خطبة الجمعة   

التي ألقاها أمير المؤمنين سيدنا مرزا مسرور أحمد أيده الله تعالى بنصره العزيز

الخليفة الخامس للمسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام

يوم 6/07/2018

في مسجد بيت الفتوح بلندن

*****

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين، آمين.

في هذه الأيام أتناول ذكر الصحابة البدريين. وردت في التاريخ والروايات أحوال بعض الصحابة ووقائعهم بالتفصيل، بينما الكثير منهم قلَّ ذكر أحوالهم، ولكن مكانتهم ثابتة لما شهدوا بدرا، لذا وإن لم يُتَحدَّث عنهم سوى في بضعة أسطر فلا بد من ذكرها. وبعض الصحابة ممن سأتناول ذكرهم اليوم أحوالهم المدونة قليلة جدا، فأولهم سُبَيْع بن قَيْسِ بن عَيْشَةَ، اسم جده عند البعض عبسة وعند البعض الآخر عيشة، على أية حال كان أنصاريا من الخزرج، شهد بدرا وأحدا، واسم أمه خديجة بنت عمر بن زيد، وكان له ابن يدعى عبد الله، وأمه من قبيلة بني جدارة، توفي ابنه في الصغر ولم يكن له ولد آخر، وكان عبادة بن قيس أخاه، وكان لسبيع أخ آخر يدعى زيد بن قيس.

والصحابي الثاني هو أُنيس بن قتادة ؓ، قُتِل في غزوة أحد، يقول البعض أنَّ اسمه أنس ولكن اسمه الصحيح هو أنيس، قال محمد بن إسحاق ومحمد بن عمر: هو أنيس. شهد غزوة بدر مع النبي ﷺ واستُشهد في غزوة أحد، وليس له عقب، وفي رواية كانت خنساءُ بنتُ خِدَام في عَقْدِه حين استُشهد يوم أحد.

ثم هناك صحابي آخر اسمه مُلَيلُ بن وَبْرَةَ ؓ، واختلفت الروايات في اسمه أيضا، فعند ابن إسحاق وأبي نعيم هو مليل بن وبرة بن عبد الكريم بن خالد بن العجلان، وعند عمر والكلبي هو مليل بن وبرة بن خالد بن العجلان، أيْ من دون “عبد الكريم”، كان من بني العجلان وهو فرع من الخزرج، شهد غزوة بدر وأحد، وكان من أولاده زيد وحبيبة، وكانت أمهما أم زيد بنت نَضْلَةَ بن مالك، ولم يكن له عقب، وكان يُسمى خالد بن العجلان، ورد في رواية أنه شهد بدرا وكل الغزوات مع الرسول ﷺ.

ثم هناك صحابي آخر اسمه نَوْفَل بن عبد الله بن نَضْلَةَ ؓ، وهو أيضا قُتل يوم أحد، قال البعض اسمه نوفل بن سلبة بن عبد الله بن نضلة بن مالك بن العجلان، شهد بدرا وأحدا واستُشهد في غزوة أحد، ولم يستمر نسله. ثم هناك صحابي آخر اسمه وَدِيعَةُ بن عمرٍو ؓ، وقال ابن الكلبي: اسمه وديعة بن عمرو بن يسار بن عوف، وعند أبي معشر اسمه رفاع بن عمرو بن جراد، كان من بني جُهَيْنَة الذين كانوا حلفاء بني النجار، شهد بدرا وأحدا، كان ربيعة بن عمرو أخاه.

ثم هناك صحابي اسمه يزيد بن المنذر بن سرح بن خناس ؓ، وهو من الخزرج، وكان قد حضر بيعة العقبة، آخى النبي ﷺ بينه وبين عامر بن ربيعة، شهد بدرا وأحدا، وحين توفي لم تكن له ذرية، وكان أخوه مَعْقِلُ بن المنذر أيضا ممن شهدوا بيعة العقبة وبدرا وأحدا.

