المظاهر الإعجازية في لغة المسيح الموعود عليه السلام العربية..290

نكتة الكسور في شعر المسيح الموعود عليه السلام ..1

حسن التصرف في البحر الطويل

الاعتراض:

عرض لنا المعترض أربع قصائد للمسيح الموعود عليه السلام، يدّعي فيها الكثير من الكسور في الوزن الشعري أو العروضي. ثلاث من هذه القصائد على البحر الطويل وهي كما يلي:

أ: القصيدة البادئة بـ: “بك الحول يا قيوم يا منبع الهدى ” من كتاب كرامات الصادقين.

ب: قصيدة “رويدك لا تهج الصحابة واحذر” من كتاب سر الخلافة.

ج: قصيدة “أيا محسني أثني عليك وأشكر” من كتاب كرامات الصادقين.

وأما القصيدة الرابعة فهي من البحر البسيط ومطلعها ” نفسي الفداء لبدر هاشمي عربي” من كتاب سر الخلافة.

الرد:

سأركز في هذا الرد على القصائد الثلاث الأولى، التي هي على البحر الطويل. وقبل الخوض في الرد المفصل، لنا ان نقدم بشكل بسيط ونقول إن البحر الطويل يسير على الوزن التالي:

“فَعُولُنْ مَفاعِيلُنْ فَعُولُنْ مَفاعِلُنْ 1                 فَعولُنْ مَفاعيلُنْ فَعولُنْ مَفَاعيلُنْ2

1: هي تفعيلة العروض أي ما في آخر الصدر.  وهي فقط على مفاعِلن؛ إلا في التصريع فتتفق مع الضرب.

2: هي تفعيلة الضرب، أي ما في آخر العجُز. وهي إما على مفاعيلن أو مفاعِلن، أو فعولن. ولا بدّ أن تبقى ثابتة في كل القصيدة.

ويجوز فيها الزحافات التالية في الحشو (الحشو أي: ما عدا العروض والضرب):

1: في فعولن يجوز القبض فتصبح فعولُ.

2: في مفاعيلن يجوز  القبض إلى مفاعِلن، والكفّ إلى مفاعيلُ.

3: في فعولن التي في أول الشطر (الصدر أو العجز) يجوز الثلم ويسمى أيضا الخرم إلى فعْلُنْ، ويجوز الثرم إلى فعْلُ.

وهذه أمور يؤكدها العروضيون القدامى مثل ابن جني في كتاب العروض، والصاحب بن عباد في الإقناع، والخطيب التبريزي في الكافي، وابن القطاع في البارع وغيرهم.

فهذه هي الظواهر الشعرية التي يتفق عليها الكثير من العروضيين في البحر الطويل.

وبناء على أكثر المتعارف عليه من البحر الطويل، وهو على الأغلب تحويل فعولن إلى فعولُ ومفاعيلن إلى مفاعِلن لا غير، حكم المعترض على شعر المسيح الموعود عليه السلام. وهو في حكمه هذا، يظن أن العروض وبحور الشعر، قرآنا منزلا لا يمكن أن يحيد عنه شاعر في الشعر العمودي. وهنا يكمن الفخ الذي وقع فيه المعترض. ولنا أن نرد بالتفصيل التالي:

أولا: الشعر بشكل عام والعروض بشكل خاص ليس هو قرآنا منزلا ولا توراة نزلت على موسى عليه السلام، بل هو علم إنساني مبني على استقراء شعر العرب القديم، فماذا لو أخذنا بعين الاعتبار أن استقراء اللغة ناقص، وأن ما وصلنا منها هو الأقل وليس الأكثر حيث يقول أبو عمرو بن العلاء: “ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله، ولو جاءكم وافرا لجاءكم علم وشعر كثير۔ ” فهذا لوحده كفيل لأن ينبهنا على أن الكثير من شعر العرب قد اندثر، وأنه ليس من البعيد أن تكون الكثير من الظواهر الشعرية والعروضية قد اندثرت ولم تصلنا، وقد يكون من بينها زحافات في البحور المعروفة، أو حتى بحور بأكملها شذت عن البحور المعروفة لنا.

