المظاهر الإعجازية في لغة المسيح الموعود عليه السلام العربية..201

أصل اشتقاق الكلمات (خجالة) و(هلاكة)

الاعتراض:

يدّعي المعارضون وقوع أخطاء صرفية في الفقرات التالية من كلام المسيح الموعود عليه السلام. وفيما يلي نصّ ما كتبه المعارضون بحرفيته.

” 1: فتصيبهم خجالةٌ وإحجام. (نور الحق)

2:  ولا يأخذه خجالة في أساليب التبيان. (الهدى والتبصرة). الصحيح: خجل. يقول المطرّزي: الخجالة: مِنْ أَخْطَاءِ الْعَامَّةِ، وَالصَّوَابُ الْخَجْلَةُ وَالْخَجَلُ. (الْمُغْرِبِ فِي تَرْتِيبِ الْمُعْرِبِ) [الكتاب: المغرب. المؤلف: ناصر بن عبد السيد أبى المكارم ابن على، أبو الفتح، برهان الدين الخوارزمي المُطَرِّزِىّ (المتوفى: 610هـ)]

3: صهره الذي كان شريكه في نبأ الهلاكة. (مكتوب أحمد). الصحيح: الهلاك. وليس هناك كلمة هلاكة. “هَلَكَ الشيءُ يَهْلِكُ هَلاكاً وهُلوكاً ومَهْلَكاً ومَهْلِكاً ومَهْلُكاً وتَهْلُكَةً والاسم الهُلْكُ”. (لسان العرب)” إلى هنا ما كتبه المعارضون.

فوفق زعمهم فإن الخطأ واقع في الكلمات (خجالة) و (هلاكة)، فهي أخطاء في اشتقاق المصدر، وكان لا بدّ من القول (خَجَلٌ) و (هَلاك)، حيث إن كلمة (خجالة) هي من أخطاء العامة، وكلمة (هلاكة) لا وجود لها في اللغة العربية.

الرد:

كنا قد أثبتنا في المقال السابق صحة الكلمات (خجالة) و (هلاكة)، بإثبات تجويز كبار المفسرين لها واستعمالها في أكثر من مائة مثال، أوردنا خمسين منها مع ذكر المصادر الواردة فيها.

وقلنا إن كبار المفسرين والأدباء واللغويين، مثل: الفخر الرازي وأبو عبيد الهروي، يعلو رأيهم على رأي المطّرزي الذي شذّ في تخطيء كلمة (خجالة)، وإن تجويزهم لهذه الكلمات دليل على صحتها وفصاحتها.

وفي هذا البحث رأينا أن نذهب إلى أبعد من ذلك، لنرى ما هو أصل اشتقاق هذه الكلمات. وبعد البحث والتحري أرى أن لها هذه الأوجه من التخريجات الصرفية:

1 اعتبارها مصادرا واسما للمرة قياسا على الشّاذ المسموع عن العرب.

فمن المعروف أن صوغ اسم المرة من الفعل الثلاثي المجرد يأتي على وزن (فَعلة)، إلا أنه في الحقيقة قد شذّت بعض الألفاظ عن هذا القياس، وجيء بها بزيادة التاء على المصدر، فقيل: لِقاءة و إِتيانة، وهذا ما ورد عن سيبويه، وقد أضاف الجوهري إلى هذه الألفاظ  لفظة (لُقيانة). ومن هنا نرى أن اسم المرة قد يأتي قليلا على صيغة المصدر من الفعل الثلاثي بزيادة التاء فيه.

وكل هذا تؤكده المصادر التالية:

1: جاء في شرح المفصل لابن يعيش ما يؤكد إمكانية زيادة التاء على المصدر للثلاثي لصوغ اسم المرة  منه كما يلي:

“فَعْل”، فإذا أرادوا المرّة الواحدة، ألحقوه التاء، وجاؤوا به على “فَعْلَةَ”، قالوا: “ضربتُه ضَرْبَة”، و”قتلتُه قَتْلَة”، و”أتيتُه أتْيَة”، و”لقيتُه لَقيَةً”، …

وقد يزيدون التاء على المصدر المزيد فيه، فيريدون به المرّة الواحدة، قالوا: “أتيتُه إتْيانَةً”، و”لقيتُه لِقاءَةً”، جاؤوا به على المصدر المستعمل، كأنّهم نزلوا الزيادة غير اللازمة منزلةَ اللازمة، فكما يقولون: “أعْطَيْتُه إعْطاءَةً”، و”استغفرتُه استغفارةً”، كذلك قالوا: “أتيته إتيانةً”، و”لقيته لقاءةً”.” [شرح المفصل لابن يعيش (4/ 69)]