ثم الصحابي خارجة بن حُمَير الأشجعي ؓ، وفي اسمه اختلاف كثير في التواريخ، قال ابن إسحاق: هو خارجة بن حمير، وقال موسى بن عقبة: حارثة بن حمير، وقال الواقدي: حمزة بن حمير، واختلفوا في اسم أبيه أيضا، قال البعض: هو حُمير، وقال البعض الآخر: جُميرة وجُمير، ولم يختلفوا في أنه من أشجع حلفاء الخزرج، واسم أخيه عبد الله بن حمير الذي شهد معه يوم بدر.

ثم الصحابي سراقة بن عمرو ؓ، كان أنصاريا، توفي في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة يوم مؤتة، واسمه الكامل سُرَاقَةُ بن عَمْرو بن عَطِيّة بن خَنْساءَ الأنصاري، واسم أمه بنت قيس، وكان من قبيلة الأنصار المحترمة بني نجار، واختلفوا في إسلامه، فقال البعض أسلم قُبيل هجرة النبي ﷺ وقال البعض الآخر أسلم بعد الهجرة بقليل، آخى النبي ﷺ بين مهجع مولى عُمَر وبين سراقة بن عمرو، شهد بدرًا وأُحُدًا والخندق وخيبر كما رافق النبي ﷺ في الحديبية وعمرة القضيّة، وكان من السعداء الذين شاركوا في بيعة الرضوان، وليس له عقب. واستُشهد كما ذكرتُ.

ثم الصحابي عبادة بن قيس ؓ، توفي في ثمان من الهجرة يوم مؤتة، واختلفوا في اسمه أيضا، يقال عبادة بن قيس بن عيشة، كما ورد اسمه جده عبسة أيضا، كان عبادة عمَّ أبي الدرداء ؓ، شهد بدرًا وأحدًا والخندق وخيبر مع النبي ﷺ وشهد الحديبية أيضا، وقتل يوم مؤتة شهيدًا.

ثم الصحابي أبو الضَيَّاح بن ثابت بن النعمان ؓ، توفي في سبع من الهجرة، وفي رواية اسمه عمير بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس وفي رواية أخرى: النعمان بن ثابت بن امرئ القيس. وكان معروفا بكنيته “أبو الضياح”، شهد بدرا وأحدا والخندق والحديبية واستُشهد في غزوة خيبر، يقال ضرب يهودي رأسه بسيف فقطعها.

ثم الصحابي أنسة ؓ، قُتل يوم بدر، ولكن هناك اختلاف، قال البعض عاش حتى عهد أبي بكر ؓ، على أي حال كان مولى حبشيا حرره النبي ﷺ، اسمه أنسة وورد أبو أنسة أيضا، وعند البعض كنيته أبو مسروح، أسلم في بداية الدعوة، وقدِم المدينة في زمن الهجرة واستقبله سعدُ بن خيثمة ؓ ضيفًا، كان شغله الشاغل خدمة النبي ﷺ طول حياته، وكان مطيعا إلى درجة أنه لم يكن يجلس إلا بعد أن يستأذن النبي ﷺ، شهد بدرا مع النبي ﷺ.

ثم الصحابي أبو كبشة سُلَيم ؓ، وكنيته أبو كبشة، توفي في عهد عمر ؓ، وعند البعض اسمه سلمة، كان مولى النبي ﷺ الفارسي المحرَّر. كان من صحابة بدر، وهو من مُوَلَّدِي أرض دوس، وتعدّدت الروايات عن وطنه ونسبه، عند البعض هو فارسي وعند البعض الآخر دوسي وعند البعض مكي، أسلم في بداية دعوة الإسلام وحين أُذن بالهجرة هاجر إلى المدينة وشهد مع النبي المشاهد كلها بما فيها مشهد بدر، حين هاجر إلى المدينة أقام عند كلثوم بن الهدام ؓ، وفي رواية أقام عند سعد بن خيثمة ؓ، وتوفي يوم تقلّد عمر ؓ منصب الخلافة، وهو 22 جمادى الثاني 13 للهجرة.

