المظاهر الإعجازية في لغة المسيح الموعود العربية ..314

نكتة الأخطاء الصوتية ..2

بين السهو ولغة الإبدال

الاعتراض:

فيما يلي اعتراض المعترض وتصحيحاته المزعومة. النقل مع بعض من التصرف:

يخلط الميرزا أحيانا بين حرف الهاء وحرف الحاء، وبين العين والهمزة، وبين ألف المدّ والألف المقصورة، وبين السين والصاد. وفيما يلي أمثلة:

1: ويجمعوا ما صلح وتاب، ويجتنبوا الاحتطاب، (الهدى والتبصرة لمن يرى). الصحيح: طاب بدلا من تاب.

2: وقساوة زرعك  (كتاب حجة الله). الصحيح: قساوة ذرعك.

3: وتغرق أرواحهم في بحار حضرته ساجدين. ويخرجون من النفس والهواء. (حمامة البشرى)

الصحيح: والهوى.

4: يا قيصرة الهند، صانَكِ الله عن الآفات … وتخلّيتِ في عدلك مما يسم بالأخلاق. (نور الحق)الصحيح: يَصِم

5:  ثقلتْك أُمّك  (الاستفتاء). الصحيح: تكلتك أمك.

6: أيها الناس، ارقعوا على ظَلْعِكم ولا تظلموا، وانتهوا ولا تفرطوا. (مكتوب أحمد)

الصحيح: ارقأوا. ارْقَأْ على ظَلْعِك أَي الزَمْه وارْبَعْ عليه. لغةً في قولك: ارْقَ على ظَلْعِك أَي ارْفُقْ بنفْسِك ولا تحْمِل عليها أَكثر مما تُطِيقُ. (لسان العرب)

7: وربما يريد أن ينتهر لقلة ذات اليد. (مكتوب أحمد).الصحيح: ينتحر.

8: وأن الغاسق قد وقَب، ووَجْهَ المهجّة قد انتقَب. وفسدت التصوّرات كأنها ليل دامس، أو طريق طامس. (مواهب الرحمن). الصحيح: المحجّة.

الرد:

هذا الاعتراض دليل واضح على عدم موضوعية المعترض. فإن أقصى ما يمكن أن يزعمه معترض في هذا الشأن، هو القول بوقوع سهو في مثل هذه الجمل.

وإننا في الحقيقة لا نستبعد في كل هذه الجمل، أن يكون إبدال الأحرف الواردة فيها، هو من قبيل السهو الحاصل في النقل، سماعا، أو في الإملاء والخط أو الطباعة أو الغفلة من الكاتب نفسه. وهذا الأمر يكاد يكون واضحا لا سيما في الجملتين الأوليين.

ففي الجملة الاولى واضح اقتفاء الكاتب السجع في الكلام، مما يستدعي أن تكون الكلمة (طاب) لتتلاءم سجعا مع كلمة (الاحتطاب)؛ فنيته في أن تكون الكلمة (طاب) واضحة من اقتفائه هذا الأسلوب.

وأما في الجمل الأخرى فرغم أن السهو ليس مستبعدا فيها، إلا أننا لا نستبعد كذلك أن يكون ما وقع فيها هو من قبيل لغة الإبدال المعروفة في اللغة العربية. والإبدال هو ظاهرة صوتية امتازت بإبدال الحروف مكان بعضها بعضا في لفظ الكلمة الواحد. وقد بدا هذا الاختلاف واضحا في اختلاف لغات القبائل العربية ولهجاتها، فبينما كانت بعض القبائ تقرا كلمة (سراط) بالسين لفظها البعض بالصاد (صراط). وبناء على هذه الظاهرة فقد أُبدلت العديد من الحروف بحروف أخرى؛ فمن هذا الإبدال جاء في مقال للأستاذ الدكتور عبد الجبار عبد الله العبيدي تحت عنوان:”: الإبدال في اللهجات وأثر الصوت فيه” مل يلي، ننقله ببعض من التصرف:

1: إبدال الألف همزة :

فبنو كلب يبدلون الألف همزة فيقولون: هذه دأبة، وهذه امرأة شأبَّة. أي دابة وشابة. وقرأ أيوب السختياني بلهجتهم: [ولا الضألين] بهمز الألف. ومنه قراءة عمرو بن عبيد: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (40)} (الرحمن 40) بهمز كلمة (جأن). ومن الشواهد الشعرية لهذا الإبدال، قول دكين:

راكدة مخلاته ومحلبه      وجله حتى ابيأض ملببه

ويقولون في الوقف: هذه (حبلاء) أي حبلى، ورأيت (رجُلاء) أي رجلًا.

وهذا من شأنه أن يفسر الإبدال في الجملة الثالثة بين الكلمات (هوى) و (هواء)؛ فأبدلت الألف همزة، وفق هذه الظاهرة.

2:  إبدال الصاد سينا

قبيلة قيس تبدل الصاد سينا في (لصق) فتقول (لسق) روي ذلك في اللسان. وهذا من شأنه أن يفسر إبدال الصاد سينا في الجملة الرابعة بين الكلمات (يسم) و(يصم).غير أننا نرجح في هذه الجملة أن لا يكون قد وقع فيها أي نوع من الإبدال، على اعتبار أن الكلمة المقصودة هي كلمة (يسم) كما ورد في الجملة نفسها، وهي على معنى التأثير في الاخلاق. فقد جاء في معنى يسم  ما يلي:

(وَسَمَ) الْوَاوُ وَالسِّينُ وَالْمِيمُ: أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى أَثَرٍ وَمَعْلَمٍ. وَوَسَمْتُ الشَّيْءَ وَسْمًا: أَثَّرْتُ فِيهِ بِسِمَةٍ.  [مقاييس اللغة (6/ 110)]

وجاء في معنى التخلي:

ويقال أيضاً: تخلى من، ففي أخبار (ص72): يتخلى لي من هذا الأمر.