2: يؤكد المساعد على تسهيل الفوائد جواز هذه الصياغة على شذوذها بما يلي:

“(ويُدَلُّ على المرة بفَعلة) – كضَربة وجَلسة؛ وكلام النحويين على أن هذا مقيس في الثلاثي التام التصرف؛ … (وشذ نحو: إتيانة ولقاءة) – والقياس: أَتية ولَقية، وهو جائز.” [المساعد على تسهيل الفوائد (2/ 624- 623)]

3: وفي شرح الألفية للشاطبي جاء ذكر الأمثلة التي ذكرها سيبويه وما زاد عليها الجوهري في هذا الصدد:

“تُبْنى من الباقي (فَعْلَةٌ) لأن مصدر (جَلَسَ) الجُلُوس، فتُحذف الواو، ولا يقال: جُلُوسَةً واحدةً، ولا قَعَد قُعُودَةً واحدةً، ولا ثَبَتَ ثَبَاتَةً واحدةً، وإنما تقول: قَعْدَةً، وثَبْتَةً. وأَتَى أَتْيَةً واحدةً، ولا يقال: إتْيَانَةً، إلا أن يُسمع….وشَذَّ في هذا النوع: أَتَيْتُه إتْيَانَةً واحدةً، ولَقِيتُه لِقَاءَةً واحدةً، ولُقْيَانَةً واحدةً. الأخيرة عن الجوهري، والأوُلَيَانِ عن سيبويه. ” [شرح ألفية ابن مالك للشاطبي = المقاصد الشافية (4/ 364- 365)]

وكما نرى فإن هذا المصدر يقصر المسألة أو الجواز في هذا الصوغ على السماع، وهنا أقول: إذا كان أكثر اللغة قد ضاع كما يقرّ به النحاة جميعهم، فكيف لنا أن نخطّئ هذه الكلمات (هلاكة) و (خجالة) لمجرد أنها لم تسمع عن العرب، بالرغم من وجود ما يماثلها من أمثلة قليلة!؟ أَوَليس من الممكن أن تصبح هذه الأمثلة القليلة التي وصلتنا، أمثلةً كثيرة ليجوز القياس عليها ، فيما لو اكتمل الاستقراء!؟ أوَليس من الممكن أن تكون هذه الكلمات من الصحيح الفصيح الذي ضاع من اللغة . وإذا كان سيبويه لم يسمع كلمة لُقيانة عن العرب فكيف سمعها الجوهري يا تُرى؟ وإذا كان الجوهري قد سمع ما لم يسمعه سيبويه، أليس من المعقول أن يكون هناك من سمع أكثر مما سمعهما الاثنان معا، إلا أنه لم يوثق ولم يصلنا.

قلت: هذه التناقضات في استقراء اللغة والأحكام التي أنزلها النحاة على المقيس وغير المقيس بناء على القلة والكثرة، هي موضع جدل كبير بين المحققين واللغويين، وقد أجزل الحديث فيها الأستاذ عباس حسن في سلسلة مقالات له بعنوان ” صريح الرأي في النحو العربي داؤه ودواؤه”.

كل هذا يقودنا إلى الإقرار على أن صوغ اسم المرة من المصدر للفعل الثلاثي المجرد التام التصرف قد يجيئ على قلة من المصدر نفسه بزيادة التاء عليه مخالفة للقياس المعروف.

وعلى هذا تتوجه كلمة (هلاكة) بالذات باعتبارها اسما للمرة من المصدر (هلاك)، وكذا كلمة (خجالة).

2: اعتبارها مصادرا لاختلاف القبائل العربية في صوغ المصدر من الأفعال

وفق هذا التوجيه فقد يكون مصدر الفعل (خجِل) و(هلَك) هو (الخجالة) و( الهلاكة)  وذلك لأن القبائل العربية، اختلفت عن بعضها بعضا في اشتقاق المصدر، وذلك بما يخالف القواعد والقياس الذي أقرّه النحاة. فبينما قياس المصدر للفعل (تفعّل) هو (تفعُّل) إلا أن أهل الحجاز خالفوا هذا القياس وجعلوا المصدر على وزن (تفعيلا) كتزيّل تزيّلا وتزييلا، وذلك رغم أن القياس يحتم أن يكون (تفعيل) هو مصدر الفعل (فعّل) وليس (تفعلّ). كذلك فقد اختلفت أهل الحجاز عن النجديين بصوغ المصدر من الفعل على وزن (فَعَل) فعند الحجازيين مصدره (فَعْل) وعن النجديين (فُعول). ( ينظر: اللهجات العربية في التراث 2/ 595)