ثم الصحابي مرثد بن أبي مرثد ؓ، قُتل في صفر 3 من الهجرة في مقام الرجيع، كان من صحابة بدر، وكان حليفا لحمزة بن عبد المطلب، شهد بدرا مع أبيه، وأسلم في بداية الدعوة، وقبل غزوة بدر هاجر إلى المدينة وآخى النبي ﷺ بينه وبين أوس بن الصامت، شهد مرثد غزوة بدر فارسًا واسم فرَسه “السيل”، قال ابن إسحاق: كان مرثد على سرية بعثها النبي ﷺ إلى الرجيع، وهذا الحادث في صفر 3 من الهجرة، وقال البعض كان عاصم بن ثابت ؓ قائدا لها. وواقعة استشهاده كالتالي، تظاهر بنو عضل وقارة بالإسلام وطلبوا من النبي ﷺ إرسال بعض المعلِّمين لتعليم الدين فأرسل النبي ﷺ جماعة تحت إمرة مرثد وفي بعض الروايات تحت إمرة عاصم ؓ، وكانوا قد وصلوا مقام الرجيع إذ اعترضهم بنو هذيل بسيوف مجرّدة وقالوا لا نريد قتلكم بل نريد المال من أهل مكة لقاءكم ونضمن حياتكم، فقال مرثد وخالد وعاصم ؓ لا نثق بعهدكم، فقاتلوا حتى استُشهد كل من الثلاثة.

ومن هؤلاء الصحابة أبو مرثد بن العاص بن الحسين الغنوي رضي الله عنه، وقد توفي عام 12 الهجري. كنيته عند البعض أبو الحصن. أقام في الشام. أسلم في أوائل الدعوة، وهاجر إلى المدينة عندما نزل الإذن بالهجرة، وآخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبادة بن الصامت رضي الله عنهما. عندما هاجر أبو مرثد وابنه إلى المدينة أقاما عند كلثوم بن الهدم، وعند البعض عند سعد بن الهيثم.

 حضر مرثد مع النبي صلى الله عليه وسلم كافة الغزوات. ومن إنجازاته المذكورة في التاريخ أنه لما أراد حاطب بن أبى بلتعة أن يرسل إلى أهل مكة رسالة سرية يخبرهم فيها بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حمايةً لأهله وأولاده في مكة، أطلع اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم على ذلك، فبعث ثلاثة فرسان وراء المرأة التي حملت رسالة حاطب، فاستخرجوا الرسالة منها، وكان أبو مرثد أحد هؤلاء الثلاثة. فعن علي رضي الله عنه بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وأبا مرثد الغنوي وكنا على خيل، قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً من المشركين مَعَهَا كِتَاب حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين. هذه الرواية في البخاري.

وقد روى أبو مرثد الغنوي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها.

توفي أبو مرثد في عهد سيدنا أبي بكر رضي الله عنه في 12 الهجري وعمره 66 عاما.

وهناك صحابي آخر واسمه الكامل هو سَلِيطُ بن قَيْسِ بن عَمْرِو بن عُبَيْدِ اللَّهِ بن مَالِكِ رضي الله عنه. لما أسلم سليط بن قيس وأبو سلمى كسرا أصنام بني عدي بن النجار.

عندما دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ناقته المدينة وقت الهجرة كانت كل قبيلة تريد أن يقيم عندها. ولما مرت ناقته أمام دار بني عدي- وكانوا أخواله صلى الله عليه وسلم إذ كانت سلمى بنت عمرو أم عبد المطلب من بني عدي- اعترضه سليط بن قيس وأبو سليط وأُسَيْرَة بن أبى خارجة في رجال من بنى عدي بن النجار ليقيم عندهم، فقال خلُّوا سبيلها فإنها مأمورة، أي أنها ستبرك بنفسها حسب مشيئة الله.

حضر سليط بدرا وأحدا والخندق وكل الغزوات الأخرى مع النبي صلى الله عليه وسلم. واستشهد في معركة جسر أبي عبيد عام 14 الهجري في عهد سيدنا عمر رضي الله عنهما.

وهناك صحابي اسمه المجذَّر بن زياد رضي الله عنه. استشهد في غزوة أحد. المجذر لقبه ومعناه مكتنز الجسم. آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عاقل بن بكير، وفي رواية: آخى النبي صلى الله عليه وسلم وبينه وبين عكاشة بن محصن.

