هذه الأيام أذكر الصحابة y في خطبي، ونجد في سِيَرهم أمثلة كثيرة عن كيفية عباداتهم وكيف كان مستوى طاعتهم لرسول الله r، وكم كانوا يكنّون حبا لرسول الله r. فعلينا أيضا أن نضع في الحسبان دوما ألا نقصّر في حبنا لله ولرسوله على الرغم من المشاغل الدنيوية، بل علينا أن نبذل قصارى جهودنا للعمل بأوامر الله ورسوله، ولنعلم أننا قد اجتمعنا هنا لثلاثة أيام لتحسين حالتنا العملية وللاستفادة من جوّ روحاني للجلسة. لذا يجب أن ننتبه جيدا ونفكر ما هو الهدف من اجتماعنا هنا لثلاثة أيام. ألا وهو أن نستفيد من هذا الجو الروحاني، ومحاولة تحسين حالتنا العلمية والعملية، ونتخلص من السيئات، وأن ننتبه إلى ذكر الله والاستغفار إلى جانب العبادات الأخرى. وإن لم يكن هذا هو نهج تفكيرنا فإن حضورنا الجلسة عبث محض. فمن مقتضى الحكمة أن نحسب هذه الأيام الثلاثة دورة تدريبية، ونبذل جهودنا لإزالة النقائص والتقصيرات من أعمالنا لأن حدوث ذلك ممكن عندما يخرج من بيئة إلى أخرى.

يقول المسيح الموعود u في ذكر فوائد الجلسة: “يجب على الإخوة أن يحضروا حبًّا لله في الموعد المحدد من أجل الاستماع إلى الأحاديث الربانية وللاشتراك في الدعاء”. ثم يقول:

“سوف نشتغل أثناء هذا الاجتماع في بيان الحقائق والمعارف التي هي ضرورية للزيادة في الإيمان واليقين والمعرفة”.

إذًا، إن الهدف من الجلسة هو رفع مستوى الإيمان واليقين والمعرفة. وقال u في موضع آخر إن هذه الجلسة ليست كمهرجانات دنيوية عادية حيث يجتمع الناس وينهمكون في اللهو واللعب فحسب. كما ليس الهدف من جلساتنا إظهار عددنا. فيجب على كل من يشترك فيها -رجلا كان أم امرأة، شابا كان أم شيخا- أن يتنبه جيدا إلى الازدياد إيمانا ويقينا ومعرفة وحبا لله ولرسوله. فإذا كان المشتركون في الجلسة يزدادون إيمانا ويقينا ومعرفة، عندها فقط يزداد حبهم لله ولرسوله. أما إذا لم يُدرك المرء مكانة الله ومكانة رسوله أو لا يوقن بوجود الله تعالى فأنى له أن يزداد معرفة؟ والحق أن المرء يزداد إيمانا نتيجة ازدياده في المعرفة.

فعلينا أن نفهم جيدا أننا لم نجتمع هنا من أجل الاحتفال والترفيه فقط لنخوض في القيل والقال وننصرف. فإذا كان هذا هو نهج تفكير أحد فإن حضوره الجلسة عبث تماما كما قلتُ من قبل.

لقد وجّه المسيح الموعود u أنظارنا إلى الحسنات -بما فيها المتعلقة بأداء حقوق الله تعالى وحقوق عباده- وقال ما مفاده: يجب على المرء أن يكسب الحسنات لنيل رضا الله تعالى والعمل بأوامره دون الطمع في الأجر.

فهذه هي فلسفة حب الله تعالى الحقيقي أن نعمل بأوامره I، بما فيها العبادات وأداء حقوق الله وحقوق عباده، ولا نعمل بها طمعا في الأجر والثواب من الله تعالى. غير أن الله تعالى لا يترك أيّ عمل بغير أجر بل يعطي الأجر على كل عمل حسن حتما.