ثانيا: لا بد من الأخذ بعين الاعتبار ان العروضيين الأوائل والمتأخرين مختلفون فيما بينهم في مسائل عروضية مختلفة، ويدور بينهم نقاش في مواضيع مختلفة في هذه الأوزان والبحور، وما دمنا قَصَرْنا هذا البحث عن البحر الطويل، نذكر أن الأخفش قد اختلف مع الخليل في هذا البحر. حيث يجوّز الأخفش ضربا رابعا لهذا البحر على “مفاعيلْ”، كما أجاز الأخفش على النقيض من الخليل أن تكون عروض الطويل على “فعولن” وليس فقط على “مفاعِلنْ”؛ وذلك عند الأخفش على سبيل الزحاف أي أنها علة في الأعاريض ولكنها غير ثابتة، أي أنه كان يجيز في القصيدة الواحدة أن يكون بعض الأعاريض على مفاعِلُنْ وبعضها على فعولن . وقال الأخفش أن هذا كثير في الشعر وقياسه صحيح (ينظر : الجامع في العروض والقوافي ، ص 184، لأبي الحسن العروضي).

ومن الاختلافات الأخرى أنه قد تُكُلِّم في مسألة الثلم والثرم في هذا البحر، ومن العروضيين من لا يجيزها، غير أن أغلب المصادر القديمة كالتي ذكرناها تؤكدها في هذا البحر.

ثالثا: مما يؤكد أن العروض ليس قاعدة جامدة لا يحق للشاعر الحياد عنها، أن الكثير من الشعراء قد خرجوا وشذوا عن هذه القواعد والبحور، وابتكروا بحورا جديدة من عندهم، وزادوا على بحور الخليل العديد من البحور الأخرى بما استساغته أذنهم الموسيقية.

وقد أجزل الزمخشري الحديث عن هذه الظاهرة في القسطاس حيث أفرد بابا عنوانه” اختراع أوزان جديدة” قال فيه: أن بناء الشعر العربي على الوزن المخترع الخارج عن بحور شعر العرب لا يقدح في كونه شعرا عند بعضهم.” (القسطاس ص21) وقال ما معناه أن الشعر هو لفظ موزون مقفى يدل على معنى، ومن بين هذه الأربعة أسس للشعر العربي، فقط الأساس الأول هو الثابت وهو كون اللفظ عربيا، أما باقي الأسس كالوزن والقافية والمعاني فهي قابلة للتصرف. وأن العروضيين عندما حصروا بحور الشعر بستة عشر بحرا إنما قصدوا منه حصر البحور التي جاءت عليها أشعار العرب، ولم يكن حصرهم هذا لمنع الخروج عن هذه الأوزان، فتجاوز هذه الأوزان ليس بمحظور في القياس. (لكل هذا ينظر: القسطاس ص 21- 24)

وقد ابتكر المولدون العديد من البحور الشعرية الخارجة عن بحور الخليل الستة عشر، ومنها البحور التالية:

البحر المستطيل وهو مقلوب الطويل، والبحر الممتد وهو مقلوب المديد، والبحر المتوافر وهو محرف الرمل، والبحر المتئد وهو مقلوب المجتث، والبحر المنسرد وهو مقلوب المضارع ، والبحر المطرد وهو صورة أخرى من مقلوب المضارع .

ومشهور عن أبي العتاهية أنه كان يشذ عن قواعد العروض في شعره، فلما عيّره البعض على ذلك أجابهم : “أنا أكبر من العروض”.