 اشترك المجذر في بدر وأحد. وعن ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر قال: مَن لقي أبا البختري فلا يقتله، لأنه كان أكفَّ القوم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، وكان لا يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان فيمن قام في نقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم وبني عبد المطلب. فلقي المجذر أبا البختري، فقال له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا عن قتلك. ومع أبي البختري زميلٌ له خرج معه من مكة، وهو جنادة بن مليحة رجل من بني ليث، فقال البختري: وزميلي؟ فقال: المجذر: لا والله ما نحن بتاركي زميلك؛ ما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بك وحدك. قال: لا والله إذاً لأموتن أنا وهو جميعا؛ لا تحدّثْ عني نساءُ قريش من أهل مكة أني تركت زميلي حرصاً على الحياة. فاقتتلا، فقتله المجذر. ثم أتى المجذر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: والذي بعثك بالحق لقد جهدت أن يُستأسر فآتيك به، فأبى إلا القتال، فقتلته.

أولاد المجذر كانوا في المدينة وبغداد.

وعن أبي واعظة أن الثلاثة الذين دفنوا في قبر واحد يوم أحد هم المجذر بن زياد والنعمان بن مالك وعبادة بن الخشخاش.

وفي رواية أن أنيسة بنت عدي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، ابني عبد الله بن سلمة البدري قد قُتل يوم أحد، أحببت أن أنقله، فآنس بقربه. فأذن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم في نقله. وتقرر أن يدفن معه صديقه المجذر أيضا. فنُقلا على بعير في عباءة. وكان عبد الله رجلا ثقيلا جسيما وكان المجذر قليل اللحم، ولكنهما كانا متساويين على الجمل. فعجب لهما الناس الذين أنزلوهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سوى بينهما عملهما.

وهناك صحابي آخر اسمه الحباب بن المنذر بن الجموح رضي الله عنه، وقد توفي في عهد سيدنا عمر رضي الله عنه. حضر مع النبي صلى الله عليه وسلم بدرًا وأحدا والخندق وسائر الغزوات. ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وبايعه على الموت. وقد كتب حضرة مرزا بشير أحمد رضي الله عنه في كتابه “سيرة خاتم النبيين”:

نزل جند المسلمين يوم بدر منزلا لم يكن مكانا جيدا. فقال الحباب بن المنذر بن الجموح: يا رسول الله، أمنزل أنزلكه الله، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فإن كان عندك رأي آخر فائت به. فقال الحباب: يا رسول الله، ليس بمنزل، ولكن انهض حتى تستولي على أقرب عين من قريش، فإني أعلم هذه العين، فماؤها جيد وغزيز عادة. فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم برأيه. ولما كانت قريش قد نزلت وراء التل وكانت العين خالية، تقدم المسلمون واستولوا عليها، ولكن لم يكن بها ماء كثير وكان المسلمون يشعرون بقلة الماء كما نجد إشارة إلى ذلك في القرآن الكريم. ثم إن أرض الوادي الذي نزل عليه المسلمون لم تكن على ما يرام، إذ كانت رملية جدا لا تثبت عليها الأقدام. ولكن الله تفضل وأنزل المطر، فجعل المسلمون أحواضا جمعوا فيها الماء، كما تصلبت الأرض الرملية بالمطر ولم تكن أقدامهم تسوخ فيها، أما قريش فصارت أرضهم شبه وحلة، وأصبح ماء عينهم مكدرًا.

 وعن ابن عباس أن جبريل نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن الرأي رأي الحباب بن المنذر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حباب: الرأي رأيك.

كانت راية الخزرج في بدر بيد الحباب بن المنذر رضي الله عنه. اشترك الحباب بن المنذر في غزوة بدر وعمره 33 عاما.