ولكن مقتضى الإيمان الحقيقي هو، كما يقول المسيح الموعود u، ألا نكسب الحسنات طمعا في الأجر بل نكسبها للعمل بأوامر الله تعالى فقط. يقول u ما معناه: لا يكتمل إيمان المرء إلا إذا زالت من ذهنه فكرة الحصول على الأجر. فقال: لا تخوضوا في مثل هذه الأفكار لأنه إذا خالجت ذهن أحد هذه الأفكار لن يكتمل إيمانه. يقول u: صحيح أن الله تعالى لا يضيع أية حسنة بل يقول: ]إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ[ فيجب على كاسب الحسنات ألا يهتم بالأجر. فالحسنة الحقيقية هي التي تُكسب بغير الطمع في الأجر والإنعام. فعلينا أن نحسن معاملة الناس ونؤدي حقوقهم واضعين هذا المبدأ في الحسبان، لأن معاملة الناس بالحسنى إنما هو أمر من الله تعالى ورسوله وسنته r. فقد أمرنا النبي r أن نسعى جاهدين لأداء حقوق بعضنا بعضا ونضرب أمثلة عليا في الأخلاق الفاضلة سواء نلنا عليها أجرا من الناس أم لا، ولنعلم أن الله تعالى يعطي الأجر على الحسنة حتما. فما دام إلهنا يعاملنا على هذا النحو فكم حري بنا أن نعمل بأمر الله تعالى لنيل رضاه ونجتنب السيئات التي أمرنا U باجتنابها.

فبعد مجيئكم واستقراركم في هذه البلاد المتقدمة وهذه المجتمعات التي يُرتكب فيها أنواع اللغو باسم الحرية عليكم أن تنتبهوا إلى حالتكم العملية كثيرا. ففي بعض الأحيان تحول السعة المالية دون كسب الإنسان الحسنات، أي عندما تتحسن ظروف الناس المادية ينسون أحيانا أيامهم السابقة، ويزعمون أنهم لو لم يعملوا عملا دنيويا كذا وكذا سوف يتعرضون للخسارة. ولكن الله تعالى يقول إنه هو الرزاق. فنلاحظ بوجه عام في الناس الماديين أنهم ينتهبون إلى ألا يتعرضوا لأي خسارة دنيوية وبناء على هذا التفكير لا يؤدون حقوق الله تعالى. ولسوء الحظ إن بعضا من أفراد الجماعة أيضا يفعلون ذلك بحيث يتركون الصلاة من أجل مشاغل دنيوية. فمثلا إذا حانت الصلاة وكان هناك عليهم أن يعملوا عملا دنيويا معينا في الوقت نفسه، فيهملون الصلاة أو يجمعون بين الصلاتين فيما بعد، أو ينسونها أحيانا ولكن لا يهملون عملا دنيويا.. فعلينا أن نجتنب هذه العادة. ومنهم من يصلّون بسرعة كأنها دَين عليهم ويريدون أن يتخلّصوا منه فورا. ولكن هذه الوتيرة لا توحي بحب الله في شيء بل تنم عن حب الدنيا. ولكن إذا كنتم تريدون أن تؤدوا حق بيعة المسيح الموعود u فلا بد لكم من أداء حق عبادة الله تعالى. لقد وجّه المسيح الموعود u أنظارنا إلى أن ندرك حقيقةً أن نعبد الله تعالى منصبغين بصبغة حب الله الذاتي. هذا هو الأصل في الموضوع. وأن تعبدوا الله U حاسبين عبادته فريضة واجبة عليكم وليس كأنكم تريدون أن تتخلصوا منها. فلو حظي الإنسان بحب ذاتي لله تعالى وعبَده I منصبغا بصبغة الحب الذاتي لكانت العبادة خالصة لله تعالى، وعندها سوف تتلاشى الأغراض الدنيوية كلها. وعندها ستتبين حقيقة إيثار الدين على الدنيا، وعندما ستنتهي الأغراض المادية فسوف يَرزق الله الإنسان من حيث لا يحتسب، كما قال I: ]وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ[. يقول سيدنا المسيح الموعود u في تفسير آية ]وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا[

… فمن الحق والصدق تماما أن الله لا يُضيع عباده أبدًا، وهو يحميهم من أن يمدوا أيدي السؤال إلى الآخرين.. أما أنا فأؤمن أنه إذا كان المرء متوجها إلى الله وكان صادقًا فإن الله يبارك في عائلته حتى سبعة أجيال ويمد إليه يد رحمته وبركته (إلا أن يعمل أحد بشقاوته أعمالا تحرمه من فضل الله I) ويحميهم بنفسه.