رابعا: كل هذا ناهيك عن مظاهر الحداثة والتجديد في الشعر والخروج عن الشعر العمودي إلى شعر التفعيلة والشعر الحر في العصر الراهن. فإذا كان هذا كله جائزا ألا يجوز التصرف في العروض وقوانينه بما يراه الشاعر سائغا ذوقا ووزنا وقافية وموسيقى!؟؟؟

خامسا: لعلل من الظواهر الشعرية التي قد تسعف في فهم وتفسير بعض ما جاء في شعر المسيح الموعود عليه السلام هي ظاهرة “الخزم” في الشعر العربي.

والخزم هو زيادة أحرف (من حرف إلى ستة أحرف) على بداية الشطر سواء في الصدر أو العجز، ولكن بالأخص في الصدر؛ دون أن تكون هذه الأحرف جزءا من التقطيع العروضي للبيت. فعند تقطيع البيت عروضيا ليستقيم وزنه لا بدّ من تحييد هذه الأحرف أولا ثم تقطيع ما بعدها. وأنا لا أجزم بوقوع الخزم في شعر المسيح الموعود عليه السلام، ولكن لا أستبعده عند تعذر توجيه آخر في المواضع التي يجوز فيها الخزم. وهذا ما سوف نبينه في مواضعه إن شاء الله.

فقد أفرد ابن القطاع عنوانا خاصا “دراسة في الخزم” في كتابه: “البارع في علم العروض، ص96- 99 ) ذكر فيه من بين ما ذكر:

ورود الخزم بشعر سيدنا علي بن أبي طالب حيث قال:

اشدد حيازيمك للموت ……….. فإن الموت لاقيكا

فَعْلُنْ  مفاعيلُ مفاعيلُ……….. مفاعيلن مفاعيلن

ولا تجزع من الموت…………… إذا حل بواديكا

مفاعيلن مفاعيلُ ……………مفاعيلُ  مفاعيلن

فكلمة اشدد (فَعْلُنْ) هي زيادة على الشطر، الذي يبدأ تقطيعه حسب البحر الهزج من كلمة حيازيمك.

وجاء الخزم في بداية العجز كقول لبيد من الرمل:

والهبانيق قيام حولنا ……………… بـــ كلّ ملثوم إذا صبّ هملْ

فاعلاتن فعِلاتن فاعِلنْ …………… بــ  فاعلاتن فاعلاتن فعْلنْ

فالباء في بداية العجز خزم.

وأضاف أن الخزم أصله أن يكون بأحد حروف المعاني، كحروف العطف ونحوها، ثم توسعوا فيه، وقد يخزمون ببعض حروف الكلمة كقول عبيد بن الأبرص:

لله در الشباب والشعر الأســـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــود والضامرات تحت الرجال

فعْ/ فاعلاتن مفاعيلن فعلاتن ……. فعلاتن مفاعِلُن فاعلاتن

فاللامان في لله “للْ” هي خزم.

 

وأما أبو الحسن العروضي، في كتابه الجامع في العروض والقوافي، أفرد بابا خاصا بعنوان ” باب الخزم” قال فيه: واعلم أن حروف العطف كلها تزاد في أوائل الشعر ولا يحتسب بها في الوزن وذلك يسمى الخزم -بالزاي- وإنما استعملوا ذلك توسعا في الكلام لأن المخاطِب به يريد أن يعطف بيتا على بيت… وقد زادوا الواو في النصف الأخير وهو قليل، و”لكم” ككثرته في الأول، وإنما شجعهم على ذلك أن النصف قد يقع مقفى في التصريع، وأن الخرم يجوز فيه لما جاز في الأول، وأن ألف الوصل قد تقطع فيه، فلما احتمل هذا عندهم أجازوا فيه الزيادة كما أجازوا النقصان. ….