يقول عنه حضرة مرزا بشير أحمد ؓ في كتابه “سيرة خاتم النبيين”: عندما علم النبي ﷺ بواسطة مخبريه باقتراب جيش قريش، أرسل صحابيا اسمه الحباب بن المنذر ليعلم عدد العدو وقوته، وأوصاه أنه إذا كانت قوة العدو كبيرة وكان المسلمون في خطر فعليه ألا يذكر هذا الأمر في مجلس عند عودته بل عليه أن يخبره ﷺ في عزلة حتى لا تتثبط همم المسلمين. فذهب الحباب ؓ سرًّا وعاد بعد وقت وجيز وأطلع النبيَّ ﷺ على واقع الأمر.

وروى ابن سعد عن يحيى بن سعد ؓ أن النبي ﷺ استشار الناس يوم بدر… فقام الحباب بن المنذر وقال: أرى أن ننـزل بين القصور، فنقطع خبر هؤلاء عن هؤلاء، وخبر هؤلاء عن هؤلاء فأخذ رسول الله ﷺ بقوله.

توفّي الحباب في عهد خلافة عمر ؓ. عندما توفِّي النبي ﷺ قام أبو بكر ؓ باحتواء الموقف السائد بين المسلمين حينذاك على أحسن وجه. فقد رُوي بهذا الشأن: فأقبل أبو بكر على الناس … ثم قال: أيها الناس من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية: (وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئًا وسيجزي الله الشاكرين)

يقول سليمان: فنشج الناس يبكون، واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فذهب عمر يتكلم فسكَّتَه أبو بكر. فكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني هيأت كلاماً قد أعجبني خشيت أن لا يبلِّغه أبو بكر. فتكلم فأبلغ، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال الحباب بن المنذر: لا والله لا نفعل أبدًا، منا أمير ومنكم أمير. فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، قريش أوسط العرب دارًا وأعزهم أحسابًا فبايِعوا عمر بن الخطاب أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك، أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ، وأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس.

رُوي عن الحباب بن المنذر ما مفاده أن جبريلا أتى النبي ﷺ، وقال أيهما أحب إليك، إما أن تبقى في الدنيا مع أصحابك أو تعود إلى ربك بوعد النعيم المقيم في الجنة وبما تحبه وتقرّ به عينك؟ فاستشار النبيُّ ﷺ الصحابةَ فقالوا، نحب أن تبقى معنا وتُطلعنا على ضعف عدونا وتدعو الله لينصرنا على عدونا وتخبرنا بأنباء سماوية. فنظر ﷺ إلى الحباب بن المنذر وقال: ما لك لا تتكلم؟ فقال الحباب ما مفاده: اختَر يا رسول الله ما بدا لك. فأُعجب ﷺ بكلامه.

ثم هناك صحابي آخر اسمه رفاعة بن رافع بن مالك بن عجلان، كنيته أبو معاذ. أمُّه أمّ مالك بنت أُبي بن سلول أي بنت عبد الله بن أُبي بن سلول زعيم المنافقين. شهد العقبة وغزوة بدر وأُحد والخندق وبيعة الرضوان والغزوات الأخرى مع النبي ﷺ. وله أخوان هما: خلاد بن رافع ومالك بن رافع اللذان شهدا بدرا. عنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ الزُّرَقِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ قَالَ مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا قَالَ وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنْ الْمَلَائِكَةِ. (صحيح البخاري، كتاب المغازي)

لقد ذكر السيد زين العابدين كيفية اشتراك الملائكة في القتال في شرحه لصحيح البخاري وقال: يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) (الأَنْفال 13)

المراد من ضرب الأعناق وضرب الرقاب وضرب كل بنان هو الهجوم الشديد الذي يتم الاهتمام فيه بإصابة الهدف. هناك روايتان أو ثلاث بهذا المعنى. ويقول السيد زين العابدين أن الروايات التي وردت في هذا الباب وتذكر وجود الملائكة يتبين منها أن وجودهم كان من قبيل الكشوف وقتالهم أيضا مما يناسب حالهم أي من النوع الذي ينسجم مع طبيعة الملائكة وليس بالسيف والسنان.

