المظاهر الإعجازية في لغة المسيح الموعود ع العربية .. 133

حين تلتقي لغة أكلوني البراغيث مع  بدل الإضراب ..

الاعتراض:

أورد المعارضون العديد من الفقرات من كتابات سيدنا أحمد عليه السلام، مدّعين الخطأ فيها أو بأنها لا ترقى إلى مستوى الفصاحة العالية، وهذه الفقرات هي:

  • فانظر كيف ((يسعون هؤلاء)) إلى كل جهة (حمامة البشرى)
  • إنكم لا تُمهَلون كما ((لم تمهَلوا آباؤُكم))، (نور الحق (
  • فإن مَثل الإمام مثلُ رجلٍ قويٍ تعلّق بأهدابه ضعيفٌ أو شيخٌ كبيرٌ (( يتخاذلان رجلاه))، (حقيقة المهدي)
  • لا ((يرون هؤلاء)) إلى نظامِ حكّام الدولة البرِطانية، (لجة النور)
  • ((فيُغاثون الناسُ)) في هذا الوقت (سر الخلافة )
  • ((وما دخلوا أكثرُهم)) في دينهم (نور الحق)
  • ((واتبعوا أكثرُهم)) سبل الشياطين، (سر الخلافة )
  • فلِمَ ((يبكون الناسُ)) على لفظ دمشق؟ (تحفة بغداد)
  • فتذكّرَ فضلاً ورُحمًا وعْدَه الثالثَ الذي ((يدْعون له الداعون))، (الخطبة الإلهامية)

والسبب لهذا الاعتراض ورود فاعلين للفعل الواحد أو نائبي فاعل للفعل الواحد المبني للمجهول، فيما أشير إليه بين الأقواس المزدَوَجة ، وهو ما يعرف بلغة أكلوني البراغيث.

الردّ:

لقد سبق ورددنا على هذا الموضوع في مقال سابق (ينظر : مظاهر الإعجاز 14 على الرابط التالي ) وكان من بين ما ذكرناه هناك، بأن هذه الجمل والفقرات يمكن توجيهها إلى ثلاثة توجيهات؛ كما يلي:

  • أولا على اعتبار لغة أكلوني البراغيث لغة عربية أصيلة وفصيحة تنسب إلى بعض القبائل العربية مثل طيء وأزد شنوءة وبلحارث بن كعب، وأقرّ بها وبصحتها ثلة من النحاة.
  • بتأويل هذه اللغة على (البدل) وذلك باعتبار الاسم الظاهر بدلا من الضمير المتصل بالفعل.
  • باعتبار الاسم الظاهر مبتدا مؤخرا والجملة التي سبقته من الفعل والفاعل (الضمير المتصل) في محل خبر مقدم.

وكان من بين ما ذكرناه هناك أيضا  بأن:

– هذه اللغة واردة بكثرة في الحديث الشريف كما أقر به السهيلي وفق الجنى الداني في حروف المعاني. ومن هذه الأحاديث الشريفة ما يلي:”يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار.” والحديث: ” فَكُنّ أمهاتي يحثثنني “. والحديث: ” من كنّ لَهُ ثَلَاث بَنَات “.

– وردت هذه اللغة في القرآن الكريم وفق بعض النحاة كما في الآيات التالية: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} (الأنبياء 4) و {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ} (المائدة 72).

ومن الشواهد التي وجدناها على صحة هذه اللغة، هو إقرار ابن مالك النحوي الشهير بكل هذا في كتابه “شواهد التوضيح” حيث جاء:

“ومن حذفها (النون) لمجرد التخفيف قراءة الحسن {يَوْمَ يُدْعَوا كُلُّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ}  وقراءة يحيى بن الحارث الذماري: {قالوا ساحران تظاهرا}.

والأصل: قالوا أنتما ساحران تتظاهران. فحذف المبتدأ ونون الرفع، وادغم التاء في الظاء.