وتخلّى من وعن: ذكرت في معجم فوك في مادة  dimitere. [تكملة المعاجم العربية (4/ 195)]

ليكون معنى كلام المسيح الموعود عليه السلام: وتخليت في عدلك عما يؤثّر في الاخلاق سلبيا.

وعلى هذا المعنى لا يكون في الجملة أي سهو ولا أي خطأ ولا أي إبدال.

 

3: إبدال الكاف قافا

فقد روي أن الكاف تبدل قافا في لغة تميم وقيس وأسد، فيقولون في (كشطت) (قشطت).وقد قرئ بلهجتهم في الشواذ: (إذا السماء قشطت)….

أما المسوغ الصوتي لنطق تلك القبائل بالقاف بدلا من الكاف، فهو كونها قبائل بدوية تفضل في كلامها الأصوات الشديدة المجهورة المناسبة لطبائعها في الخشونة.

وهذا من شأنه أن يفسر الإبدال بين الكاف والقاف في الجملة الخامسة: نقلتك أمك. بدلا من ثكلتك أمك.

4: إبدال الهمزة عينا

وقد وقع إبدال الهمزة عينا عند قبائل تميم وقيس وأسد، وسميت هذه الظاهرة الصوتية بالعنعنة، واستشهد لها بأمثلة من النثر والشعر كقول ذي الرمة:

أعَن ترسمت من فرقاء منزلة             ماء الصبابة من عينيك مسجوم

يريد: أأن في موضع أعَن.

وقول الشاعر: فلا تهلك الدنيا عن الدين واعتمل      لآخرة لا بد عَن ستصيرها

يريد : أن ستصيرها.

ومن النثر قولهم: ظننت عنَّ عبد الله قائم، وأشهد عنّك لرسول الله، وعَسلم في أسلم، وعذن في إذن، واعتنف الأمر بمعنى ائتنفه، وعنفوان المبدلة من أنفوان، وتداعمه الأمر بدلا من تداءمه، والعسن بدلا من الأسن، وصبع بدلا من صبأ، والخبع بدلا من الخبء.

وهذا كله من شأنه ان يفسر ما ورد في الفقرة السادسة في ورود كلمة (ارقعوا) بدلا من (ارقأوا). حيث أبدلت الهمزة عينا وفق هذه الظاهرة.

5: إبدال الحاء هاءً

وردت في كتب الإبدال وغيرها ألفاظ أبدلت فيها الحاء هاء فمن ذلك (تمدّه) في (تمدّح)، وعلى ما يبدو أنها لغة بني سعد بن بكر الحضرية، حيث قال أحد الشعار عندهم:

حسبكِ بعض القول لا تمدّهي       غرك برزاع الشباب المزدهي

وجاءت هذه اللغة عن الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال لرجل: (ويهَك أقبِل جنادِ)، فقد نطق مثل نطق سعد الحجازية. والحاء والهاء صوتان رخوان مهموسان، مخرجهما متحد لأنهما حلقيان. وهذا الاشتراك في الصفة والمخرج هو الذي سوغ صوتيا الإبدال بين الحرفين.

وهذه الظاهرة من شأنها أن تفسر الإبدال الواقع في الجملتين السابعة والثامنة في الكلمات ينتهر و المـــــَهَجّة بدلا من ينتحر والمحجَة.

وقد وقع الإبدال في لهجات ولغات العرب بين العديد من الأحرف الاخرى، منها ما يلي:

(إبدال الباء فاء : مَصطَبَة – مَصطَفَة/ إبدال الباء زايا: بُلبُل- زُلزُل / إبدال الباء كافا: شابهه – شاكهه / إبدال الباء ميما: كحب- كحم  / إبدال الدال تاء: الدّفتر- التّفتر/ إبدال التاء طاء: أفلتني- أفلطني/ إبدال السين ثاء: ساخت/ ثاخت،…ألخ)

وعليه وبثبوت لغة الإبدال في المراجع اللغوية، ومع علمنا بأن استقراء اللغة جاء ناقصا، وأن الكثير من التعابير والمفردات اللغوية ندّت عن المعاجم اللغوية ولم تشملها المعجمات اللغوية، ومع إثباتنا أن المسيح الموعود عليه السلام يتكلم بالعديد من اللغات العربية القديمة، والتي قد يكون جزءا منها قد اندثر بين طيات الزمن والايام، فنحن لا نستبعد- بل ونرجح- أن تكون كل هذه الكلمات التي يُظن الخطأ الصوتي فيها من قبيل هذه اللغات القديمة، التي لم تنقلها إلينا الكتب والمراجع اللغوية.

وبعد هذا الترجيح، فنحن وللامانة والمهنية والمصداقية في البحث، فلا نستبعد كذلك أن يكون ما ورد في الفقرات أعلاه، هو من قبيل السهو كما أشرنا إليه في بداية المقال، ولكننا لا نأخذ بهذه الإمكانية على اعتبارها الأرجح، فمادام قد ثبت لدينا ما ثبت من الحقائق التي تسوغ ترجيح لغة الإبدال على إمكانية السهو في كل هذا. والسهو هو أقصى ما يمكن أن يُذهب إليه في نقد هذه الفقرات؛ أما القول بوقوع الخطأ المتعمَّد فيها فهو من قبيل التعنت والتعسف الذي لا يلجأ إليه إلا حاقد لا يتحرى المصداقية والموضوعية في البحث.