أقول: الملائكة لا تقاتل بالسيوف، ويُرَون بعيون البصيرة والروحانية، كما رآهم النبيُّ والصحابةُ، كذلك يراهم أولياء الله أيضا. ثم يبين السيد زين العابدين أحداث قتال ملائكة الله ويقول: لقد استشاط زعماء قريش بعد واقعة النخلة غضبا بحيث لم يتمالكوا أنفسهم، وكانت هذه الواقعة سببا للحروب التالية التي نرى فيها تحقق قدر الله تعالى بصورة هلاك كفار قريش. إن أسلوب ملائكة الله يختلف عن أسلوبنا وطريقة قتالهم تختلف عن طريقة قتالنا. إن نزول العدو في معركة بدر على تلة رملية، ونزول النبي ﷺ في أسفل الوادي، وصرفَ نظر الكفار عن قلة عدد الصحابة، وهبوب الريح العاتية ونزول المطر، وإصابة رماح الصحابة الأهداف وكونها قاضية، واضطراب العدو وقلقه وثبات الصحابة وقتالهم برباطة الجأش أمور توضح بجلاء أنها كانت نتيجة عمل الملائكة الذين أخبر الله تعالى عنهم النبيَّ ﷺ بقوله: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (الأَنْفال 10)

يتابع السيد زين العابدين ويقول: إن دعاء النبي ﷺ قد حرّك الأسباب الظاهرية، ونرى في هذا التحريك ترتيبا وانسجاما عجيبا. وبإلقاء نظرة شاملة نجد أن جيش الملائكة العرمرم كان يعمل عمله في تفعيل الأحداث كلها. من أخرج النبيَّ ﷺ من مكة بأمن وسلام في ساعة حرجة جدا؟! ومن جعل أهل مكة غافلين عن الأحداث؟! ومن ردّهم خائبين خاسرين بعد أن كانوا قد وصلوا إلى باب غار ثور في ملاحقته ﷺ؟! ومن أوصله ﷺ سالما غانما إلى المدينة التي صارت مركزا هاما لتقدم الإسلام وانتشاره؟!

إن مكوث سيدنا العباس في مكة المكرمة بعد الهجرة مشركا ومواساته القلبية للنبي ﷺ ثم إطلاعه في المدينة على مكايد قريش السيئة ومؤامراتهم. أي كل هذه المساعدة عن طريق سيدنا العباس ؓ جزء من تصرفات الملائكة. فهكذا تعمل الملائكة، فكانت الملائكة خلف كل هذه الأحداث. إن خلفية غزوات النبي ﷺ وفتوحه وانتصاراته هي تفسير رائع لآية: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) يقول السيد شاه مضيفا: لقد درست صحيح البخاري كاملا درسا درسا على يد سيدنا الخليفة الأول مولانا نور الدين ؓ وكذلك استمعت مرارا لدروسه للقرآن، فكان حضرته يقول عن الملائكة، لقد تسنى لنور الدين أيضا الكلام مع الملائكة، ونظام الملائكة واسع جدا. فكل قوة وكفاءة من قوى الإنسان وكفاءاته موكلة إلى الملائكة، فقوة البصر والبصيرة وقوة السمع وقوة اللمس والبطش والعقل والشعور والقوى الفكرية، والمدبرة، إن لم تدعمها الملائكة تصبح هذه القوى عاطلة بل ضارة، فجميع الكفاءات البشرية والقوى تنشط بسبب الملائكة فقط، ثم يقول: إن الرصاص والسهم يصيب الهدف حين يكون الإنسان محافظا على كامل وعيه وقواه العقلية ومتحكما فيها، وكان يقدر المسافة بينه وبين الهدف وإلا سوف يخطئ الهدف .. كان الخليفة الأول يقول: كل قوة فكرية وجسدية موكلة إلى الملائكة، وتكون علاقة الملائكة بكل إنسان متفاوتة بحسب قوى الإنسان وأوضاعه المختلفة من حيث الكفر والإيمان. لقد ذكر القرآن عدد الملائكة في غزوة بدر 3000 وفي غزوة أُحد 5000 وهذا الفرق يعود إلى الاختلاف في المحل والمناسبة والأهمية. ففي معركة بدر كان عدد الأعداء قليلا وكان في غزوة أحد أكبر، ومن ثم كان كان الخطر أكبر، ولذلك كان الوعد بإنزال الملائكة بعدد أكبر من أجل الحماية. فقد قال ﷻ: (وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)   أي أن النصر الموعود من الله مرتبط بصفة الله العزيز والحكيم، وهما تقتضيان حسن التدبير والسيطرة والإحكام، حيث تكون جميع حلقات أسباب النصر مترابطة ومُحكمة وهي تُقوَّى من خلال التدبير الإلهي المحكم.

فهذا هو العلم المتعمق عن إنزال الملائكة الله وقتالهم، ولا يعني أن الملائكة هي التي كانت تقاتل. وقد ورد في بعض الروايات أن الذين قتلهم وجرحهم الملائكة كانوا متميزين عن الذين أصابهم الصحابة، لكن هذا القول خاطئ. فالأصل أن الملائكة تقود قوى البشر في اتجاه صحيح، حتى يكون استعمالها صحيحا، وهذا هو قتال الملائكة.

عَنْ يَحْيَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ وَكَانَ رِفَاعَةُ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَكَانَ رَافِعٌ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ فَكَانَ يَقُولُ لِابْنِهِ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي شَهِدْتُ بَدْرًا بِالْعَقَبَةِ.

أي أن حضوري في بدر أمر عظيم وأكبر شرفا لي من بيعتي بالعقبة، فمشاركتي في بدر شرف عظيم.

كان رفاعة بن رافع مع علي ؓ في معركة الجمل والصفين. وفي رواية أنه لما خرج طلحة والزبير في جيش إلى البصرة كتبتْ زوج العباس بن عبد المطلب أمُّ الفضل بنت الحارث إلى علي بخروجهما، فقال علي: العجب أن الناس وثبوا على عثمان فقتلوه، ثم بايعوني ولم أستكره أحدًا، أي لم أُجبر أحدا على مبايعتي، وبايَعني طلحة والزبير والآن خرجا إلى العراق في جيش.

فقال رفاعة بن رافع: إن الله لما قبض رسوله ﷺ ظننا نحن الأنصار أنّا أحق الناس بهذا الأمر أي الخلافة لنصرتنا الرسول ومكاننا من الدين أكبر، فقلتم: نحن المهاجرون الأولون وأولياء رسول الله الأقربون وإنا نذكِّركم الله أن تنازعونا في خلافته ﷺ، فخليناكم والأمر فأنتم أعلم، فلم نناقشْكم حول الخلافة وبايعنا الخليفة وأطعناه طاعة كاملة، والسبب في ذلك أنَّا لما رأينا الحق معمولاً به، والكتاب متَّبَعاً والسنة قائمة رضينا ولم يكن لنا إلا ذلك. فما الذي كنا نريد أكثر من ذلك، فبايعناكم، ولم نألُ وقد خالفك مَن أنت في أنفسنا خير منه وأرضى فمُرْنا بأمرك.

وقدِم الحجاج بن غزية الأنصاري فقال: يا أمير المؤمنين:

دراكها دراكها قبل الفوت … لا وألت نفسي إن خفت الموت

يا معشر الأنصار انصروا أمير المؤمنين أخرى كما نصرتم رسول الله ﷺ أولاً والله إن الآخرة لشبيهة بالأولى، ألا إن الأولى أفضلهما.

على كل حال قد توفي في أوائل أيام إمارة الأمير معاوية. الآن أود أن أقول شيئا عن حادث ذكرتُه في الخطبة الماضية وأود أن أوضِّحه أكثر. فأثناء بيان مناقب سيدنا عمار ؓ كنت قلت أن سيدنا عَمْرًا بن العاص كان قد أبدى الأسف والقلق على قتله، لأنه كان قد سمع النبيَّ ﷺ يقول أن الفئة الباغية ستقتله، وكان يقلق لأنه كان مع الأمير معاوية، وكان جنود الأمير معاوية قد قتلوا عمارا ؓ.

باختصار بعض الناس يعترضون على ذِكر اسم معاوية باحترام كبير وقد كان من الفئة الباغية، ومعلوم أن حضرة الأمير معاوية حائز على مكانة في أدبيات الجماعة أيضا.