فإذا ورد عليك بيت لم تقف على صحته والتبس عليك وزنه، فتفقد فيه مثل هذه الأشياء التي ذكرت لك في أول البيت وفي نصفه ثم احذفها منه فإنه يخرج ويتزن” [ الجامع، ص 181-184]

وقد ذكر العديد من الأمثلة على البحر الطويل ورد الخزم فيها، كما في شعر امرئ القيس:

وكأن سراته لدى البيت قائما       مداك عروس أو صرابة حنظل

فالواو في أول البيت خزم.

وأكد كل ذلك أبو الحسن الربعي في كتابه العروض تحت عنوان “الزيادة في الشعر” فقال:

” واعلم أن جميع الشعر يجوز في أوله الزيادة، ويسمى الخزم – بالزاي- يذكر مع البيت ولا يحسب به في التقطيع، وإن انكسر اللفظ، فإذا قُطع البيت عزل عنه وثبت البيت موزونا مقطعا، يجوز ذلك في الموضع الذي كان يجوز فيه الخرم في أول البيت، وأول النصف؛ لأن الخرم يجوز في أول البيت وأول النصف الثاني من البيت” [العروض ص 65]

 

نذكر كل هذا من الظواهر الشعرية لنقول: إن كل هذه الظواهر والمظاهر الشعرية الواردة  في شعر العرب القديم والجديد، بالإضافة إلى مظاهر وظواهر أخرى سنذكرها في مكانها، من شأنها ان تفسر المظاهر الشعرية في شعر المسيح الموعود عليه السلام. وبما أننا نركز البحث في هذا السياق على قصائد المسيح الموعود عليه السلام  المنظومة على البحر الطويل، نقول إنه بعد إنعام النظر وإمعانه فيها، والتدقيق في مقطوعاتها العروضية وتفاعيلها وأعاريضها وضروبها، حيث قمت بتقطيع معظم أبيات القصائد الثلاث التي اعترض عليها المعترض، -تقطيع القصيدة الأولى والثانية كاملة ونصف القصيدة الثالثة-  بدا واضحا فيها أن المسيح الموعود عليه السلام، يستحدث أو قل يبتكر في البحر الطويل زحافات وعلل ليست من المتعارف عليها في هذا البحر كما يلي:

أ: في فَعُولُنْ التي في بداية الشطر سواء الصدر أو العجز يزاحفها إلى (فَعِلُنْ). وقفت عليها في القصائد الثلاث ما يقارب 28 مرة.

ب: في مفاعيلن التي في الحشو يزاحفها إلى (مُفاعَلَتُن). وقد وقفت عليها في هذه القصائد الثلاث ما يقارب ال 120 مرة.

ج: في (مفاعِلن) العروض أو الضرب يزاحفها إلى (فاعِلُنْ) كعلة غير ثابتة. وقد وقفت عليها 55 مرة في العروض والضرب معا في القصائد الثلاث فقط.

فالمسيح الموعود يسير على هذا النسق من الزحافات، بالإضافة إلى الزحافات المعروفة، بنسق ثابت لا يحيد عنه.

فتكرار هذا الزحاف بهذه الكمية دليل واضح على أنه زحاف مقصود نابع من عملية واعية مستساغة عروضيا وموسيقيا للمسيح الموعود عليه السلام. وهذا الكم من التكرار لا يمكن أن يُعزى لا للخطأ العروضي ولا للسهو. فإذا كان المسيح الموعود عليه السلام قد نظم على البحر الطويل عشرات ومئات الأبيات موزونة على الوزن المعروف لهذا البحر، فلا يمكن بعد هذا القول بأنه والعياذ بالله جاهل بعروض هذا البحر أو قد سها عنه. بل إن هذا الكمّ من الخروج عن وزن البحر المعروف دليل على التصرف الواعي به.

ومما يؤكد هذا الوعي التام بهذا التغيير أن حضرته لم يأت بزحاف فعولن إلى فَعِلن إلا في بداية الشطر، فلم يأت به في فعولن التي في وسط الشطر.  وهذا تمام ما يحدث مع الخرم والثلم والثرم وكذا الخزم في هذا البحر، إذ كل هذه لا تأتي إلا في بداية الشطر.