ويؤكد نفس المرجع بأن المصدر (فَعالة) هو – وفق القياس-  مصدر الفعل (فَعُل) الذي لا يأتي إلا لازما، فيقول:

“إذا كان الفعل على فَعُل بضم العين – ولا يكون إلا لازما فقياس مصدره على فعولة أو فَعالة: كسهولة وجزالة ، وكغمُر غمارة، للصبي الذي لا عقل له، ولكن بني عقيل تخالف هذا إذ تقول في مصدره: غَمَرا بفتح الغين” [ اللهجات العربية في التراث 2/599]

وليس من البعيد أن يكون الفعل (خجل) وهو لا يأتي إلا لازما حقيقة، وكذلك الفعل (هلك)  أن يكونا قد وردا في لغات بعض القبائل العربية يضم العين (خجُل) و (هلُك) ليكون قياس مصادرها (خجالة) و(هلاكة)، وذلك كالقول (قبُح قَباحة).

ونحن إذ لا نستبعد هذه الإمكانية لا نقول بها عابثين، بل إن القبائل العربية قد اختلفت فيما بينها في تحريك عين الفعل كما أكدّ ذلك كتاب “اللهجات العربية في التراث، وأورد على ذلك أمثلة عديدة ومنها ما يلي:

“ورد في اللسان أن: سخُن الشيء والماء بالضم، وسخَن: بالفتح أيضا، إلا أن لهجة بني عامر قد لزمت فيه الكسر.” [ اللهجات العربية في التراث 2/565]

فكما نرى، أنه على هذا التوجيه الثاني، من الممكن أن تتوجه كلمة (خجالة) و( هلاكة)  باعتبارها مصادرا للفعل (خجُل) و (هلُك) اللازمين، على اعتبار إمكانية ورودهما بضم العين في لغة من لغات القبائل العربية.

ولعل ما يؤيد كل هذا، ما أورده ابن عقيل في كتابه ” المساعد على تسهيل الفوائد”،حيث أكّد أن صيغة (فَعالة) تأتي على الغالب دالّة على المعاني الثابتة، فقال:

“(والغالب أن يعني بفَعالة وبفعولة المعاني الثابتة كالفطانة والبلادة، والسهولة والصعوبة؛ وبفعالة الحِرَف وشبهها – كالخياطة والنجارة، والمراد بشبهها الولايات كالإمارة والوزارة.” [المساعد على تسهيل الفوائد (2/ 621)]

وقوله هذا في حقيقته ينطبق على الفعل (خجِل) الذي قد يأتي مصدره على (الخجالة) لكونها من الصفات والمعاني الثابتة.

وبعد أن عدّد ابن عقيل مصادر الفعل الثلاثي أضاف:

“قال: ونبهت بالغالب على أن معاني هذه الأوزان، قد يُدلّ عليها بغيرها، وأنها قد يُدلّ بها على معان أُخَر. [المساعد على تسهيل الفوائد (2/ 622)]

وهذا بحد ذاته يشير إلى أن هذه الأوزان قد تأتي بصيغ أخرى تدل عليها. فإن كان مصدر (فعِل) هو (فَعَلٌ) ك: (خجِل/ خَجَل)، إلا أن هذا لا يمنع أن يأتي المصدر – أحيانا- على شاكلة ووزن آخر، أو أن يُدل عليه بلفظ آخر كالاسم مثلا.

الخلاصة:

كل ما أوردناه أعلاه، أراه مما يمكن أن يفسّر اشتقاق الكلمات (هلاكة) و( خجالة) التي جاء بها المسيح الموعود عليه السلام، وما هو إلا محاولة لفهم هذا الاشتقاق والوقوف على حقيقته الصرفية، وليس هدفنا هو القطع والجزم بكل ما أوردناه، إلا أنه لا شك في أنه من الممكن أن يكون من التوجيهات التي تفسّر وتؤيّد صحة هذه الكلمات.

وبغض النظر عن كل هذا، فإن ما يهمنا هو ما أثبتناه في المقال السابق، من أن هذه الكلمات هي من صلب اللغة العربية، أوردها كبار المفسرين والأدباء واللغويين، ولم يذهبوا إلى تخطيئها.  ويكفي بهذا دليل على صحة استعمالها، وصحة وفصاحة الفقرات المعترَض عليها من كلام المسيح الموعود عليه السلام.