وفي قراءة الحسن أيضًا موافقة للغة “أكلوني البراغيت”.” [شواهد التوضيح 229]

وقد ساق ابن مالك نفس الشواهد التي ذكرناها في المقال السابق من الحديث الشريف  وأضاف عليها من الشعر العربي ما يؤكد هذه اللغة حيث قال:

“ومنها قول عائشة رضي الله عنها  (كن نساءُ المؤمناتِ يشهدن مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – صلاة الفجر) .

قلت: اللغة المشهورة تجريد الفعل من علامة تثنية وجمع عند تقديمه على ما هو مسْند إليه، استغناءً بما في المسند إليه من العلامات، نحو: حضر أخواك، وانطلق عبيدك وتبعهم إماؤك.

ومن العرب من يقول: حضرا أخواك، وانطلقوا عبيدك، وتبعنهم إماؤك .

والسبب في هذا الاستعمال أن الفاعل قد يكون غير قابل لعلامة تثنية ولا جمع ك “مَن”. فإذا قصدت تثنيته أو جمعه والفعل مجرد لم يعلم القصد. فاراد أصحاب هذه اللغة تمييز فعل الواحد من غيره فوصلوه  عند قصد التثنية والجمع بعلامتيهما. وجردوه عند قصد الافراد، فرفعوا اللبس، ثم التزموا ذلك فيما لا لبس فيه، ليجري الكتاب على سنن واحد.

وعلى هذه اللغهَ “قول النبي – صلى الله عليه وسلم – (يتعاقبون فيكم ملائكة)  وقول من روى “كن نساء المؤمنات”، وقول أنس (وكن أمهاتي يحثثنني) .

ومنه قولِ الشاعر :

200 – نصَروك قومي فاعتززتَ بنصرهم ِوَلَو. أنهم خَذَلُوكَ كنتَ ذليلًا

ومثله :

201 – نُسيا حاتم وأوس لَدُنْ فا ضت عطاياك يا ابن عبد العزيز”

ومثله:

202 – رأين الغواني الشيب لاح بمفرقي  فاعرضن عني بالخدود النواضر” [ شواهد التوضيح 246-248]

وفي الهامش جاء عن هذه اللغة ما يلي:

هذه لغة مشهورة يعبر عنها النحاة بلغة “أكلوني البراغيث“. وتقدم ذكرها عرضًا في البحث المرقم 58.

وما يهمنا من كل ما ذكره ابن مالك النقاط التالية:

  • أنها موجودة في الحديث الشريف كقول الرسول : يتعاقبون فيكم ملائكة. وقول عائشة (كنّ نساءُ المؤمنات يشهدنَ..) بدلا من القول (كانت نساء المؤمنات..) والحديث: (كنّ أمهاتي يحثثنني..) بدلا من القول:( كانت أمهاتي يحثثنني..)
  • أورد ابن مالك مثالين على ورود هذه اللغة ببناء الفعل للمجهول وهي : 1- قراءة الحسن {يَوْمَ يُدْعَوا كُلُّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} 2- نُسيا حاتم وأوس  . وهي تؤكد صحة الأمثلة المشابهة من كلام المسيح الموعود عليه السلام حيث قال: ((كما لم تُمهَلوا  آباؤكم))،وكذلك قوله: ((فيُغاثون الناسُ)).
  • فيثبت من كل هذا صحة فقرات المسيح الموعود عليه السلام المذكورةأعلاه بحملها على هذه اللغة المشهورة الفصيحة التي يقر بها النحاة .

وأما التأويل على البدل في كل هذه الفقرات فهو يختلف من جملة إلى أخرى بحسب المعنى. ولكن معظم هذه الجمل تُحمل على بدل البعض من الكل أو قد تُحمل بعض هذه الجمل على بدل الكل من الكل. رغم أن نوع البدل لا يهمنا كثيرا في كل هذا بل المهم انها تخرج على البدل.