كما أن حضرته لم يأت بعلة (فاعِلن) في الضرب أو العروض إلا وسبقتها (فعولن) تامة وغير مقبوضة. وهذا دليل واضح على الوعي التام المقصود.

أما ما يسوغ هذه الزحافات فما يلي:

فزحاف فعولن إلى فَعِلن في بداية الشطر، يسوغه ما قد يعتري فعولن هذه من الثلم والثرم أو ما يسمى بالخرم، وكذا ما قد يعتري هذا البحر والبحور الأخرى من بالخزم. فالخرم هو نقصان في بداية الشطر والخزم عكسه أي زيادة في بداية الشطر.  وكلها لها نفس التفسير والتسويغ عند العروضيين، لوقوعها في بداية الشطر؛ وهو أن وقوع التغيير من الزيادة والنقص في بداية الشطر لا يقبُح، إذ إن الوزن يستبين كلما ذهبت في البيت.

ففي هذا يقول أبو الحسن العروضي في الجامع : ” والقول في هذا ما قاله أبو إسحاق (الزجاج) وهو ان أول البيت ابتداء الوزن فلا يقبح في السمع النقص لأنك لم تستمر على استماع الأجزاء، ولهذا وقعت الزيادة كما وقع النقصان، والزيادة تسمى الخزم ” [ الجامع ص 172] أو قيل كذلك إن الترنم أو السكتة بين كل بيتين، هي عوض عن الخرم الذي هو نقصان. (ينظر الجامع نفس الصفحة )

أو كما نقل عن الزجاج في لسان العرب حيث جاء:

“والخَزْمُ بالزاي في الشعر زيادة حرف في أَول الجزء أَو حرفين أَو حروف من حروف المعاني نحو الواو وهل وبل والخَرْمُ نقصان قال أَبو إِسحق وإِنما جازت هذه الزيادة في أَوائل الأَبيات كما جاز الخَرْمُ وهو النقصان في أَوائل الأَبيات وإِنما احْتُمِلَتِ الزيادةُ والنقصانُ في ا لأَوائل لأَن الوزن إِنما يستبين في السمع ويظهر عَوارُهُ إِذا ذهبتَ في البيت ” [لسان العرب (12/ 174) تحت مادة “خزم”]

وعليه فالتغيير الحاصل من فعولن إلى فعِلن لا يقبح في بداية الشطر.

وأما الزحاف من مَفاعِيلن إلى مُفاعَلَتن يسوغه الزحاف العكسي من مفاعلتن إلى مفاعيلن في البحر الوافر.

وكذا الزحاف من مفاعِلن إلى فاعِلن في العروض والضرب، يسوغه نفس الزحاف في حشو البحر الوافر أيضا، وكذا أن مفاعيلن قد يقع فيها الشتر وهو اجتماع القبض والخرم معا فتصبح فاعِلن، وهذا حادث في بداية البحر الهزج. وبما أن هذا الزحاف لم يأت به المسيح الموعود عليه السلام إلا بعد (فعولن) التامة رغم إمكانية قبضها إلى (فعولُ) فكأنه جعل التمام في فعولن أي  المدّ في آخرها وهو (ن) كأنه عوض عن النقص الحاصل من مفاعلن إلى فاعلن، تماما كما اعتبروا الترنم أو السكت بين البيتين عوض عن النقص الحادث في الخرم في بداية البيت.

وكل هذا إن دلّ على شيء دلّ على التقارب الموسيقي بين هذه التفاعيل واستساغتها للذوق الشعري والأذن الموسيقية.

وعلى أي حال، ومهما كان التفسير لهذه الظواهر الشعرية، فإن المسيح الموعود عليه السلام يستسيغ لنفسه التصرف في البحر الطويل وابتكار زحافات فيه مستساغة له، من منطلق الظواهر الشعرية المختلفة، سواء الداخلة في عروض الخليل أو الخارجة عنه. وما يهمنا أن كل هذه الظواهر الشعرية التي بنينا عليها هذا التوجيه، واردة في الشعر العربي، فالالتزام يقواعد العروض ليس أمرا لازما وفق ما قاله الزمخشري.

ولذا لنا أن نجمل ونقول إن كل ما ظنه المعترض أنها كسور في الحشو ظهرت على شكل مفاعَلَتن أو فَعِلُنْ، أو ظهرت في الأعاريض والضروب على شكل فاعِلُن ليست هي بكسور، وإنما تصرف واع ثابت مقصود في تفاعيل هذا البحر. أو قل ابتكار من المسيح الموعود عليه السلام لصورة أخرى من البحر الطويل أسميتها “البحر المتطاول” وجعلت لها المفتاح التالي:

مُتَطاوِلٌ شَبَهُ الطويلِ بطولِه     فَعِلُنْ مُفاعَلَتنْ فَعولنْ مفاعِلن

أو قل:

متطاولٌ شَبَهُ الطويل المائجِ      فَعِلُنْ مُفاعَلَتنْ فعولنْ فاعِلُنْ

أو قد يكون كل هذا من قبيل الظواهر الشعرية المندثرة، التي لم تصل إلينا لنقص الاستقراء.

وبهذا، نكون قد رددنا وفسرنا ووضحنا السواد الأعظم، مما ظنه المعترض أنه كسور في البحر الطويل عند المسيح الموعود عليه السلام وخاصة في القصائد الثلاث المذكورة أعلاه. فهي ليست كسورا بل موسيقى جديدة لهذا البيت.

منها الأبيات التالية:

1: ونحن عبادك يا إلهي وملجئي … …..نخرّ أمامك خشيةً وتعبُّدا

,_,/,_,,_/,_ _/,_,_ ……….,_,/,_,,_/,_ ,/,_,_

فعولُ مفاعَلَتن فعولن مفاعِلنْ ……… فعولُ مُفاعَلَتن فعول مفاعِلنْ

 

2: ومِن وجهه جَلَّى بعيدًا وأقربَا … …..وأصاب وابلُه تِلاعًا وجَدْجَدا

,_ _/,_ _ _/,_ _/,_,_  ….. ,,_/,_,, _/,_ _/,_,_

فعولُنْ مفاعيلن فعولن مفاعِلنْ………. فَعِلنْ مُفاعَلَتن فعولن مفاعِلنْ

 

3: وأتى بصُحْف الله لا شك أنها ………. كتاب كريم يرفِد المسترفِدا

,,_/,_ _ _/,_ _/,_,_  …….  ,_ _/,_ _ _/,_ _/_,_

فَعِلُنْ مفاعيلن فعولن مفاعِلنْ ………..فعولُ مفاعيلن فعولن فاعِلنْ

 

4: وأرَوا نشاطا عند كل مصيبة ………….كعَوْجاءَ مِرقالٍ تُواري تَخدُّدا

,,_/,_ _ _/,_ ,/,_,_ ………  ,_ _/,_ _ _/,_ _/,_,_

فَعِلُنْ مفاعيلن فعولن مفاعِلنْ………   فَعولنْ مفاعيلن فعولن مفاعِلنْ

 

5: وكان وصال الحق في نيّاتهم …………..وخطْراتهم فلأجله مَدُّوا اليدا

,_,/,_ _ _/,_ _/_,_ ………… ,_ _/,_,,_/,_ _/ _,_

فَعولنْ مفاعيلن فعولن فاعِلنْ…………  فَعولنْ مفاعَلَتن فعولن فاعِلنْ

 

وهكذ الأمر في جميع الأبيات التي وردت فيها هذه الزحافات.

أما المواضع الأخرى التي ظنها المعترض كسورا في هذا البحر من هذه القصائد، فسنفصل توجيهها في المقال القادم.