يقول حضرته u: على الإنسان أن يُتلف جميع الوسائل ويُبقي وسيلة الحب الإلهي فقط، (أي يجب أن تعدّوا وسيلة الحب الإلهي وحدها ناجحة ونافعة وبها وحدها تنالون كل شيء) .. فالحق أن من كان لله كان الله له.. فكونوا بحيث تنزل عليكم آثار بركات الله ورحمته.. فالذي هدفه من نيل العمر التمتعُ بملذات الحياة الدنيا ومُتعِها، فأي فائدة ترجى من حياته، (أي أن الذي جعل غايته المتوخاة أن ينال العمر فقط وينال الملذات المادية والـمُتع فلا فائدة ترجى منه) إذ ليس في حياته أي نصيب لله I، فهو يجعل الهدف من حياته منحصرا في تناوُل الأطعمة اللذيذة والنومِ المريح والتمتع بالزوجة والأولاد والبيوت الفاخرة أو الخيول الفارهة أو البساتين الرائعة أو الزروع. فهو عبْد بطنه (فمثل هذا الإنسان ليس عبدا لله ولا هو يعبده، بل لا يجدر أن يدعى عبدا وإنما يعبد أغراضه الذاتية وغايتُه المتوخاة أن يكون له عقار وثروة وبيوت وخيول رائعة، فقد ذكر حضرته الخيول لأنها في الماضي كانت تربى الخيول، أما في العصر الحاضر فيمكن أن نقول السيارات الفارهة، فهذه الأشياء بحد ذاتها ليست وحدها هدفا، إلا أن الاستفادة من هذه النعم واجبة، لأن الله هو قد رزقها، ويجب أن لا ينحصر هدف المرء في الحصول على هذه النعم، أما إذا كان حصر هذا الهدف في الحصول عليها فقد اتخذ هذه الأشياء إلهه، وهو يعبدها، ومثل هذا الرجل لا يمكن أن يدعى عبد الله وعابدَه، بل هو يعبد أغراضه الشخصية)

قال حضرته u: فهو قد اتخذ أهواءه النفسانية واللذائذ البهيمية وحدها معبوده ومطلوبه ومقصوده. (فهذه هي حصرا أمانيّه) بينما الغاية التي بيَّنها الله I من خلْق الإنسان هي العبادة كما ورد ]وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[. فقد حصر الهدف والغاية في عبادة الله ولذلك قد خلق هذا النظامَ كله، لكنه خلاف ذلك تظهر الغايات والأماني الأخرى.

أي يصدر في العالم في العصر الراهن عكسُ ذلك تماما، وبدلا من السعي لنيل هذا الهدف نرى أن لكل إنسان رغائبَ أخرى منافية لذلك، فهو قد انغمس في كسب الدنيا فقط، وتصدر منه أمنياتٌ أخرى، إذ قد غلبت الأهواء المادية حبَّ الفوز بقرب الله. فهذه الأمور يجب أن تسوقنا إلى التأمل والتفكر، في كيف يمكن أن نحرز الحياة من هذا القبيل، بحيث يجب ألا يشغل بالَنا دوما الاهتمامُ بالحياة الدنيا فقط، بل يجب أن نبذل جميع كفاءاتنا ومواهبنا لتحقيق الغاية المتوخاة من حياتنا. فبعد الهجرة إلى هذه البلاد يجب أن نسعى جاهدين لأداء حق عبادة الله مستنزلين فضله. يجب ألا تكون أمنياتنا ورغائبنا معارضة لهذا الهدف كما قال سيدنا المسيح الموعود u، بل يجب أن نحرز معرفة خالقنا ونحرز الغاية المتوخاة من خلْقنا، ونحقق الهدف الذي من أجله بعث الله I المسيحَ الموعود u في هذا العصر، يقول حضرته u:

إنما بُعثت لأقوِّي الإيمان وأُثبت للناس وجود الله I لأن إيمان كل قوم قد ضعُف جدا، ويُعَدّ عالم الآخرة مجرد قصة، (أي لا يقيم الناس أي قيمة للحياة بعد الموت وإنما يعدّونها قصة وأسطورة) وكل إنسان بعمله يقول إنه كما يثق بالدنيا ومراتبها ووجاهتها وكما يعتمد على الوسائل المادية، لا يثق الثقة نفسها بالله I ولا بعالم الآخرة. فعلى الألسنة أمور، ويستولي على القلوب حبُّ الدنيا. (أي صحيح أنهم يذكرون اسم الله بألسنتهم، إلا أن حب الدنيا مسيطر على قلوبهم، وهذه الغلبة تظهر من خلال أعمالهم)

قال حضرته: كان حبُّ الله I قد فتر في قلوب اليهود فجاءهم المسيح u في ذلك الزمن ليأتي بهم إلى الدين وإلى الله I، وتلاحظ الحالة نفسها في زمني أيضا.

فقد بُعثت ليعود زمنُ الإيمان من جديد وتنشأ التقوى في القلوب.

فاليوم من واجبنا أن نؤدي حق بيعتنا من ناحية ونزداد حبا لله I ونرسخ التوحيد في قلوبنا ونُعرض عن الدنيا وملذاتها مقابل حب الله ورسوله، ومن ناحية أخرى نُحدث في نفوسنا تغييرات طيبة ونسعى أن نقرِّب بها المجتمعَ أيضا إلى الله. اليوم ترفض الدنيا الإيمان بوجود الله وكل سنة عدد كبير من الناس يكفرون بوجود الله باستمرار، ويتخلون عن الدين. وهذا في المسيحية والأديان الأخرى وفي بعض المسلمين أيضا. وحين يكفر هؤلاء من واجبنا أن نخلق في قلوبنا حبَّ الله I ونُطلع العالم أيضا على حقيقة وجود الله I، عندها سنحقق الهدف من عقد هذه الجلسة وعندها فقط سنؤدي حق بيعتنا للمسيح الموعود u. فلا يكفي أن نخلق حب الله ورسولِه فينا فقط، فمهمتنا لا تنحصر في ذلك، بل أكثر من ذلك حيث يجب علينا ألا ندَّخر جهدا لخلق حب الله ورسولِه في قلوب أولادنا وأجيالنا القادمة أيضا، وكذلك يجب أن نُطلع العالم على حقيقة وجود الله كما قلت سابقا. كما تقع علينا مسئولية مواصلة أعمال المسيح الموعود u ومهمتِه بعد أن بايعناه. وفقَنا الله لذلك، بحيث نقضي أيام الجلسة هذه سعيا لرفع معايير عباداتنا والدوام عليها، ونزداد دوما حبا لله ورسوله ولا تستولي علينا ملذات الدنيا وأهواؤها أبدًا. واعلموا أن كل ذلك يستحيل بدون الفضل من الله، لذا ثمة حاجة ماسة للدعاء الكثير لاستنزال أفضال الله I ولا بد من الاهتمام بهذا كثيرا، وفقَنا الله لذلك.

About الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز

حضرة أمير المؤمنين الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز ولد حضرته في الخامس عشر من أيلول 1950 في مدينة (ربوة) في الباكستان. هو حفيد لمرزا شريف أحمد نجل المسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام. أنهى حضرته دراسته الابتدائية في مدرسة تعليم الإسلام في مدينة (ربوة) وحصل على درجة البكالوريوس من كلية “تعليم الإسلام” في نفس المدينة. ثم حصل حضرته على درجة الاختصاص في الاقتصاد الزراعي من كلية الزراعة في مدينة (فيصل آباد) في الباكستان وذلك في عام 1976م.

View all posts by الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز