الاعتراض

لقد قال المسيح الموعود عليه السلام: “ومن اعتقد -مع كونه مسلما- أن النبي صلى الله عليه وسلم قام في حياته بعمل الضلال فهو كافر وملحد ويستحق أن ينفَّذ فيه حدٌّ شرعيّ“. (مرآة كمالات الإسلام الخزائن الروحانية (الأردية) المجلد5 ص 170)

إن “حد شرعي” هنا بحسب النص الأصلي يجب أن يكون “الحد الشرعي” وبالتالي النتيجة هي أن المسيح الموعود عليه السلام كان يعتقد بقتل المرتد كما يعتقد به المشايخ التقليديون.

الرد:

أولا: ما يحاول المعترضون الاستدلال به من هذا النصِّ اليتيم هو أن حضرته يؤمن بحدِّ قتل المرتد لمجرد ردته. ولكن ما هي عقيدة حضرته في قتل المرتد؟

ما يعتقده حضرته هو أن المرتد لا يُقتل إلا إذا كان قاتلا مجرما أو محاربا، وأن هذا هو السبب في قتال أبي بكر الصديق رضي الله عنه للمرتدين، والذين هم في حقيقة الأمر من اعتدوا وقتلوا كثيرا من المسلمين في أقوامهم ثم هاجموا المدينة المنورة وأرادوا اجتثاث الإسلام. ويقول حضرته ردا على أحد القساوسة الذي يعترض على قتال هؤلاء المرتدين:

تعترضون بأن المرتدين القاتلين لم يكونوا مستحقّين للعقوبة فقتلوا دون رحمة، فلا يخفى عليكم أن أنبياء بني إسرائيل قَتلوا حتى الرُضّع وليس واحداً أو اثنين بل آلاف الآلاف، فإما أن تُنكروا نبوّتهم أو أن ذلك لم يكن أمراً إلهياً؟ أو أن الله في زمن موسى كان مختلفاً عن زمن محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم؟” (الرسائل الأحمدية، رسالة رقم 3 إلى القس فتح مسيح)

وهنا يقول حضرته إن الأنبياء قد قاتلوا المعتدين والمجرمين وقتلوهم أيضا، بل كما ورد في الكتاب المقدس إن موسى عليه السلام قد أمر بقتل الرُّضع، فلا تهاجموا الإسلام وأنتم تقولون بما هو أعظم مما يقوله. فما البأس في قتال المرتدين القاتلين والأمر كذلك؟

فهذا هو موقف حضرته الواضح تجاه المرتد، وهو أنه يقتل إذا كان قاتلا محاربا. فليس القتل هنا لمجرد ردّته بل لقتاله مع المؤمنين ومحاولته لقتلهم.

ثم نجد أن حضرته في مواضع كثيرة جدا من كتبه وكتاباته قد أكَّد على الحرية الدينية وألا عقوبة للناس على معتقداتهم في هذه الحياة الدنيا وأن هذا أمر ليس من صلاحية الناس معاقبة بعضهم بعضا عليه.

لذلك فلا يصحُّ موقف المعترضين إلا إذا أتوا بموضع يصرِّح فيه حضرته عليه السلام أنه يؤمن بحدِّ قتل المرتد، وهذا ما لن يستطيعوا العثور عليه. فكيف إن كان لدينا نصٌّ واضح بخلافه ونصوص لا حصر لها في التأكيد على مبدأ الحرية الدينية الذي ينافي قتل المرتد من جذوره؟

ثانيا: والآن، ما هو سياق الفقرة التي أوردها المعترضون؟ وهل لها علاقة بالمرتدين أصلا؟

لا انسجام قط بين ما قاله مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية وبين ما استنتجه بعض المعترضين، لأن المسيح الموعود عليه السلام لا يتحدث هنا عن قتل المرتد بل يقول بأن الذين يقولون بأن معنى الآية (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) الواردة في سورة الضحى هو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ضالا قبل نزول القرآن الكريم ثم هداه الله تعالى بعد ذلك، فإن هذا المعنى لا ينسجم مع عظمة النبي صلى الله عليه وسلم بل يسيء إليه. إذًا، إن المسيح الموعود عليه السلام يصف القائلين بهذا المعنى أنهم يرتكبون الإساءة بحق النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصفهم مرتدين لأن المرتد هو من كان مسلما ثم ينكر صدق الإسلام ويخرج عن دائرة الإسلام، ولكن القائلين بتفسير من هذا القبيل يعترفون بصدق الإسلام والنبي صلى الله عليه وسلم.

إن كان حضرته هنا ذكر عقوبة للمرتد فلماذا قال فهو كافر وملحد بدلا من أن يقول فهو كافر ومرتد مادامت العقوبة التي ذكرها هي للمرتد بحسب زعم المعترضين؟

وهل سيستنتج المعارضون من هذا النص أن حضرته يأمر بقتل الكافرين والملحدين أيضا إلى جانب المرتدين؟
هذا الاستنتاج ساقط بداهة.