ولكن لا بدّ أن نقف عند جملتين من هذه الجمل، لأن البدل فيها قد لا يكون واضحا ، وهما الجملتان التاليتان:

  • إنكم لا تُمهَلون كما ((لم تمهَلوا آباؤكم))، (نور الحق ([ بدل إضراب لأنه لا يجوز  هنا الاستغناء عن البدل (آباؤكم)، لأنه هو المقصود بالكلام بالذات لا غيره]
  • فإن مَثل الإمام مثلُ رجلٍ قويٍ تعلّق بأهدابه ضعيفٌ أو شيخٌ كبيرٌ (( يتخاذلان رجلاه))، (حقيقة المهدي)

ففي الأولى لنا أن نجزم بأن البدل فيها هو (بدل إضراب) وهو كما عرفه النحو الوافي بأنه:

وأما بدل الإضراب فهو الذي يذكر فيه المبدل منه قصدا. ولكن يضرب عنه المتكلم “أي: ينصرف عنه ويتركه مسكوتا عنه” من غير أن يتعرض له بنفي أو إثبات -كأنه لم يذكره- ويتجه إلى البدل. نحو: سافر في قطار، سيارة. فقد نصّ المتكلم على القطار أولا، ثم اضرب عنه تاركا أمره، ونص على السيارة بعد ذلك، فهي بدل مقصود من القطار. ولا يحتاج هذا البدل إلى ضمير يعود إلى المتبوع، ولا إلى غيره من الروابط…… .” [النحو الوافي (3/ 672-671)]

وما يميز بدل الإضراب عن النوعين الآخرين المذكورين أعلاه، هو أن فيه  لا يمكن الاستغناء عن البدل (آباؤكم) في الكلام والاقتصار على المبدل منه (واو الجماعة في “تُمهَلوا”)؛ لأن المبدل منه ليس هو المقصود في الكلام؛ بينما يصحّ هذا الاستغناء في النوعين الآخرين. وهو ما مثّل له النحو الوافي بما يلي: “ومن ثم كان “أعجبني علي أخوه” بدل إضراب، لا بدل اشتمال، إذ لا يصح الاستغناء عنه بالأول.” [ النحو الوافي (3/ 670)] فجملة “أعجبني عليٌ أخوه” مطابقة لجملة المسيح الموعود عليه السلام” كما لم تمهلوا آباؤُكم” ففي كلاهما تكون الكلمات (أخوه) و(آباؤكم) بدل إضراب.

وأما في الجملة الثانية، فإذا حملناها على البدل، فلنا أن نقول بأن البدل فيها هو بدل بعض من كل، لكون البدل (رِجلاه) جزءا حقيقيا من المبدل منه (ألف الاثنين العائد إلى الضعيف والشيخ الكبير). ولكن هذا يستلزم حمل المفرد على معنى الإثنان أو الجمع في إفراد الضمير الغائب في (رجلاه). لذا فإنني أرجّح في هذه الجملة بالذات توجيهها فقط على “أكلوني البراغيث” وليس على البدل؛ لأنه وفق لغة أكلوني البراغيث يستقيم المعنى والتوجيه النحوي بشكل أفضل، خاصة فيما يتعلق بإفراد وتثنية البدل والمبدل منه ومدى تطابقهما من هذه الناحية، إذ لا بد من التأويل والحمل على المعنى من أجل هذه المطابقة.

أما بحملها على “أكلوني البراغيث” فلا إشكال في ذلك لأن الضمير “ألف الإثنين”  في (يتخاذلان) لا يعود إلى (الضعيف و الشيخ الكبير) ، بل في هذه الحالة لا تعتبر الألف ضميرا إنما مجرد حرف للتثنية يدل على الفاعل المثنى الظاهر بعده وهو كلمة (رجلاه).

بقي أن نشير إلى ناحية مهمة في حمل هذه الجملة على ” أكلوني البراغيث” ، وهي مسألة تذكير الفعل (يتخاذلان) مع كون الفاعل بعده مؤنثا (رِجلاه). فقد صحّ هذا لأن الفاعل (رِجلاه) مؤنث مجازي وكذلك لوجود فاصل بين الفعل والفاعل وهو الألف والنون، فجاز في هذه الحال تذكير الفعل مع الفاعل المؤنث..

لذا فنخلص إلى أن كل الفقرات المذكورة أعلاه من الممكن أن توجه على أكلوني البراغيث أو على البدل سوى الفقرة الثالثة فهي على الأرجح ومن الأيسر توجيهها وفق التوجيه الأول فقط على ” أكلوني البراغيث”.