 فأولا إن للصحابة مكانة عظيمة، وليس من شأننا أن نقول إن فلانا سيُغفر له وأن فلانا لن يغفر له، فأي خطأ أو سوء فهم كان وراء هذا الحادث المؤسف فأمره إلى الله. فقد واجه المسلمون عواقبه الوخيمة. فهذه التساؤلات كانت تنشأ في قلوب أولئك أيضا في ذلك العصر، وربما كانوا يدعون الله ﷻ لإزالة قلقهم، أنه ماذا يحدث إذ الصحابة يتقاتلون فيما بينهم، ومن ثم ربما كانوا يسترشدون الله وكان يرشدهم، ففي رواية عن أبي صخير، أن أبا ميسرة عمرًا بن شرحبيل، وكان من أفاضل أصحاب عبد الله بن مسعود ؓ، رأى في الرؤيا روضة خضراء بها قباب مضروبة، فيها عمار بن ياسر وذو الكلاع فسأل أبو ميسرة: ألم يقتل بعضكم بعضاً؟ فقالوا: بلى ولكن وجدنا الله واسع المغفرة، لذا قد اجتمعنا هنا.

فهذه الأمور مفوضة إلى الله الآن ولا يليق بنا أن نكنّ هذه الأمور والخلافات في قلوبنا، فبسبب الحروب والاهتمام بهذه الأمور والخلافات نشأ الجفاء في قلوب المسلمين ونشأت الفرقة بينهم باستمرار، واليوم نواجه عواقب ذلك. ففي هذه الأمور لنا أيضا دروس وعبر، ويجب أن نتوحد بدلا من حفظ هذه الأمور في القلوب.

ففي إحدى الخطب حين ذكرتُ شيئا من سيرة الأمير معاوية مما ذكره سيدنا المصلح الموعود ؓ، كتب إلي أحد العرب أنه كان رئيس الفئة الباغية والقاتلة، فكيف تذكرون اسمه بهذا الاحترام؟! ففي هذه الرواية التي ذُكرت فيها الرؤيا ردٌّ كافٍ لهذا السائل أيضا، أن الله واسع المغفرة والرحمة، يجب أن نتدارك أمورنا ونهتم بإصلاح أنفسنا بدلا من التفكير في هؤلاء.

لقد كتب سيدنا المسيح الموعود ؏ أيضا كلمات المدح بحق حضرة الأمير معاوية، لذا يجب أن نتلقى درسًا من أخطاء هؤلاء الصلحاء بدلا من التعليق عليها، فقد ورد عن الأمير معاوية أنه يوم كانت الحرب دائرة بين سيدنا علي ومعاوية رضي الله عنهما وكانت الخلافات تشتد وتكثر أراد ملك الروم الهجوم على الدولة الإسلامية نظرا إلى ضعف المسلمين، فلما علم بذلك معاوية كتب إليه: إذا كنت تفكر في ذلك فاعلم أنك إذا هاجمت عليًّا فسوف أكون أولَ قائد يخرج لمحاربتك تحت راية علي. فعدْ إلى صوابك.

فهذه هي مكانتهم. وفَّقَنا الله ﷻ لأن نتوحد دوما ونتمسك بالوحدة ونتقدم في إحراز الحسنات.

About الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز

حضرة أمير المؤمنين الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز ولد حضرته في الخامس عشر من أيلول 1950 في مدينة (ربوة) في الباكستان. هو حفيد لمرزا شريف أحمد نجل المسيح الموعود والإمام المهدي عليه السلام. أنهى حضرته دراسته الابتدائية في مدرسة تعليم الإسلام في مدينة (ربوة) وحصل على درجة البكالوريوس من كلية “تعليم الإسلام” في نفس المدينة. ثم حصل حضرته على درجة الاختصاص في الاقتصاد الزراعي من كلية الزراعة في مدينة (فيصل آباد) في الباكستان وذلك في عام 1976م.

View all posts by الخليفة الخامس مرزا مسرور أحمد أيده الله بنصره العزيز