فلا علاقة لهذا الكلام بقتل المرتد من قريب ولا من بعيد بخلاف ما يقوله المعترضون.
والقضية هنا هي قضية الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا قضية المرتد وعقوبته.
فإذا كان الأمر كذلك، فما هو موقف حضرته عليه السلام تجاه قضية الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟

يقول: “لقد أعطانا الله تعالى تعليما واضحا لمعالجة موقف يساء فيه إلى ديننا وتُستخدم كلمات بذيئة بحق نبينا الأكرم صلى الله عليه وسلم، وقد ورد هذا التعليم في نهاية سورة آل عمران كما يلي: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ). (البلاغ، الخزائن الروحانية المجلد13، 390-391)

وماذا يعني هذا التعليم؟
قال حضرته عليه السلام: في القرآن الكريم نبوءة عن الزمن الأخير ومعها أمرٌ كوصية ربانية لا يجدر بالمسلم الصادق أن يهمله وهو: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)، أي إذا وَقيتم أنفسكم من كل تصرُّف غير لائق فستُعدّون من أولي العزم عند الله…إن عبارة (أَذًى كَثِيرًا) الواردة في هذه الآية، التي تتطلّب الإساءة الشديدة باللسان… أُمِرنا بالتأكيد في الآية الكريمة المذكورة آنفًا أن نصبر عند سماع هذه الكلمات المسيئة المؤذية الجارحة للقلوب. (كتاب البرية، الخزائن الروحانية المجلد13، ص 318-319)

فهو لا يرى أن الشرع قد نصَّ على عقوبة محددة أو حدٍّ شرعي على الإساءة للنبي صلى الله عليه وسلم وإيذاء مقدسات المسلمين، ولكن هذا لا يعني أن هذه الإساءات يجب أن تكون مستساغة ومقبولة ولا ينبغي أن يتدخل القانون لوضع حد لها، والحدُّ الذي يقرره الإسلام تجاه هذه الأمور غير المنصوص عليها حدًّا هو التعزير؛ أي ما يراه القانون مناسبا وفقا لهذه الجرائم.

لذا، فترجمة “حدّ شرعي” إنما هي الترجمة الدقيقة؛ أي ما يعزر به القانون تحت ضوء الشرع فهو حدٌّ شرعي أيضا بهذا المعنى، لأن الشرع يرتضي ما يقرره القانون. أما “الحد الشرعي” فلا تنطبق هنا، لأن حضرته لا يؤمن بأن الشريعة قد حددت حدا محددا لهذه الإساءة.

ثالثا: ولكن، هل كان حضرته يتحدث عن عقوبة حقا؟ أم هذا مجرد تعبير كلامي الهدف منه إظهار الغضب والاستياء من موقف هؤلاء الذين يفسرون الآية تفسيرا مسيئا للنبي صلى الله عليه وسلم؟

من الواضح أن النصّ السابق لا يتحدث عن عقوبة محددة أصلا، ولا عن ضرورة معاقبة هؤلاء وفق الشريعة بأي عقوبة تقع تعزيرا، بل هو تعبير يُقصد منه الاستياء من موقف هؤلاء غير اللائق.

فلو أخذنا بموقف المعترضين من هذا الباب لقلنا إن الحدَّ الشرعي الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم للذين يتخلفون عن صلاة الجماعة هو تحريق بيوتهم عليهم! فقد جاء في الحديث الشريف:

{عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ } (صحيح البخاري, كتاب الأذان)

ولكن لم يفهم أحد أن هذا حدٌّ شرعي قرره النبي صلى الله عليه وسلم للمتخلفين عن الصلاة، بل إن بعض المتطرفين الذين يعتقدون بأن من الواجب إجبار الناس على الصلاة لا يرون هذا، بل يفهمون أنه تعبير عن استياء النبي صلى الله عليه وسلم ليس إلا.

لذلك، فلا يستفاد من هذا النص مطلقا ما يذهب إليه المعترضون من أنه تقرير لعقوبة قتل المرتد لمجرد ردته والتي لا يؤمن بها حضرته بتاتا. وسواء كانت الترجمة “حد شرعي” أو “الحد الشرعي” – مع أن ترجمة “حد شرعي” هي الترجمة الصحيحة – فلا علاقة لذلك بقتل المرتد ولا حتى بعقوبة المسيئين المتعمّدين؛ لأن حضرته لم يتحدث في هذا السياق عن المرتدين أصلا بل عن الذين يسيئون إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين جهلا وغباوة وليس قصدا، ولم يأمر بعقوبتهم ولم يقل إن عقوبتهم وفق الشريعة إنما هي حدٌّ محدد. ومقصود حضرته من هذا النصّ ليس سوى التعبير عن الاستياء من هذا الموقف لا أكثر ولا أقل.\


ورد المقال الأصلي على موقع الجماعة الرسمي.